هل تساءلت يومًا كيف تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول؟ وهل تبحث عن دليل واضح يجيب عن كل ما يدور في ذهنك من أحكام وتفاصيل؟ نشرت وزارة الاوقاف تقرير يأخذ بيدك في رحلة إيمانية متكاملة، يجيب عن تساؤلاتك ويقودك خطوة بخطوة لأداء المناسك بثقة وطمأنينة.
المبحث الأول: زاد الرحلة (الاستعداد لأداء مناسك الحج والعمرة)
أولًا: تعريف الحج وفضله
الحج في لغة العرب هو القصد، وفي اصطلاح الشرع هو: قصدُ مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف وسائر المناسك في أشهر الحج؛ استجابةً لأمر الله تعالى، وابتغاءً لمرضاته.
وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو من الفروض المعلومة من الدين بالضرورة.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ﴾ [الحج: ٢٧].
وقد ورد في السنة النبوية بيان فضله العظيم في كثير من الأحاديث، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري: (١٥٢١)].
والرَّفَثُ: اسْمٌ لِلْفُحْشِ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ هُوَ الْجِمَاعُ [شرح النووي على صحيح مسلم: ٩/ ١١٩].
وورد أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ» [سنن ابن ماجه: (٢٨٩٢)].
وفي فضل الإنفاق في هذه الرحلة المباركة، فعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةٍ» [مسند أحمد: (٢٣٠٠)].
وشروط وجوب الحج: الإسلام والبلوغ، والعقل، والاستطاعة فمن توفر فيه هذه الشروط وجب عليه الحج.
ويُستحب المبادرةُ بأداء هذه الفريضة متى توافرت الاستطاعة.
ثانيًا: نصائح وتوجيهات قبل السفر
لضمان أداء فريضة الحج أو العمرة على الوجه الأكمل، ينبغي لضيوف الرحمن مراعاة التوجيهات الآتية:
التهيئة الروحية والإيمانية
إخلاص النية: يجب أن يقصد المسلم بنسكه وجه الله تعالى، متقربًا إليه بصالح الأعمال في تلك البقاع الطاهرة، محاذرًا من الرياء والمفاخرة؛ ليسلم عمله من الإحباط ويحظى بالقبول.
التوبة الصادقة: على كل من دعاه الله لزيارة بيته أن يخلص التوبة، ويسأل مولاه غفران ذنوبه، ليبدأ عهدًا جديدًا مع ربه، ويعقد معه صلحًا صادقًا لا يحنث فيه.
الاستعداد الروحي: من المهم أن يهيئ الحاج نفسه بصدق، مجددًا نيته، وموجهًا قلبه خالصًا لله رب العالمين.
الجانب المالي وتبرئة الذمة
طيب النفقة: من علامات الإخلاص إعداد نفقة السفر من كسب حلال، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا. ومن حج بمال حرام ولبى، قيل له: «لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ كَسْبُكَ حَرَامٌ، وَزَادُكَ حَرَامٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَرَامٌ، فَارْجِعْ مَأْزُورًا غَيْرَ مَأْجُورٍ، وَأَبْشِرْ بِمَا يَسُوءُكَ» .
الاستطاعة المالية: من شروط الوجوب القدرة على تحمل تكاليف الرحلة ذهابًا وإيابًا، مع ترك نفقة كافية لمن يعولهم؛ فلا تكلف نفسك ماليًّا أو جسديًّا فوق طاقتها.
رد الحقوق والمظالم: تكتمل التوبة بتطهير النفس من حقوق الغير، وذلك برد الديون إلى أصحابها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والاستغفار عما عجز عن رده.
صلة الرحم والوصية: ينبغي للحاج أن يصل أرحامه ويبر والديه، ويطلب العفو من جيرانه وإخوانه، وأن يخبر أقرب الناس إليه بما له وما عليه، حاثًّا أهله على تقوى الله وحفظ فرائضه.
التفقه في الدين والاستعداد البدني
تعلم الأحكام: يجب على الحاج أن يتفقه في أحكام النسك لتكون عبادته صحيحة، سائلًا أهل الذكر والفتوى عما يُشكل عليه ليكون على بصيرة تامة.
سعة الصدر: كن على يقين أن اختلاف الفقهاء رحمة وتيسير، فلا تشق على نفسك، ولا تظن سوءًا بمن خالفك ما دام عمله يوافق قولًا معتبرًا لأحد المجتهدين.
اللياقة البدنية: تتطلب المناسك مجهودًا بدنيًّا شاقًّا، مما يستلزم ممارسة رياضة المشي قليلًا قبل السفر، وتكييف عادات النوم والغذاء، ولا حرج على من أقعده العجز، فالفريضة مفروضة على المستطيع فقط.
الإجراءات وآداب السفر
تجهيزات الرحلة: يُعد تحضير مستلزمات السفر أمرًا ضروريًّا، كملابس الإحرام، وأخذ التطعيمات المقررة، واصطحاب الأدوية المناسبة لحالتك بناءً على استشارة طبية.
الالتزام بالنظام: يجب التقيد بالتعليمات والإجراءات المنظمة حفاظًا على سلامة الجميع، والمتابعة مع مسؤولي الحملة في كافة الاستشارات الشرعية والصحية والإدارية.
