عرض: د. محمد سمير رجب
اقرأ أيضا: بسبب تعاملات مع إيران.. أمريكا تفرض عقوبات على بنك جولدن جلوبال التركي
تبدأ قصتك مع الدواء حين يصفه الطبيب وتبتاعه من الصيدلية ثم تتناوله لبضعة أيام – فى الغالب – ثم تنتهى. أما قصة الدواء نفسه فهى قصة طويلة، تمتد أحيانًا لعقود وعقود. وهى كما كل القصص قد تصبح ملحمة، لها أبطالها وفرسانها، «كإدوارد جينر» الذى بفضله اختفى مرض الجدرى تمامًا من العالم، أو جوناس سولك، الذى يشارف لقاحه على وضع نهاية تامة لشلل الأطفال. وفى هذه القصص هزائم وانتصارات، قد تبدأ بموقف عابر أو صدفة غير متوقعة، أو مؤشرات مقلقة، أو وباء كارثى! ويخبرنا المؤلف ليانج جوى جوا فى كتابه «قصة الدواء الجديد» بالقصة كاملة عن الدواء وعلمائه ومصنعى الدواء.
من أفضل الكتب فى تبسيط تاريخ صناعة الدواء ويجمع بين السرد القصصى والمعلومة العلمية الدقيقة
اثنان من أعظم العقول فى تاريخ البشرية «لويس باستير» و«روبرت كوخ» يثبتان أن البكتيريا يمكن أن تسبب الأمراض
توقف الربح يعنى بالضرورة توقف عجلة البحث والسعى والإنتاجتوقف الربح يعنى بالضرورة توقف عجلة البحث والسعى والإنتاج
ليس من السهل أو البسيط إذن الطعن فى نزاهة هذه القصص وأساطينها – أفرادًا ومؤسسات- فى العالم. وليس من المعقول إنكار وشيطنة الهدف الربحى من وراء ابتكار أو اختراع أو اكتشاف الأدوية المختلفة، ففى النهاية توقف الربح يعنى بالضرورة توقف عجلة البحث والسعى والإنتاج، ومن ثم تلقى بالمآسى على قوارع الطريق بلا مغيث أو منقذ.
معادلة صعبة لكن وكما يخبرنا المؤلف «ليانج جوى جوا» فى كتابه «قصة الدواء الجديد»، فإن «جورج دابليو ميرك» – مؤسس شركة ميرك العالمية – قد صاغ المعادلة بشكل أكثر إنصافًا واتزانًا مما يحلو لعقلية المؤامرة أن تصوغه. يقول ميرك: حرى بنا ألا يغيب عن أذهاننا أن الدواء موجه فى المقام الأول للمرضى، وحرى بنا أيضًا ألا ننسى أبدًا أن عملية صنع الدواء لا بد وأن توضع فى سياقات خدمة البشر وليس السعى وراء الربح. البشر فى المقام الأول والأرباح فى المقام الثانى… إذا تذكرنا ذلك فإن الربح لن يخطئ طريقنا أبدًا.
تبدأ القصة حين يجد العلماء وشركات الدواء الكبرى أنفسهم فى موقف إنسانى خَطِر. أعراض تتفشى بين الناس، مرض يتجاوز المعدلات الطبيعية على نحو دراماتيكى، أوبئة تنتشر بلا رحمة. غرفة مظلمة تمامًا، لا أحد يفهم ما يحدث، الكل يتخبط فى الظلام والعتمة، البشر يرتعبون فينشرون سيناريوهات المؤامرة الخفية التى تتحرك أيديها فى الخفاء.
فى ركن هادئ، يجلس الكيميائى والصيدلانى والطبيب، متوترين لكن منضبطين، يبحثون عن العلة، ينظمون البيانات، يستقرئونها، ثم تأتى الفكرة العبقرية فتضئ شيئًا داخل الغرفة، يتسع النور ليعم كل أجزائها.
