“مصر وأفريقيا” القاهرة تستعيد مكانتها صوتا لقارتها السمراء.. أفريقيا كانت ولا تزال حاضرة فى مشاركات الرئيس الدولية والإقليمية وخطاباته فى المناسبات الوطنية

“مصر وأفريقيا” القاهرة تستعيد مكانتها صوتا لقارتها السمراء.. أفريقيا كانت ولا تزال حاضرة فى مشاركات الرئيس الدولية والإقليمية وخطاباته فى المناسبات الوطنية

من جديد، جاءت محطة القمة الأفريقية الفرنسية والتى استضافتها العاصمة الكينية نيروبى، لتضع سطرا جديدا فى صفحة مصرية أفريقية خالصة، وتؤكد حقيقة، لا مبالغة فيها، ملخصها أن شمس مصر عادت لتسطع فى فضاءات القارة السمراء، ولتستعيد وجودا، غاب عنها، أو غيبت عنه، على مدى عقود، وهو فى الحقيقة وجود كان – ولا يزال – وجودا مصيريا، سواء بالنسبة لمصر أو لقارتها على امتداد مساحتها الشاسعة.

الدبلوماسية المصرية بقيادة ومتابعة وتوجيهات رئاسية على مدار السنوات الأخيرة بذلت – ولا تزال تبذل – جهودا جبارة، ترصدها كل عين منصفة، لاستعادة كثير من مساحات مستحقة للدور والتواجد المصرى فى أفريقيا، وسط مزاحمة من أدوار عديدة، استغلت سنوات الفراغ بشكل كبير، وسارعت إلى احتلال كل شبر من مساحة فارغة أمامها بالقارة السمراء، إدراكا منها لأهمية واستراتيجية التواجد فى هذه القارة، التى تمثل بحق مستقبل البشرية ورصيدها، فى ظل ما تمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية، وفى ظل موقع للقارة، يضعها فى قلب العالم، ويمكن دولها من الإمساك بمفاتيح استراتيجية، سواء كانت مفاتيح لثروات ضخمة فى باطن الأرض وفوقها، أو مفاتيح تخص ممرات حيوية، تحتاجها مختلف دول العالم.

خلال عقود ماضية، تنوعت الأدوار المتصارعة فى سباق السيطرة على القارة الغنية، بين أدوار لدول كبرى، أو مساعى وخطط لدول وقوى إقليمية، تسعى للتواجد إلى جانب الكبار، فلا يخفى على أحد سباقات النفوذ التى تتعدد أطرافها وتمتد من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، كما تمتد إلى قوى إقليمية تنوعت بين تركيا وإيران و«إسرائيل»، إلى جانب دول فى القارة نفسها .

بعض الأدوار استند إلى إرث قديم، حين كانت دول القارة فريسة لاستعمار عاش فى أرضها مئات السنوات، وبعضها الآخر أدرك جيدا ما تمثله أفريقيا من أهمية استراتيجية فى قلب خارطة العالم، كما أدرك جيدا أن ما تحمله القارة من ثروات هو أمر يستحق خوض سباق النفوذ من أجل الحصول على نصيب من كعكة الثروات الأفريقية، إن لم يتسن لطرف السيطرة على كاملها، وهو أمر بالتأكيد صعب، فى ظل تعدد وتنوع أطراف السباق، واختلاف أدوات كل منهم فى الحصول على مساحة على الخارطة السمراء.

مصر صوت القارة

أى مطالع منصف  للموقف المصرى من قضايا الخارج، منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى  المسؤولية، سيجد أن هناك قضايا بعينها هى القاسم المشترك الأعظم والأهم فى كل مشاركات للرئيس فى مناسبات إقليمية ودولية، أو أى خطابات فى مناسبات وطنية، هذه القضايا لم تكن تخرج عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطينى كقضية رئيسة وجوهرية، وقضية الهموم الأفريقية وضرورة أن يكون لشعوب القارة السمراء نصيبها المستحق فى التنمية والبناء والعمران، سواء كان ذلك تعويضا عن عقود من الحرمان واستغلال ثروات تلك البلاد من خارجها، أو لكون بلاد القارة ضحية لقضايا ليس لها ذنب فيها كقضايا التغير المناخى، أما ثالث القضايا التى لم تخل خطابات ومشاركات الرئيس يوما منها، فهى قضية الأمن القومى العربى ومتطلبات حمايته والحفاظ عليه.