يوم السفر: تأكد من موعد رحلتك، واحرص على اقتناء وثائقك، ولا تنسَ ترديد دعاء السفر.
آداب الركوب: التزم الهدوء والنظام عند استقلال الطائرة، واحرص على الطهارة التامة. ويُفضل لمن يقصد مكة المكرمة مباشرةً ارتداء ملابس الإحرام قبل الصعود.
التعاون وحسن الخلق: احرص على إشاعة روح التسامح، وتقديم العون للمسنين وذوي الهمم والنساء، وعامل الناس جميعًا بما تحب أن يعاملوك به.
عمارة الوقت: استثمر أوقات السفر في تلاوة القرآن وتدبره، والإكثار من الذكر والاستغفار والصلاة على رسول الله ﷺ، مع حفظ اللسان عن الخوض فيما لا يفيد.
المبحث الثاني: كيفية الإحرام وأنواع النسك خطوة بخطوة
ها أنت أيها الحاج قد لبيت النداء، وهيأت نفسك وروحك لبدء هذه الرحلة المباركة، قاصدًا بيت الله الحرام.
ولتكون بدايتك صحيحةً ومبنيةً على سنة نبيك ﷺ، ينبغي عليك مراعاة الإرشادات والسنن الآتية قبل إحرامك:
أولًا: السنن التحضيرية للإحرام
أ) النظافة الشخصية: يُستحب في حقك أن تتعاهد جسدك بالنظافة، فتُقَلِّم أظافرك، وتتعاهد شعرك وشاربك وعانتك وإبطيك؛ فتحلق أو تقص ما تدعو الحاجة إلى أخذه؛ لئلا تحتاج إلى فعل ذلك بعد الدخول في نسك الإحرام فتُحظَر عليك.
ب) الطهارة العامة: حافظ دائمًا على نظافتك في البدن والملبس والمأكل والمشرب، وعلى نظافة الأماكن المباركة التي تتردد عليها؛ لأن الإسلام دين النظافة والطهر.
ج) الاغتسال: يُستحب الاغتسال بنية الإحرام، ويستوي في هذه السنة الرجل والمرأة، والصغير والكبير، وسواء أكانت المرأة طاهرةً من الحيض والنفاس أو حائضًا أو نُفَساء.
وإذا كان المسلم جُنبًا، فيكفيه غُسلٌ واحد بنية إزالة الجنابة والإحرام معًا.
د) التطيب والتزين: يُسن التزين على الصورة المناسبة والمألوفة. ولا حرج شرعًا في تطييب البدن بأطيب العطور بعد الاغتسال وقبل لبس ملابس الإحرام، ولا يضر بقاء أثر الرائحة الطيبة في الثوب بعد عقد النية، والأولى أن يتطيب بطيبٍ لا تبقى مادته وجرمه على الجسد.
هـ) الالتزام بالميقات: لا بد أن يكون الإحرام من الميقات المكاني الخاص بكل أهل بلدٍ، ولمن أتى مِن جِهتهم قاصدًا النسك.
و) صون النسك: صون الإحرام عن المحظورات الشرعية التي سنفصلها لاحقًا؛ تعظيمًا لشعائر الله.
ز) ركعتا الإحرام: يُسن أداء صلاة ركعتين بنية سُنة الإحرام، وتجزئ الصلاة المكتوبة عن هذه السُّنة اتفاقًا، كما هو الحال في تحية المسجد.
ثانيًا: صفة ملابس الإحرام (تجرد الأبدان)
أ) إزارٌ: وهو ثوبٌ من قماشٍ تلفه على وسطك، تستر به جسدك ما بين سرتك إلى ما دون ركبتيك.
ب) رداءٌ: وهو ثوبٌ كذلك تستر به ما فوق سرتك إلى كتفيك، فيما عدا رأسك ووجهك اللذين يبقيان مكشوفين.
واحذر أيها الرجل أن تلبس في مدة الإحرام قميصًا، أو جوربًا، أو جلبابًا، أو شيئًا مما اعتدت لبسه من الثياب المفصلة المخيطة، لكن إذا كنت مضطرًا لعذرٍ طبيٍ أو بردٍ شديدٍ، فلك أن تلبس ذلك مع وجوب دفع الفدية؛ مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِیضًا أَوۡ بِهِۦۤ أَذࣰى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡیَةࣱ مِّن صِیَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكࣲۚ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ج) نعلٌ: تلبسه في رجليك بحيث يظهر منه الكعب من كل رِجْلٍ، والمراد بـالكعب هنا: العظم المرتفع بظاهر القدم.
كل هذا التجريد خاص بـالحاج الرجل.
أما المرأة الحاجَّة فتلبس ملابسها المعتادة الساترة لجميع جسدها من شعر رأسها حتى قدميها، وعليها أن تكشف وجهها وكفيها.
وعليها أن تتجنب مزاحمة الرجال، وأن تكون ملابسها واسعةً فضفاضةً لا تُبْرز تفاصيل الجسد أو تلفت النظر.
والمستحب لها لبس البياض، وإن أحرمت في غير ذلك من الألوان فلا حرج عليها.