هذا مخطط مختزل ومبسط جدًا لهيكل القصة التى تحتوى بين ضفافها منحنيات كثيرة وعراقيل وتحديات بالغة الصعوبة. لذلك دعونا نغوص معًا فى بعض قصص الاكتشافات والاختراعات التى تحدث عنها ليانج جوى بوا فى الكتاب.
حالة من الذعر
فى عام 1981 اكتشف الأطباء فى نيويورك وسان فرانسيسكو مرضًا غريبًا. عدوى سريعة الانتشار، التهابات شديدة وسرطانات غير مفهومة، دمامل وبثور تغزو الأجساد بجنون. لا علاجات موجودة ومعدل وفيات مرتفع جدًا، لا أمل فى النجاة!
«حالة من الذعر الشديد عمت جميع أنحاء العالم»، فأولى المجتمع الطبى عناية خاصة وعاجلة بهذه الظاهرة، دراسات شاملة وأبحاث عميقة بلا توقف لمدة ثلاثة أعوام على التوالى، وفى 1984 اكتشف العلماء فى الولايات المتحدة وفرنسا، للمرة الأولى على الإطلاق، فيروس نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، العلة الكامنة وراء هذا التفشى!
المطلوب: «منع الفيروس من غزو الخلايا المناعية البشرية والتحكم فى تكاثره، والقضاء عليه فى النهاية، مهمة على عاتق الزملاء العاملين فى صناعة الأدوية وهى مهمة ثقيلة بحق». بدأت شركات الأدوية الكبرى سباق مكافحة الفيروس، وعلى رأسها شركة ميرك. معاهد الأبحاث تجرى فيها الاختبارات على قدم وساق، والمختبرات العملاقة مشحونة بأمل وخوف شديدين!
التحدى الأول: مع فهم سلوك الفيروس وطرق انتقاله وجد العلماء أن المرض ينتشر بين فئات الناس المهمشين والفقراء، فحتى مع ابتكار دواء جديد فإنه يجب أن يقدم بأسعار منخفضة. هذا يعنى أنه فى حالة طرح الدواء فلن تغطى أرباحه التكاليف التى صرفت فى البحث والاختراع والإنتاج طوال فترة صلاحية براءة الاختراع. أما إذا فشلوا فى اختراعه فكل ميزانية البحث ستضيع هباء.
أى دراسة جدوى فى أى مجال من مجالات الاستثمار لو واجهت تحديًّا كهذا فإن التوقف والانسحاب سيكونان عين الحكمة، لكن فى مجال إنسانى كالصحة العامة وحياة البشر فإن المخاطرة والمغامرة جزء مهم جدًا وأساسى فى قصة النجاح.
لذلك يقول «روى فاجيلوس» رئيس شركة ميرك وقتئذ فى مذكراته المنشورة باسم «الطب والعلوم وشركة ميرك»: يموت عدد كبير من المرضى بالإيدز، وينتشر المرض، ويتغير عدد المصابين. إن حجم الاهتمام والتركيز اللذين يوليهما مركز ميرك لأبحاث الأدوية الجديدة تجاه مرض الإيدز وكذلك المخصصات المالية التى رصدت لهذا الأمر لهو أمر لا يصدق، وذلك على الرغم من أننا تحت تهديد الفشل الدائم».
بالطبع كان القرار بإكمال المسيرة فالمبدأ الأساسى هنا هو «مصلحة الإنسان أولًا». وفى عام 1989 نشر العلماء لأول مرة التركيب البلورى ثلاثى الأبعاد لبروتياز فيروس نقص المناعة المكتسبة، هذا الإنزيم البروتينى المسئول عن نشاط الفيروس. وفى عام 1993 نجحت الشركة فى تصنيع أول مثبط لهذا الإنزيم، «عالى الكفاءة وانتقائى للغاية»، إنه عقار «كريكسيفان»، ثم بدأت التجارب السريرية، ولكى يتم تسريعها تضافرت جهود شركة ميرك مع أربع عشرة شركة أخرى، تعاون مشترك وتبادل للمعلومات ومشاركة للموارد وإجراء تجارب علاجية جديدة. وفى 1995 أظهرت نتائج المرحلة السريرية الثالثة أن كريكسيفان يقلل من الفيروس بنسبة 99% فى الدم، ومع تناول أدوية مضادة أخرى للفيروسات فإن النتائج تصبح أكثر فعالية، بحيث يصبح «دون حد الكشف».