وفى مختلف المناسبات الإقليمية والدولية ، وأحدثها – وليس آخرها – القمة الفرنسية الإفريقية، تحدث الرئيس السيسى عن ضرورات الإصلاح الهيكلى للنظام المالى العالمى بما يراعى شواغل الدول النامية، وفى القلب منها دول أفريقيا، ويلبى طموحات شعوبها فى تحقيق التنمية المنشودة .

كما تحدث الرئيس تأثير التوترات الجيوسياسية المتنامية، على  تقويض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، «والتأثير  سلباً على أمن الطاقة والغذاء وبشكل أشد وطأة؛ على دولنا الأفريقية، التى تبذل مساعى مضنية، فى سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها فى الوقت الذى تسعى فيه أيضا، إلى الحفاظ على انضباطها المالى، وكبح جماح مستويات الدين بها».

وقال الرئيس السيسى : «لا يفوتنى فى هذا السياق؛ أن أشير إلى ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة فى الدول الأفريقية التى بات ينفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما ينفق على الصحة والتعليم معا» .

وواصل الرئيس السيسى رسم خارطة طريق لمتطلبات التنمية بالقارة الإفريقية مشيرا  إلى أنه فى مسار تحقيق الأهداف التنموية لدولنا، تبرز أهمية تشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية، ودعم فرص نمو الصناعات الوليدة فى القارة الأفريقية وكذا ضرورة التعاون؛ لدعم تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، من خلال دعم سلاسل الإمداد بين الدول الأفريقية، وبناء القدرات والمهارات للشباب الأفريقى.

بؤر ساخنة

تدرك مصر وقيادتها أن لها دورا كبيرا – إن لم يكن الدور الأهم – فى قيادة وصياغة خارطة الطريق لمستقبل القارة الإفريقية، ومواجهة الأزمات التى تلقى بظلالها على استقرار القارة وأمن شعوبها، فمصر أكثر الدول حديثا عن ضرورة إنهاء الصراع الدامى الذى يطيح باستقرار دولة السودان، ويدفع الملايين من أبناء شعبها إلى مأساة النزوح ، سواء فى الداخل أو الخارج.

ولا تكل مصر من الحديث عن الوضع فى منطقة حوض النيل، وتبنى خطاب التعاون بين دوله ودفع جهود التنمية الشاملة لمصالح شعوبها وتجنب إثارة أى صراعات فيما بينها، عبر هذا التعاون وعبر الإيمان بضرورة أن تحمى جميع الأطراف مصالح الشركاء فى منطقة واحدة وعلى رأسها الأمن المائى لكل دولة.

وفى لقاء الرئيس  السيسى  مع  نظيره الكنى   ويليام روتو، على هامش أعمال قمة «أفريقيا – فرنسا» التى استضافتها العاصمة نيروبى ، كان حاضرا وبقوة ملف الحرص المصرى الدائم على تعزيز التعاون مع  دول حوض النيل فى تنمية الموارد المائية بما يحقق المنفعة المشتركة ويضمن عدم الإضرار بمصالح الدول وأمنها المائى.

الوضع فى السودان كان حاضرا بدوره ، حيث جدد الرئيس السيسى التأكيد  على ثوابت الموقف المصرى الداعم لاستقرار وسيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، كما شدد الرئيس على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية، ولاسيما من دول الجوار المباشر، للقيام بأدوار بنّاءة تسهم فى استعادة الاستقرار وتجنب تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية.

احتفاء أفريقى

فى كل مناسبة أفريقية، يبدو الاحتفاء بالحضور المصرى واضحا وكبيرا ، فدول القارة تدرك جيدا كيف لعبت مصر دورا مهما فى تاريخ القارة السمراء، وكيف ساهمت فى تحرير شعوبها من الاستعمار، وواصلت دورها بالمساهمة فى بناء وعمران مراحل ما بعد الاستعمار ، كما تدرك أن القاهرة مؤهلة لقيادة طموحات شعوبها، وأنها أكثر الأطراف إلماما باحتياجات قارتها، والأكثر انشغالا بقضاياها ومعرفة بتفاصيلها، ومع ذلك  لا يبدو  البناء على تلك الحقيقة بالأمر السهل، فكما سبق القول بأن أدوارا عديدة تتنازع مساحات كبيرة من النفوذ، وهى  بالتأكيد لن تتخل  أو تتنازل عما حصلت عليه من نفوذ لصالح طرف آخر، لذا يبدو الطريق فى حاجة إلى مزيد من الجهود مع تنويعها، وتوزيعها على خارطة القارة، لتبقى مصر صوتا لأفريقيا وقلبا نابضا لها.