ثالثًا: مواقيت الإحرام وأحوال السفر
متى تيسر موعد السفر وحُددت وسيلته، وجب على ضيوف الرحمن مراعاة الأحكام والتوجيهات الآتية بناءً على مسار رحلتهم:
١- القاصدون للمدينة المنورة في بداية الرحلة
تأجيل الإحرام: لا يُشرع لك ارتداء ملابس الإحرام أو نية النسك عند التوجه للمدينة المنورة، ولكن ترتدي ملابسك المعتادة حتى تفرغ من زيارة المسجد النبوي الشريف وتنتهي فترة إقامتك هناك.
مكان الإحرام: عند مغادرتك المدينة قاصدًا مكة المكرمة، يجب عليك الإحرام (للعمرة أو للحج أو لكليهما معًا) من المدينة نفسها أو من ميقاتها “ذي الحليفة” (المعروف الآن بـأبيار علي).
خطوات الإحرام: يجوز لك التيسير على نفسك بالاغتسال وارتداء ملابس الإحرام داخل فندقك بالمدينة، على أن تؤجل عقد النية وصلاة ركعتي الإحرام حتى تبلغ الميقات (مسجد أبيار علي) عملًا بالسنة المطهرة.
التلبية: بعد صلاة ركعتي الإحرام في الميقات، يُستحب أن تهل بالنية وتشرع في التلبية عند تحرك الحافلة بك، اقتداءً بالنبي ﷺ الذي كان يُهل ملبيًا إذا انبعثت به راحلته، ويُستحب الاستمرار في التكبير والتلبية قدر الاستطاعة طيلة الطريق.
الوصول إلى مكة: يُوصى أفراد البعثة عند بلوغهم مكة المكرمة بالتوجه إلى مقر السكن أولًا لاستلام الغرف والحقائب، وأخذ قسط من الراحة والاطمئنان، قبل التوجه إلى الحرم المكي لبدء المناسك.
٢- المتوجهون إلى مكة المكرمة مباشرةً (عبر جدة) إذا كنت ضمن الأفواج المتأخرة التي تقصد مكة مباشرةً، فلك الخيار في نية النسك؛ إما “قارنًا” (تجمع بين الحج والعمرة)، أو مفردًا (للحج فقط)، أو معتمرًا (للعمرة فقط)، وتختلف الاستعدادات باختلاف وسيلة السفر:
المسافرون بحرًا: إذا اقتربت الباخرة من الميقات (وهو “رابغ” لأهل مصر والشام)، فتهيأ للإحرام بقص الأظافر وحلق الشعر، ثم اغتسل داخل الباخرة، وتطيب بالروائح المباحة (قبل نية الإحرام)، ثم ارتدِ ملابس الإحرام.
المسافرون جوًّا: يُستحب الاستعداد وارتداء ملابس الإحرام في بيتك أو في المطار، بحيث تركب الطائرة وأنت مستعد للإحرام، وبعد الاستقرار في الطائرة أو عند بدء تحركها، اعقد نية النسك الذي تريده وابدأ بالتلبية.
٣- أحكام الإحرام من مدينة جدة
للقادمين بحرًا أو جوًّا: لا مانع شرعًا لمن قدم إلى جدة (عبر البحر أو الجو) من أي جهة كانت، أن يُحرم منها، سواء كان ينوي أداء النسك فورًا أو سيمكث فيها أيامًا ثم يتوجه لمكة، وليس عليه في هذه الحالة دم أو فدية وذلك على المفتى به.
للقادمين برًّا: من قدم برًّا ومرّ بميقات مكاني في طريقه، فالأولى أن يُحرم من ذلك الميقات خروجًا من الخلاف الفقهي.
أما إن شق عليه ذلك وأخر إحرامه حتى بلوغ جدة، فلا حرج عليه شرعًا.
رابعًا: أنواع النسك (عقد النية والتلبية)
ومتى لبست ثياب الإحرام على هذا الوجه السالف ذكره، صلِّ ركعتين سُنةً، وانوِ في قلبك عقب الفراغ من أدائهما ما تريد من الأنواع الثلاثة:
١. القِران: وهو الإحرام بـالحج والعمرة معًا، فتقول استحبابًا: “لبيك اللهم بحجة وعمرة”، وهذا النوع يستوجب أن يبقى المُحْرِمُ على صفة الإحرام حتى ينتهي من جميع أعمال الحج.
٢. التمتع: إذا أحرمت بـالعمرة وحدها، فلتقل: “لبيك اللهم بعمرة”، وهذا النوع يستوجب البقاء محرمًا حتى تنتهي من أعمال العمرة، وبعدها تتحلل وتلبس ثيابك المعتادة حتى يأتي يوم التروية (الثامن من ذي الحجة)، فتنوي الحج وتُحْرِم من مكان إقامتك بـمكة.
٣. الإفراد: إذا أحرمت بـالحج وحده، فلتقل: “لبيك اللهم بحَجة”، وتبقى على صفة الإحرام حتى تنتهي من جميع أعمال الحج.
وبأيهم أحرمت فقل: “اللهم إني نويت كذا فيسره لي وتقبله مني واجعل محلي حيث حبستني”.
ثم انطلق مهللًا ملبيًا بقلبك ولسانك بتلبية رسول الله ﷺ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». [صحيح البخاري: (١٥٤٩)] وبهذا القول بعد تلك النية تصير مُحْرِمًا؛ لأن هذه التلبية بمثابة تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة.