مكافحة الإيدز
وفى مارس 1996 أصبح فى العالم ثلاثة أدوية لمكافحة الإيدز هى بالترتيب: ساكوينافير من شركة روش 1995 وريتونافير من شركة أبوت 1996، وكريكسيفان من شركة ميرك.
لقد وضعت هذه الأدوية حدًّا لانتشار المرض، وقللت للغاية التوتر العالمى المرتبط به، وعجلت بعلاج الكثير من الحالات التى كانت ميؤوس منها.
وقد حقق كريكسيفان فى أقل من ثلاث سنوات 700 مليون دولار بعد أن أشاد به المجتمع الطبى وأحرز نتائج ملحوظة على أرض الواقع. قد تظن أن القصة تنتهى عند هذا الفصل لكن الحقيقة أن قصص الدواء لا تنتهى. إنها تمتد وتتشعب أكثر.
بعد فهم الفيروس بشكل أكبر كانت الاكتشافات الخاصة به أكثر ثورية. لقد وجد العلماء إنزيمين آخرين يعتمد عليهما الفيروس للتكاثر والتكرار، إنهما إنزيم النسخ العكسى (ريفيرس ترانسكريبتيز) والإنزيم المدمج (إنتيجريز).
وفى سبتمبر 1998 اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عقار «إيفافيرينز» وصار أول عقار مثبط لإنزيم النسخ العكسى، وقد وضع أساسًا للعقاقير المركبة المضادة للفيروسات «الكوكتيل»، أى استخدام أكثر من دواء لمواجهة هدف مرضى واحد.
وفى أكتوبر 2007 وبعد سلسلة طويلة من الهزائم والفشل حصل عقار «إيسنترس» على اعتماد إدارة الغذاء والدواء أيضًا ليصير أول مثبط للإنزيم المدمج لفيروس الإيدز. وفى ديسمبر 2011، اعتمد كذلك لعلاج من تتراوح أعمارهم ما بين عامين إلى ثمانية عشر عامًا. وهو بذلك أمل جديد لعلاج المرضى الأطفال الحاملين للفيروس.
المعضلة: مازالت المكافحة الفعالة لمرض الإيدز جارية وفعالة فى الدول المتقدمة، حيث يتمتع أغلب المرضى بتأمين صحى اجتماعى أو خاص، لكن فى الدول النامية والمتأخرة – فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية – مازالت الحرب ضد الإيدز مستعرة. وتتمحور الجهود الحالية حول البحث عن طرق ووسائل لتخفيض أسعار الدواء أكثر وتوفيره عبر الحكومات المحلية والبنك الدولى وصندوق النقد الدولى والمؤسسات الخيرية الخاصة.
وقد نجحت بعض هذه الجهود بالفعل فى دول إفريقية مثل بوتسوانا عام 2000 وبعض الدول الآسيوية كالصين عام 2001 بتفعيل مفهوم «الوقاية والعلاج متزامنين».
بالتأكيد مازال شبح الإيدز جاثمًا فوق صدور الكثيرين من البشر، لكن التفاصيل التى سردناها بالأعلى ربما ترسم بوادر أمل يلوح فى المستقبل القريب.
حسنًا، القصة السابقة كما هو واضح بالتواريخ امتدت لثلاثة عقود، لكن ماذا عن قصة أخرى بدأت منذ أكثر من أربعة قرون ولم تنته بعد؟!
