في سابقة قضائية تُعيد رسم حدود العلاقة بين القضاء والإدارة التعليمية، أصدرت دائرة توحيد المباديء بالمحكمة الإدارية العليا حكماً فاصلاً في الطعن رقم 82413 لسنة 71 ق. عليا، لتضع حداً للجدل الممتد حول مدى أحقية القضاء في التدخل بإعادة تصحيح أوراق إجابات الطلاب أو تعديل درجاتهم.
الحكم الصادر برئاسة المستشار أسامة يوسف شلبي، رئيس مجلس الدولة، جاء ليحسم اتجاهين متعارضين داخل القضاء الإداري، أحدهما كان يجيز الاستعانة بالخبراء لإعادة تقييم إجابات الطلاب، بينما تمسك الآخر بأن تقدير الدرجات مسألة فنية خالصة من اختصاص الجامعات.
بداية الأزمة: درجات محل نزاع
تعود وقائع القضية إلى دعوى أقامتها طالبة بكلية الحقوق جامعة المنصورة، طعنت فيها على نتائجها في بعض المواد، مؤكدة أن درجاتها لا تعكس مستوى إجاباتها. واستجابت محكمة القضاء الإداري جزئياً لطلبها، وقررت إعادة التصحيح عبر لجان متخصصة، وهو ما أسفر عن زيادة درجاتها في بعض المواد.
لكن الجامعة لم تقبل الحكم، وطعنت عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، لتتحول القضية من نزاع فردي إلى مبدأ قانوني عام يتعلق بمستقبل آلاف الطعون المشابهة.
نقطة الفصل: حدود رقابة القضاء
المحكمة الإدارية العليا، عبر دائرة توحيد المبادئ، لم تنظر فقط في النزاع، بل تصدت لإرساء قاعدة قانونية ملزمة، مفادها أن عملية تصحيح أوراق الامتحانات وتقدير الدرجات هي عمل فني بحت تختص به الجهات التعليمية دون غيرها.
وأكدت المحكمة أن القضاء الإداري لا يجوز له أن يحل نفسه محل المصحح أو الأستاذ الجامعي في تقييم الإجابات، أو تقدير مدى صحتها وكمالها، معتبرة أن ذلك يدخل في صميم السلطة التقديرية للجهة الإدارية.
متى يتدخل القضاء؟
ورغم هذا التقييد، لم تُغلق المحكمة الباب تماماً أمام الرقابة القضائية، إذ أكدت أن دور القضاء يظل قائماً في حالات محددة، أبرزها:
* وقوع أخطاء مادية في جمع أو رصد الدرجات
* ترك سؤال أو جزء منه دون تصحيح
* وجود انحراف أو إساءة استعمال السلطة من جانب جهة الإدارة
أما غير ذلك، فلا يجوز اللجوء إلى الخبراء لإعادة تقييم الإجابات أو تعديل الدرجات.
رفض الاستعانة بالخبراء
الحكم شدد على أن الاستعانة بالخبراء لإعادة تقدير الدرجات “ينتفي مناطها” طالما ثبت أن ورقة الإجابة تم تصحيحها بالكامل، وأن كل سؤال حصل على درجته، معتبرًا أن تدخل الخبراء في هذه الحالة يمثل تجاوزاً لحدود الرقابة القضائية.
مبدأ المساواة في الميزان
ومن بين النقاط اللافتة في حيثيات الحكم، تأكيد المحكمة على أن نظام التصحيح يتم في إطار من السرية والحياد، ويخضع لمعايير موحدة، بما يحقق مبدأ المساواة بين جميع الطلاب، دون النظر إلى ظروفهم الفردية أو احتياجاتهم الخاصة.
خلاصة الحكم
انتهت المحكمة إلى ترجيح الاتجاه القائل بأن تقدير الدرجات من اختصاص الجهة الإدارية وحدها، ولا يجوز للقضاء إعادة النظر فيها، لتضع بذلك قاعدة واضحة ستؤثر مستقبلاً على جميع المنازعات المرتبطة بنتائج الامتحانات.

تعليقات