خامسًا: محظورات الإحرام وما يُباح للمُحْرِم
بمجرد الدخول في النسك، تصير محرمًا، ولا يجوز لك أن تفعل أو تقترب مما صار مُحَرَّمًا عليك، وهو:
تغطية الرأس (للرجال)، وحلق الشعر أو شده من أي جزءٍ من الجسد.
تقليم الأظافر.
استخدام الطِّيب والروائح العطرية.
المخالطة الزوجية أو فعل دواعيها كاللمس والتقبيل بشهوةٍ.
لبس أي مَخِيط مُحِيط (للرجال).
التعرض لصيد البر الوحشي، أو قطع شجر الحرم.
وإذا فعل المُحرِم واحدًا من هذه المحظورات قبل التحلل الأول (رمي جمرة العقبة في عاشر ذي الحجة) صح حجه وعمرته، ولكن وجبت عليه الفدية؛ إما بذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
أما الجماع قبل التحلل الأول فإنه يُفسد الحج تمامًا، ويجب على مَن فعل ذلك إعادته في عامٍ قادمٍ.
كما يَحْرُم على المرأة الانتقاب (تغطية الوجه) أو لبس القفازين.
ومحظورٌ تمامًا المخاصمة والجدال بالباطل مع الرفقة؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ما يُباح للمُحْرِم:
رحمةً من الله وتيسيرًا، أباح الشرع للمحرم أمورًا، منها:
الاغتسال، وتغيير ملابس الإحرام، واستعمال الصابون العادي للتنظيف.
غَسل المرأة لشعرها ونقضه وامتشاطه؛ فقد أذن الرسول ﷺ للسيدة عائشة رضي الله عنها في ذلك بقوله: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» [متفق عليه].
وضع عباءة على الكتفين دون إدخال اليدين في الأكمام عند الشعور بالبرد (مع الكراهة، ولا فدية عليه).
الحجامة، وفقء الدُّمَل، ونزع الضرس، وقطع العِرْق، وحك الرأس والجَسَد برفق دون إتلاف الشعر.
النظر في المرآة، والتداوي.
التظلل بمظلةٍ أو خيمةٍ أو سقف.
أما شم الروائح الطيبة فدائرٌ بين الكراهة والتحريم، ويُستحب أن يمتنع الحاج عن استعمالها قصدًا.
أما الجلوس أو المرور عرضًا في مكانٍ طيب الرائحة فلا كراهة فيه ولا تحريم، وإذا احتلم المحرم أو فكر أو نظر فأنزل، فلا شيء عليه عند الشافعية.
المبحث الثالث
دخول مكة المكرمة وأداء مناسك العمرة
هنيئًا لك أيها الحاج -أو المعتمر- هذا البلوغ المبارك لمشارف مكة المكرمة وأنت تَقْصِدُها مُحْرِمًا، والسكينة تغمر قلبك، ولسانك يلهج بالتلبية.
متى ما وطئت قدماك هذه البقاع الطاهرة -بعون الله وتوفيقه- فبادر بالتوجه إلى مقر إقامتك أوَّلًا؛ لتطمئن على أمتعتك، وتسكن إلى مكانك، وتأخذ قِسْطًا من الراحة بعد عناء السفر.
وبعد أن تهدأ نفسك، يُسَنُّ لك أن تغتسل -إن استطعت- أو تتوضأ، واحرص أشد الحرص على الالتزام بالإرشادات والآداب الآتية طيلة فترة النسك؛ ليكون عملك صَالِحًا، وسعيك مَشْكُورًا، وحجك مَبْرُورًا:
آداب التواجد في مكة والمشاعر المقدسة
اغتنام الأوقات: احرص أشد الحرص على المكوث في الحرم المكي أطول وقت ممكن، وعَمِّر وقتك بالنظر إلى الكعبة المشرفة، وتلاوة القرآن الكريم، والإكثار من الطواف كلما وجدت في بدنك قدرة على ذلك.
الرفق بالنفس والغير: تجنب التعجل والاندفاع بقوة في أداء الشعائر، مما قد يسبب لك أو لغيرك الإجهاد والمشقة؛ واعلم أن الله يحب الرفق في الأمر كله.
إعطاء الجسد حقه: لا ترهق نفسك بالسهر المفرط ولو كان بغرض العبادة؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وخير الأعمال أدومها وإن قل.
التحلي بالوقار: حافظ دائمًا على هدوئك وسكينتك، ولا تتأثر بأي سلوكيات فردية غير منضبطة أو غير واعية قد تصدر من بعض الحجيج.
تجنب المزاحمة: احذر تمامًا من مزاحمة إخوانك المسلمين أو إيذائهم، لا سيما في مواطن الطواف والسعي ورمي الجمرات، فدفع الأذى من أعظم القربات.
الالتزام بالتوجيهات: حفاظًا على سلامتك وسلامة غيرك، اتبع الإجراءات المنظمة للتنقل؛ كاستخدام ممرات المشاة المخصصة، والاستفادة من التطبيقات الإلكترونية الخدمية، مع ضرورة إبقاء ممرات الطوارئ سالكةً وخاليةً من أي عوائق.
دخول المسجد الحرام وطواف القدوم
عقب ذلك، توجه إلى البيت الحرام متطهرًا لتؤدي طواف العمرة (إن كنت معتمرًا) أو طواف القدوم (إن كنت حاجًّا).