يمكن اعتبار البكتيريا، بأنواعها المختلفة، السكان الأصليين القدامى لكوكب الأرض. ومع ظهور الإنسان ومنذ يومه الأول كانت البكتيريا لصيقة به، تراه، تستهدفه وتمرضه ولا يراها ولا يعلم عنها شيئًا. كانت العدوى البكتيرية محدودة نظرًا لنمط البشر الأوائل المعتمد على الترحال والانتقال الدائم. لم تكن ثمة فرصة لوقوع أوبئة كبيرة تصيب عددًا ضخمًا من الناس، لكن مع ظهور الزراعة والاستقرار ونشأة المجتمعات والتمركز حول المدن وفيها واختراع الأسواق وتكتل السكان، كشرت البكتيريا عن أنيابها المرعبة.
فى عام 430 ق.م انتشر «طاعون أثينا العظيم»، استمر أربع سنوات وقتل نصف سكان الإغريق، وكان سببًا فى دمار نظام المدينة الدولة المعروف وقتها.
وما بين 1347 و1352 تفشى «الموت الأسود» فى أوروبا والذى فتك بثلث سكان القارة وانتشر لباقى القارات.
تفسيرات واحدة
كانت التفسيرات فى هذا الوقت واحدة، إنه «عمل شيطانى» أو «عقاب من الرب». ومع حلول عام 1683 – بداية القصة – اكتشف العالم الهولندى ليفينهوك بمجهر بدائى «كائنات حية صغيرة» بعد تكبيرها مائتين مرة. وعلى مدار قرنين ستبدأ تفسيرات علمية منضبطة تربط هذه الكائنات الدقيقة بالأمراض والالتهابات المختلفة، تارة بجرأة وأخرى على استحياء.
ومع نهاية القرن التاسع عشر سيثبت اثنان من أعظم العقول فى تاريخ البشرية «لويس باستير» و«روبرت كوخ» أن البكتيريا يمكن أن تسبب الأمراض بما لا يدع مجالًا للشك.
فى سبتمبر 1928 سيكتشف ألكسندر فلمنج – أستاذ علم الجراثيم – بصدفة بحتة مادة قادرة على الحد من نمو البكتيريا التى كان يستنبتها فى وعاء، أطلق على هذه المادة اسم «البنسلين». وفى 1938 سينجح فريق بقيادة هوارد فلورى فى استخراج مادة البنسلين من فطر «البنسليوم». كانت الأخبار مثيرة ومهمة للغاية لكن إنتاج البنسلين على نطاق واسع أمر بالغ الصعوبة.
الحرب العالمية الثانية
نهاية 1941 دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية رسميًا. الجرحى العائدون من ساحات الحرب يملأون الشوارع والمستشفيات، البكتيريا تأكل لحومهم الملوثة بلا رادع. كمية البنسلين التى تمتلكها شركة ميرك بالكامل لا تكفى سوى لعلاج مريضين اثنين فقط! الأطراف تبتر والجثث تتراكم ولا حلول جاهزة أو ممكنة لوقف النزيف!
المطلوب: التعاون السريع مع شركات الأدوية الكبرى للتغلب على مشكلة الإنتاج الصناعى للبنسلين على نطاق واسع فى وقت قصير. مع الاعتماد على تقنية التخمير بالخزان العميق – الطريقة الأكثر تقدمًا وقتها – زادت إنتاجية شركة ميرك عام 1943 إلى 4.2 مليار وحدة. وفى عام 1945 وصلت إلى 640 مليار وحدة! كان ذلك ثورة قلبت معادلة الحرب تمامًا.
فى هذه الأثناء وقبلها فى عام 1938 كان البروفيسور سلمان واكسمان يعمل بدأب فى مجال علم الأحياء الدقيقة للتربة، موضوع جديد وتمويلات زهيدة، وحماس واكسمان يخمد ببطء. أمدته شركة ميرك بالتمويل المناسب فى الوقت المناسب، وفى عام 1940 و1943 كان فريقه قد اكتشف على التوالى مادتى الأكتينومايسين
والاستربتومايسين، وأطلق واكسمان على هذه المواد جميعها اسم «المضادات الحيوية».
