قلق ووساوس تتسلل إلى قلب كل أم حين يتأخر طفلها عن العودة من المدرسة دقائق معدودة، أو حين ينشغل باللعب مع أقرانه، أو يفارقها في رحلة مدرسية لعدة ساعات، ولكن ماذا لو تحول هذا الهاجس العابر إلى كابوس مرعب؟ ماذا لو لم يكن طفلك بعيداً في مقعد دراسي أو حديقة ألعاب، بل سقط حياً في جوف الأرض، عالقاً في قاع بئر مظلم؟
اقرأ أيضا: برلماني: تشغيل أبناء بورسعيد أولوية
– باب خفي
من جديد، فتحت الأرض باب خفي في أعماقها لتخطف طفولة بريئة، وتعيد إلى الأذهان شريطاً مؤلماً من مشاعر أبكت القلوب قبل العيون.
اقرأ ايضا| فيديو| صدمة ريان المغربي تكرر.. تفاصيل سقوط طفل في بئر بسوريا
منذ أيام قليلة، تحولت ولاية البيض جنوب غربي الجزائر إلى بقعة تقف عندها أنفاس ملايين المتابعين، وكأن عقارب الساعة توقفت عند صرخة واحدة تردد صداها في كل بيت “يا بابا طلعني”.

– خطوة غير محسوبة
لم تكن رحلة الصغير أيوب، صاحب الـ 10 أعوام، سوى مهمة نهارية بسيطة لإيصال وجبة الغداء لشقيقه الذي يرعى الأغنام، لكنه أثناء عودته وسط الطبيعة حدث ما لم يتوقعه ولم يخطر ببال فرد من أسرته، وضغط بقدمه على لوح خشبي رقيق كان يغطي فتحة أرضية مهملة داخل مزرعة عائلية، لم يكن أيوب يدري أن هذا اللوح المحطم يخبئ تحته فخاً مميتاً، بئراً جافة ومحفورة بطريقة تقليدية، يبلغ عمقها نحو 80 متراً، بينما لا يتجاوز قطر فتحتها 40 سنتيمتراً فقط، انكسر اللوح في جزء من الثانية، ليسقط أيوب في البئر.
– خانة الذكريات
لم تكن حادث أيوب مجرد خبر عابر، بل كانت صدمة أيقظت جراحاً لم تلتئم بعد، ولم يمر زمن كافي لتصبح في طي النسيان، فبعد انتشار خبر سقوط أيوب، استدعت الذاكرة مأساة الطفل المغربي ريان الذي سقط في بئر بعمق 32 متراً بإقليم شفشاون في فبراير 2022، وظل العالم يترقب إنقاذه على مدار 5 أيام حتى استخرج جثمانه.

– مأساة متكررة
حادث أيوب ليس غريبا عن وجدان الجزائريين الذين تذكروا بحرقة مأساة الشاب عياش “30 سنة” الذي ابتلعته بئر عام 2018، وظلت فرق الإنقاذ تصارع الزمن لأيام قبل أن ينتشل مفارقاً الحياة، نفس السيناريو القاسي والمشهد المرعب، آبار مهملة بلا أغطية محكمة، وعمق مخيف، وقطر ضيق يعجز الكبار عن دخوله، ليبقى السلاح الوحيد هو الحفر الموازي الشاق وسباق مع الزمن ودعاء بالسلامة والنجاة للضحية.
– سباق المستحيل
وتواصل فرق الحماية المدنية في الجزائر -مدعومة بوحدات متخصصة في التدخل بالأماكن الوعرة وكاميرات الاستكشاف الحرارية وطواقم طبية مرابطة- جهودها الجبارة ليلا ونهارا للوصول إلى أيوب، فالتحديات هائلة، وصعوبة التضاريس، وعمق البئر الشاهق، وطبيعة التربة، تجعل كل ضربة بمثابة مجازفة بحياة الطفل.

أولى تلك العقبات تمثلت في ضيق الفتحة القاتل؛ إذ لا يتجاوز قطر فوهة البئر 40 سنتيمترًا، وهو مساحة أضيق من أن تسمح بنزول أي عنصر من فرق الإنقاذ بشكل مباشر؛ يضاف إلى ذلك هشاشة التربة ووعورة تضاريس المنطقة في ولاية البيض، وهو ما فرض حظراً تاماً على أي محاولات نزول تقليدية تفادياً لانهيارات ترابية مفاجئة قد تطمر البئر ومن فيها.
اقرأ أيضا: «ابنك في بير».. حين تحبس الأرض أنفاس العالم
اقرأ ايضا| إنقاذ طفل من بئر مهجورة في المغرب يعيد للأذهان مأساة “ريان”
وكشفت المصالح المختصة عن مفاجآت زادت من قسوة المشهد؛ فالبئر محفورة بطريقة تقليدية عشوائية، وغير مزودة بأنبوب تغليف وقائي، ومردومة بالتراب حتى عمق 30 متراً، والأدهى من ذلك أنها كانت مغطاة بلوح هش من الخشب الرقائقي لم يتحمل وزن الصغير عندما مر فوقه.

أمام استحالة التدخل اليدوي، لم تستسلم فرق الإغاثة، بل انتقلت فوراً إلى خطة هندسية بديلة قائمة على التخطيط الدقيق والجهد الشاق واستقدمت السلطات آليات ثقيلة ومعدات حفر متطورة، وبدأت عمليات الحفر المتوازي بجانب البئر الأصلية، في محاولة لشق ممر جانبي آمن يوصل المنقذين إلى النقطة التي يعلق فيها أيوب.
وعلى مدار 24 ساعة متواصلة، لا تتوقف الحركة في موقع الحادث؛ حيث تم استخدام كاميرات مخصصة لاستكشاف الآبار لرصد وضع الصغير بدقة في الأسفل، بينما تنتشر فرق متخصصة في التدخل بالأماكن الوعرة.
وفي محيط الفوهة، يتمركز طاقم طبي كامل على أهبة الاستعداد بجانب سيارات الإسعاف، مرابطين في مواقعهم عيونهم على شاشات المراقبة وقلوبهم تواصل الدعاء، بانتظار لحظة الخلاص التي يترقبها الشارع الجزائري بأسره على أمل أن يخرج أيوب سالماً إلى أحضان أمه.

– دعوة من القلب
يقف أيوب اليوم في ظلمة البئر منتظراً معجزة السماء، بينما تحيطه دعوات الملايين من خلف الشاشات، بأن يكتب الله لهذا الصغير عمرًا جديداً يعود به إلى حضن أسرته سالماً معافى.
اقرأ أيضا: الأنسولين المصري أم المستورد؟.. برلماني يطالب الحكومة بحسم الجدل