والمبادرة إلى طواف القدوم فور دخول مكة يُعد سُنَّةً عند جمهور الفقهاء -خلافًا للمالكية- ويُعرف بأسماء عدة تدل على معناه، منها: طواف القادم، وطواف الورود، وطواف الوارد، وطواف التحية.
وتتفق أحكام طواف القدوم مع أحكام طواف الزيارة في كل شيء، باستثناء سُنَّتَي الرَّمَل (الإسراع في المشي) والاضطباع (كشف الكتف الأيمن)؛ فلا يُشرعان فيه إلا لمن أراد أن يُقدم سعي الحج بعده، فحينئذٍ يُسَنُّ له الإتيان بهما. وتجدر الإشارة إلى أن طواف العمرة يُجزئ ضمنًا عن طواف القدوم في حق المعتمر والمتمتع عند الجمهور. كما يسقط هذا الطواف عمن ضاق وقته وقصد عرفة رأسًا للوقوف بها؛ لأن وقته المسنون ينتهي بالوقوف بعرفة، ويبقى الحاج مطالبًا بعد الوقوف بطواف الإفاضة (أو الزيارة)، الذي هو طواف فرض وركن لا يسقط.
الدعاء عند دخول البيت ورؤية الكعبة المشرفة
حين يقع بصرك على البيت الحرام، كَبِّر وهَلِّل، وعند الدخول من أبواب المسجد قل: “بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ الْحَرَامَ. اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَمَغْفِرَتِكَ وَأَدْخِلْنِي فِيهَا، وَأَغْلِقْ عَنِّي مَعَاصِيَكَ وَجَنِّبْنِي الْعَمَلَ بِهَا”.
وعند رؤية الكعبة المشرفة كَبِّر وهَلِّل وقل: “اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، وَأَدْخِلْنَا دَارَ السَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَتَعْظِيمًا، وزِدْ مَن شرَّفه وكرَّمه -ممن حجَّه أو اعتمره- تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبِرًّا، اللَّهُمَّ تَقَبَّلَ تَوْبَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ”.
بعدها، أطلق العنان للسانك بالدعاء بما يفتح الله به عليك، فهذا المقام مهبط للرحمات ومقبولٌ بإذن الله تعالى.
وإن لم تحفظ شيئًا من الأدعية المأثورة، فادعُ بما شئت وما يُمليه عليك قلبك، واجعل جُلَّ قراءتك وانشغالك بالقرآن الكريم، فهو أعظم ما يُتلى ويُكثر منه في هذه الرحاب الطاهرة، أو بما تجد فيه قلبك من أدعية وأذكار.
صفة الطواف بالبيت العتيق
ثم اقصد إلى مكان الطواف (المطاف)؛ لتبدأه وأنت على وضوء ومُتطهِّر في بدنكَ وملابس إحرامك، ضابطًا إياها حتى تأمَنْ أن تنكشف عورتكَ في أثناء الطواف وزحامه.
واستقبل الكعبة المشرفة تجاه الحجر الأسود، ويستحب أن تجعله على يمينك؛ لتمر أمامه بكل بدنك، واستقبله بوجهك وصدرك، وارفع يديك حين استقباله كما ترفعها في تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة -كما هو مذهب الحنفية والأثرم من الحنابلة-، ناويًا الطواف، مُكبِّرًا، مُهلِّلًا، قائلًا: “اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسنة نَبِيِّكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ”.
ثم اجعل الكعبة على يسارك، مبتدئًا من قُبالة الحجر الأسود، وسِرْ في المطاف مع الطائفين حتى تُتِمَّ سبعة أشواطٍ، بادئًا بـالحجر الأسود ومنتهيًا إليه في كل شوط.
ويُسَنُّ استلام الحجر الأسود وتقبيله عند بداية كل شوط إن استطعت، فإن شق عليك ذلك بسبب الزحام فلتسْتَلِمْه بيدك ولتُقَبِّل يدَك، وإلا أشرْتَ إليه من بعيد دون تقبيلٍ وتخطيت. ويُستحب أن تقول عند الاستلام ما تقدم من التكبير والتهليل والدعاء.
ولا تشتغل في الطواف بغير ذِكر الله، والاستغفار، والدعاء، وقراءة ما تحفظ من القرآن مع الخضوع والتذلل لله.
ومن أفضل الدعاء ما جاء في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ حَسَنَةࣰ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
ولا ترفع صوتك للدرجة التي تؤذي بها غيرك من الحجاج والمعتمرين وتُشَوِّش عليهم.
ما بعد الطواف: مقام إبراهيم، والملتزم، وماء زمزم
فإذا أتممت أشواط الطواف السبعة، فأطلق لسانك بما يفيض به قلبك من الدعاء، واسأل الله ما تشاء. وبعدها، يُستحب لك اتباع الخطوات الآتية:
الصلاة خلف مقام إبراهيم: توجه صوب مقام خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وصلِّ عنده ركعتين خفيفتين. فإن حال الزحام الشديد دون ذلك، فصلِّ في حِجْر إسماعيل، أو في أي بقعة تيسرت لك داخل المسجد الحرام، وإلا ففي أي مكان داخل مكة المكرمة أو حدود الحرم؛ وفي جميع هذه الأحوال طوافك صحيح وتام.