الاستربتومايسين كان العلاج الوحيد فى العالم القادر على علاج مرض السل، لكن معدلات انتشار السل – بعد الحرب على وجه الخصوص – أكثر بكثير من قدرة الشركة على إنتاج كميات كافية منه، نفس المشكلة تتجدد باستمرار! لذلك قرر جورج دابليو ميرك التضحية بحقوق براءة الاختراع لتتمكن الشركات الأخرى من إنتاجه على نطاق أسرع وأوسع.
ولأن اليابان المهزومة فى الحرب كانت تعانى من كارثة تفشى مرض السل أكثر من أى دولة أخرى، فقد منحتها شركة ميرك تكنولوجيا إنتاج الاستربتومايسين لعلاج اليابانيين.
هذه القفزات الأخلاقية والعلمية جعلت العالم أقل ذعرًا حين يسمع كلمة «بكتيريا»، لكن القصص لا تصبح قصصًا من دون منحنيات وتحولات تغير مجرى الأحداث لمسار ومصير مختلفين!
التحدى: اكتشف العلماء فجأة أن البكتيريا قادرة على مقاومة المضادات الحيوية المختلفة بشكل مثير وخطير! هذا يؤدى مع الوقت إلى «انخفاض فعالية الدواء فى علاج مرض ما أو فشله فى تحسين أعراض المريض»، صحة الإنسان مرة أخرى أمام تهديد جديد! كما يحاول البشر باستمرار تحسين شروط بقائهم، تفعل البكتيريا على الدوام ذلك أيضًا، تدافع عن وسائل بقائها!
المطلوب: البحث عن أدوات ومركبات جديدة للسيطرة الفعالة على عدوى البكتيريا المقاومة للأدوية «على نطاق عالمى»، هذه مهمة «ملحة وشاقة»!
ما نعرفه حاليًا عن البكتيريا هو أنها تستخدم أربع آليات مختلفة لمقاومة المضادات الحيوية. أكثرها شيوعًا هو إنزيم تنتجه البكتيريا اسمه «بيتا لاكتاماز». هذا الإنزيم قادر على تكسير المضاد الحيوى قبل مهاجمتها، وبالتالى إبطال مفعوله. وبناءً على ذلك تخرج عائلات كاملة من المضادات الحيوية كمضادات البيتالاكتام – وعلى رأسها البنسلين- والسيفالوسبورين من حرب المكافحة ضد أنواع البكتيريا المقاومة!
اقرأ أيضا: الإسماعيلي يتعادل مع النصر ومسار يهزم طنطا في دوري المحترفين
لم تكن التجارب الأولى لابتكار مضادات حيوية لا تتأثر بإنزيم البيتا لاكتاماز ناجحة على الإطلاق. لكن فى عام 1976 اكتشف العلماء نوعًا جديدًا اسمه «ثياناميسين» من جنس الستربتومايسين. مشكلته الوحيدة أنه مركب غير مستقر كيميائيًا، ضعيف ولا يمكن تخزينه، ولا يسهل اختباره سريريًا! لكن وبعد أن تم تحديد هيكله البنائى عام 1979، استطاع العلماء – وبعد جهود شاقة – إجراء تعديل كيميائى بسيط جدًا على هيكله يجعله أكثر استقرارًا. «ومن هذا المنطلق صنع فريق أبحاث ميرك عقار إيميبينيم، أول مضاد حيوى من مجموعة الكاربابينيمات معتمد للاستخدام السريرى».
لقد كان هذا الدواء الأمل الوحيد للبشرية لمد الصراع بين البكتيريا والإنسان بعد أن كاد ينتهى للأبد لصالحها!
لكن الكارثة لم تتوقف بالرغم من الجهود المبذولة. البكتيريا الفائقة تزداد يومًا بعد يوم. أشهرها: بكتيريا سودوموناس أرجينوزا وميكوبكتريم توبركلوزيس كليبسيلا نيمونيا.