الدعاء عند الملتزم: إن تيسر لك بلوغ “المُلتزَم” -وهو الموضع المبارك الواقع بين باب الكعبة المشرفة والحجر الأسود- فاقصده.
وإذا وصلت إليه، فضع صدرك عليه، وابسط ذراعيك متعلقًا بأستار الكعبة، وألحَّ على الله في المسألة سائلًا إياه من واسع فضله لك ولغيرك؛ فالدعاء في هذا الموطن حريٌّ بالإجابة بمشيئة الله تعالى.
الشرب من ماء زمزم: ثم يمِّم وجهك شطر مياه زمزم، واشرب منها ما استطعت متضلعًا بنية الشفاء والبركة وقضاء الحوائج؛ ففي مائها نفع عظيم، تصديقًا لقول المصطفى ﷺ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» [مسند أحمد: (١٤٨٤٩)، سنن ابن ماجه: (٣٠٦٢)].
السعي بين الصفا والمروة
بعد فراغك من الارتواء من ماء زمزم أو الوقوف بالملتزم، توجّه لأداء السعي بين الصفا والمروة، مبتدئًا بما بدأ الله جل وعلا به في قوله الكريم: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤئِرِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الوقوف على الصفا: متى صعدت إلى جبل الصفا، فاستقبل الكعبة المشرفة، وهلل وكبر، وصلِّ على النبي المصطفى ﷺ، ثم ادعُ لنفسك ولمن تحب دعاءً خالصًا بما يشرح الله به صدرك.
الانطلاق في السعي: ابدأ أشواط السعي بالمشي المعتاد متوجّهًا من الصفا إلى المروة في المسار المخصص لذلك، مراعيًا النظام والسكينة، ومبتعدًا عن إيذاء إخوانك المسلمين.
الهرولة بين الميلين: يُستحب لك الإسراع قليلًا في خطوك حين تمر بين الميلين الأخضرين (وهما مميزان بعلامات خضراء واضحة في المسعى بقسميه القديم والجديد). ويُسمى هذا الإسراع “هرولةً”، وهي سُنّة خاصّةً بالرجال دون النساء.
الوقوف على المروة: إذا بلغت المروة، فقِف عليها قليلًا، واستقبل الكعبة المشرفة مكبّرًا، ومهّللًا، ومصلّيًا على النبي ﷺ، ثم ادعُ الله بما تشاء من خيري الدنيا والآخرة لك ولغيرك؛ وبهذا يكتمل شوطك الأول.
إتمام الأشواط السبعة: تابع بقية الأشواط السبعة على هذا المنوال، متحلّيًا بالخشوع والإخلاص، ومكثرًا من الذكر والاستغفار، ويُستحب لك أن تردد ما أُثر عن النبي ﷺ في هذا الموطن: «رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتجاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ، اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [الأذكار للنووي ص١٩٧].
وبانتهائك من أداء أشواط السعي السبعة، تكون بفضل الله قد أتممت أعمال العمرة التي نويتها عند إحرامك.
التحلل من العمرة وذبح الهدي
الحلق أو التقصير: بعد إتمام أشواط السعي، اختم عمرتك بحلق شعر رأسك بالموسى أو تقصيره، والحلق أفضل للرجال، بينما يُحرَّم على النساء ولا يُشرع لهن سوى التقصير.
التحلل من الإحرام: بهذا الحلق أو التقصير، ينهي المعتمر (رجلًا كان أو امرأةً) مناسك عمرته، ويتحلل من إحرامه تحللًا تامًّا، وتَحلُّ له كافة المحظورات؛ فليلبس ما شاء من الثياب المعتادة، وليتمتع بكافة المباحات، ويبقى حلالًا حتى يحين موعد الإحرام بالحج عند العزم على التوجه إلى عرفات ومنى.
أحكام الهدي للمتمتع
متى أتممت عمرتك وتحللت منها متمتعًا قبل الإحرام بالحج، وجب عليك ذبح هديٍ، امتثالًا لقوله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡیِۚ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ ثَلَٰثَةِ أَیَّامࣲ فِی ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةࣱ كَامِلَةࣱۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ یَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقت ومكان الذبح: يُتاح لك ذبح الهدي بمكة فور التحلل من العمرة، أو بمنى في يوم العيد وأيام التشريق، أو بمكة بعد عودتك من منى، ويُباح لك الأكل منه.
صكوك الهَدْي: ويُجزئ عن مباشرة الذبح بنفسك: شراء صكوك الهدي عبر الجهات المختصة والمعتمدة؛ إذ يُعد ذلك توكيلًا صحيحًا لشراء الهدي وذبحه في موعده ومكانه الشرعي.
أحكام المُفرِد والقَارِن
أما من قصد مكة مُحْرِمًا بالحج مُفْرَدًا، أو كان قَارِنًا يجمع بين الحج والعمرة، فإنه يبادر فور وصوله بطواف القدوم حول الكعبة سبعة أشواط.
يُخير الحاج (المفرد والقارن) في أداء سعي الحج بين تقديمه متصلًا بطواف القدوم، أو تأجيله إلى ما بعد طواف الإفاضة.