ليس هؤلاء فقط، فالأخطر بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين ولا يوجد مضاد حيوى ناجع إلا الفانكوميسين.
وفى الهند ظهرت طفرة مرعبة تجعل البكتيريا أكثر قدرة على التكاثر والانتشار وعرضة بشكل أكبر للطفرات الجينية. إنها بكتيريا خارقة وشديدة الخطورة NDM-1.
وفى الصين كذلك سلالة جديدة حيث وجد العلماء جينا منتشرا هو MCR-1.
كل هذا يضعنا أمام مصطلح «دواء الملاذ الأخير»، حيث يجد الأطباء أنفسهم يصفون مضادًا حيويًا واحدًا لا يصلح سواه لمواجهة بكتيريا معينة ولا يعرفون كيف ولا متى يصبح هذا الدواء الملاذ الأخير غير فعال!
نحن على أعتاب ما يسمى «كارثة ما بعد المضادات الحيوية» حيث تنتشر الأنواع الخارقة من البكتيريا وحيث تصبح جميع المضادات الحيوية غير نافعة على الإطلاق، وحيث الالتهابات البسيطة والأمراض العادية يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى كوارث كبرى.
لذلك يحرص المجتمع العلمى على التشديد بمنع استخدام المضادات الحيوية من داع حتمى يوجب استخدامها، فسوء استخدام المضادات الحيوية يعجل بالكارثة بشكل لا يمكن للعامة من الناس تصوره!
كما أخبرتكم بعض القصص يلوح فى آخرها الأمل كما فى قصة «الإيدز» وبعضها يختتم بمصير مظلم وضباب غير مريح كما فى قصة البكتيريا، لكن من المؤكد أن بعض القصص تنتهى بنور تام وخاتمة سعيدة كما فى قصة دواء «الإيفرمكتين» التى سأحكيها لكم الآن.
فى دول العالم الثالث ذات الكثافة السكانية العالية الامراض الطفيلية مثل المالاريا والبلهارسيا تهديدات خطرة على صحة البشر لا تتوقف. فى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تجرى الأنهار الجميلة فى هدوء تام. كل الأمور تبدو مريحة ومستقرة، فجأة يظهر هذا المرض العجيب المعروف باسم «عمى الأنهار». لا أحد يعرف أسبابه، يحدث فى الغالب لمن يعيشون على ضفاف النهر، وقد ينتج عمى دائم فى أى وقت، من هنا جاءت تسميته!
فى هذه الأنهار وعلى الضفاف منها يعيش الذباب الأسود، يتكاثر فى صمت، يحمل بداخله طفيلًا غير مرئى اسمه «أونكوسيركا فولفولوس. حين يلدغ الذباب الأسود البشر تنتقل مع تلك اللدغة يرقات هذا الطفيل العجيب إلى أجسادهم لتبدأ دورة حياة الأونكوسيركا. تنمو اليرقات على مهل تحت جلد الإنسان، تصل أحيانًا لطول قدمين. يشعر الحامل للطفيل بحكة شديدة فى جسمه. وحين تصل الديدان إلى العين تؤدى إلى التهاب شديد بالقرنية وفى النهاية إلى العمى. نسبة العمى بين البالغين فوق سن الخمسين يصل إلى 60%.
فى مكان آخر على هذا الكوكب، تحديدًا فى طوكيو باليابان، وبقرب ملعب جولف فى مدينة إيتو بمحافظة شيزوكا، أخذ رجل يدعى أومورا ساتوشى – يعمل بمعهد كيتاساتو للأبحاث – عينة من تربة طينية لفحصها فى نطاق دراسة بحثية تعاونية فى أوائل السبعينيات قادتها شركة ميرك. كانت الفرق المنتشرة حول العالم تبحث عن مواد مضادة للميكروبات من الكائنات الدقيقة الموجود فى التربة. من بين أربعين ألف عينة وجدت ميرك المعجزة فى عينة ساتوشى اليابانية.