تنبيه هام: لا يُشرع للمفرد والقارن التحلل من الإحرام بعد طواف القدوم والسعي، بل يجب أن يبقى الحاج مُحْرِمًا محتفظًا بإحرامه حتى يقف بعرفات ويؤدي مناسك يوم النحر، ليبدأ بعدها بالتحلل الأول ثم الأخير.
المبحث الرابع
أعمال الحج الأكبر والمشاعر المقدسة بالتسلسل
أولًا: يوم التروية والانطلاق إلى مِنى (اليوم الثامن من ذي الحجة)
يبدأ الحج الفعلي في هذا اليوم المبارك، وتكون الانطلاقة من مكة المكرمة.
الإحرام للمتمتع: إذا كنت متمتعًا (أي أديت العمرة وتحللت منها)، ففي اليوم الثامن من شهر ذي الحجة -والذي يُعرف بيوم التروية- تهيأ للإحرام بالحج على نحو ما سبق بيانه في بدء الرحلة. اغتسل أو توضأ، ثم البس ثياب الإحرام على طهارة.
النية والتلبية: صَلِّ ركعتين بالمسجد الحرام إن تيسر لك ذلك، ثم اعقد نية الحج بقلبك وقُل إن شئت: “اللهم إني أردت الحج فيَسِّرْه لي وتَقبَّلهْ مني”، ثم تصدح بالتلبية قائلًا: «لبيك اللهم لبيك…»، وبمجرد التلفظ بذلك صرت مُحْرِمًا بالحج، وعليك أن تداوم على هذه التلبية في سيرك ووقوفك طيلة الطريق إلى منى ثم إلى عرفة، ولا تقطعها حتى تشرع في رمي جمرة العقبة الكبرى يوم العيد.
التوجه إلى مِنى: يخرج الحاج في هذا اليوم إلى مِنى، فيُصلي بها الظهر، ويبيت ليلته هناك حتى يُصلي فجر يوم عرفة.
رخصة التوجه المباشر لعرفة: إن أحرم الحاج من غرفته في الفندق ثم انطلق من مكة إلى عرفة مباشرةً دون المرور بمنى، فحجه صحيح شرعًا؛ إذ إن المبيت بمنى ليلة عرفة يُعد مستحبًّا وليس واجبًا. وفي هذا الشأن يوضح الإمام النووي قائلًا: “ثُمَ إِذَا خَرَجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنى فالسُّنَّةُ أنْ يُصَلُّوا بِهَا الظُّهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ وَيَبِيتُوا بِهَا..، فلَوْ لَمْ يَبِيتُوا بِهَا أصْلًا وَلَمْ يَدْخُلُوهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ فَاتَتْهُمُ السُّنَّةُ” [الإيضاح في مناسك الحج للنووي: ص ٢٠٨-٢٠٩].
ثانيًا: الوقوف بعرفة – الركن الأعظم (اليوم التاسع من ذي الحجة)
إنه يوم الحج الأكبر، ومحط الرحال، وموطن سكب العبرات واستجابة الدعوات.
أهمية الركن ووقته: استعد للوقوف بصعيد عرفة الطاهر، فهو الركن الأعظم الذي لا يصح الحج بدونه، مصداقًا لقوله ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» [سنن الترمذي: (٨٨٩)]، فمن فاته الوقوف، فاته الحج.
ويبدأ وقت الوقوف مِن طلوع فجر يوم التاسع، ويستمر ممتدًا إلى طلوع فجر يوم النحر.
القدر المُجزئ والأكمل في الوقوف بعرفة:
الحد الأدنى (المُجزئ): أقل ما يتحقق به الركن ويصير به الحاج مُدْرِكًا للوقوف بعرفة؛ هو أن يمكث في حدودها لَحْظَةً واحدة في أي جزء من الوقت الشرعي للوقوف (الذي يمتد من زوال شمس يوم التاسع حتى طلوع فجر يوم النحر).
القدر الأفضل (الأكمل): يُستحب للحاج الأخذ بالأكمل، وهو الجمع بين النهار والليل؛ بأن يقف بصعيد عرفة في آخر جزء من نهار اليوم التاسع، ويمتد وقوفه مُتَضَرِّعًا إلى أول جزء من ليلة العاشر (أي من قُبيل غروب شمس يوم التاسع إلى ما بعد الغروب قَلِيلًا).
حكم التعجل أو التأخير: إذا تعجل الحاج وأفاض من عرفة قبل غروب الشمس، أو حبسه عذر فلم يُدرك من الوقوف إلا لَحْظَةً من الليل (قبل طلوع الفجر)، فوقوفه صحيح مُجزئ، ولا شيء عليه شرعًا، وحجه تام بفضل الله.
الصلوات والدعاء يوم عرفة:
تُصلى الظهر والعصر في يوم عرفة قَصْرًا وجمع تقديم في وقت الظهر. وأفضل ما يُتقرب به إلى الله في هذا الموقف المهيب هو الانكسار والدعاء؛ فاخشع وتذلل لربك نَادِمًا، رَاجِيًا عفوه ومغفرته، مُتَمَثِّلًا يوم الحشر الأكبر.
وأفضل الدعاء ما ورد في الحديث الشريف: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [سنن الترمذي: (٣٥٨٥)].
ثالثًا: الإفاضة إلى المزدلفة وجمع الحصى (ليلة العاشر من ذي الحجة)
النفرة والصلاة: عقب غروب شمس يوم التاسع، تفيض جموع الحجيج صوب المزدلفة (وهي المشعر الحرام). وفور الوصول، يؤدي الحاج فريضتي المغرب والعشاء جمع تأخير وبقصر العشاء.
المبيت وجمع الحصى: يُسن لك المبيت بمزدلفة حتى تُصلي بها الفجر. وهذا مرهون بالاستطاعة، ولا فِدية عليك في ترك المبيت إن اكتفيت بالمكث فيها قَدْرَ حط الرحال فقط، وهو الرأي المختار في الفتوى تَيْسِيرًا على الحجاج. ويُستحب أن تجمع من أرض مزدلفة الحصيات السبع الخاصة بجمرة العقبة الكبرى، ولا حرج إن جمعتها من مِنى، والواجب هنا تجنب الزحام الشديد حرصًا على الأرواح، امْتِثَالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]،
رابعًا: يوم النحر ورمي جمرة العقبة (اليوم العاشر من ذي الحجة)
يُعد هذا اليوم أكثر أيام الحج أعمالًا، ويبدأ برمية العقبة.
الرمي والانقطاع عن التلبية: بعد المبيت وصلاة الفجر بمزدلفة، يتوجه الحاج إلى مِنى قاصدًا جمرة العقبة الكبرى ليرميها بسبع حصيات مُتَوَالِيَاتٍ.
ارمِ بقوة مكبرًا مع كل حصاة: “بسم الله والله أكبر”، وعند الرمية الأولى تقطع التلبية.
ويُحذر أشد الحذر من رمي الجمرات بالأحذية أو الحجارة الكبيرة؛ لما في ذلك من مخالفة صريحة للسنة النبوية.
ومن كان عاجزًا عن الرمي لِكِبَرٍ أو مرض، جاز له أن يُنيبَ مَن يرمي عنه بَدَلًا منه.
التحلل الأول (الأصغر): بعد الانتهاء من الرمي، يحلق الحاج رأسه أو يُقَصِّر (والحلق أفضل للرجال).
وبهذا الفعل يحصل الحاج على التحلل الأول من الإحرام، ويَحلُّ له كل ما كان مُحَرَّمًا عليه بسبب الإحرام (كالطِيب ولبس المخيط)، ما عدا الاتصال الزوجي، الذي لا يحل إلا بعد الانتهاء من طواف الإفاضة؛ لقوله جل شأنه: ﴿وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ﴾ [الحج: ٢٩].
خامسًا: طواف الإفاضة والمبيت بمنى (أيام التشريق ١١، ١٢، ١٣ ذي الحجة)
التحلل الأكبر (الثاني): يذهب الحاج إلى مكة المكرمة ليطوف بالبيت الحرام سبعة أشواط، وهو “طواف الإفاضة” أو “طواف الزيارة”، ويُعد ركنًا أساسيًّا.
ثم يتبعه بالسعي بين الصفا والمروة (للمتمتع، وللمفرد والقارن إن لم يكن قد سعى مع طواف القدوم)، وبأداء هذا الطواف والسعي، يتم التحلل الأكبر، وتَحِلُّ له زوجته.
المبيت بمنى: يعود الحاج إلى مِنى ليبيت بها ليالي أيام التشريق (ليلة ١١ و١٢ للمتعجل، وتُضاف ليلة ١٣ للمتأخر).
وإن تعذر المبيت بسبب عذر قاهر أو مشقة بالغة، فقد رخص الشرع الحنيف تركه بلا وجوب فدية، بناءً على ما ذهب إليه السادة الحنفية.
رمي الجمرات الثلاث: في أيام التشريق، يرمي الحاج الجمرات الثلاث يوميًّا (يبدأ بالصغرى، ثم الوسطى، ثم يختم بجمرة العقبة الكبرى)، ويرمي كل جمرة بسبع حصيات.
وقد وسّع الشرع في وقت الرمي؛ فمَن رمى قبل الزوال، أو بعده، أو لَيْلًا أجزأه ذلك على المفتى به؛ مُوَافَقَةً لقاعدة الشريعة السمحة المتمثلة في قوله تعالى: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وتطبيقًا لقول النبي ﷺ في حجة الوداع لكل من سأله عن التقديم والتأخير: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» [متفق عليه].
سادسًا: ختام مناسك الحج وطواف الوداع
وداع البيت العتيق: هو آخر عهد الحاج بالبيت الحرام قُبيل شروعه في السفر ومغادرة مكة المكرمة، والمُفتى به أنه يُعد سُنَّةً وليس واجبًا فلا يأثم تاركه.
الدعاء المأثور: يُستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في الدعاء، وأن يودع البيت بَاكِيًا أو متباكيًا، دَاعِيًا بما أُثر عن الإمام الشافعي رحمه الله: “اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّيٍ فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمِنَ الْآنِ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فاصْحَبْنِي بِالْعَافِيَةِ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةِ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي” [السنن الصغير للبيهقي: (١٧٤٨)].
ثم ينصرف الحاج سائلًا المولى عز وجل القبول، رَاجِيًا عَوْدَةً قَرِيبَةً بفضله وكرمه.

تعليقات