مركب كيميائى ما فى هذه التربة قادر على قتل جميع الطفيليات داخل المختبر. فى كل مرة يتم تخفيف محلول الاستنبات تظهر المادة أو المواد الكيميائية فيها خواصًا مضادة للطفيليات بشكل أذهل جميع العاملين. هذا المركب تفرزه بكتيريا اسمها «استريبتوميسيس إفيريميتليس». قام الباحثون باستخلاص تلك المواد الكيميائية وعن طريق سلسلة من التفاعلات قاموا بتحسين استقرارها وتوافرها البيولوجى وسموها «إيفرمكتين».
إنه أول مبيد داخلى وخارجى يستطيع قتل الطفيليات الداخلية والخارجية بجرعات فموية قليلة جدًا. إنه قادر على قتل الديدان الخيطية عند الكلاب، وطفيل أوسوفاعستومم رادياتم الذى يصيب الأبقار، ودودة الرئة البقرية ديكتوكولاس فيفيباراس.
إنه يقتل كذلك النيماتودا والبراغيث والقمل بشكل فعال.
وجد العلماء كذلك أنه فعّال فى قتل الطفيليات التى تصيب الخيل والشبيهة جدًا بطفيل الأونكوسيركا الذى يصيب البشر والذى يسبب عمى الأنهار.
ومرة أخرى تواجه ميرك تحديًا ماليًا خطيرًا. فالدول التى يشيع فيها المرض على نحو ملحوظ هى دول فقيرة ومعدمة، ولن تغطى العائدات منها مخصصات البحث والتجارب المالية. لكن المشروع يكتمل على أى حال.
جرت التجارب السريرية أولًا فى دولة السنغال، «كانت النتائج مشجعة»، ثم شملت مالى وغانا وليبيريا وتشاد. النتيجة مدهشة: جرعة صغيرة لا تتجاوز 150ميكروجراما لكل كيلو جرام من وزن الجسم لمرة واحدة فقط فى السنة كافية لقتل طفيل الأونكوسيركا تمامًا!
بعد ذلك أدركت ميرك دواء أيفرمكتين لعلاج عمى الأنهار. «إنه أحد أهم الأدوية فى العالم وأكثرها ثورية وأوسعها تنوعًا فى سبل الاستخدام» على حد قول ساتوشى أومورا.
واليوم وبعد حوالى ثلاثين عامًا من حملات التبرعات والتعاون لتوزيع الدواء للأماكن الأكثر احتياجًا له، يمكن القول إن العالم قد قارب جدًا على القضاء على مرض عمى الأنهار ووضع نهاية سعيدة لمسيرة بدأت باكتشاف اليرقات عام 1874 على يد جراح بريطانى اسمه جون أونيل فى غانا.
قصص الدواء الجديد لا تنتهى، والموضوعات التى ضمنها الكاتب ليانغ جوى بوا كثيرة مشوقة، يمتزج فيها اليأس بالأمل والأسى بالفرح والنجاح بالفشل، لكن الثابت أن الفضول العلمى لا ينتهى والتحديات الكثير والعراقيل المعيقة لا تزيد العقول النيرة إلا تصميمًا وشغفًا.
ربما ركز الكاتب على دور شركة ميرك البحثى والإنسانى أكثر من أى شركة أخرى، لكن هذا على أى حال الواقع الذى لامسه بنفسه، إنها تجربته الذاتية والشخصية، فهو أحد العاملين والباحثين فيها لسنوات عديدة. ولعل عمله هذا يحفز آخرين فى مؤسسات وشركات أخرى ليحذو حذوه، ويتبعوا نهجه وليدلى كل إناء بما فيه من قصص وبطولات وملاحم!
اقرأ أيضا: المركزي للمحاسبات: اختتام أعمال الاجتماع التأسيسي لمنظمة «أفروساي – العربية»