كانت الدولة الإسلامية قد وضعت للتو أوزارها من حروب الردّة، لكن عمر تسلمها و جلّ الجيش مرابط على جبهتين أحدهما في الشام، والآخر في العراق.
اقرأ أيضا: التنمية المحلية: الدولة لن تتهاون مع أي منشأة تسبب اضرار بيئية
◄ عثمان ووصية أبو بكر الأولى
وعندما أنهى عثمان بن عفان رضي الله عنه تلاوة كتاب أبي بكر، وبايع الناس عمر بن الخطاب.
همَّ عمر إلى منبر أبي بكر، وأخذ يصعده، ثم التفت، فسمعه الناس يقول: «لا يراني الله في موضع أبي بكر». ثم دنا منه، فجلس على الأرض، فلم تستقم له، فنهض ونظر إلى السماء وقال: «اللهم إني غليظ فلَيِّنِّي، اللهم إني بخيل فسخِّنِي، اللهم إني ضعيف فقوِّنِي».
◄ الخطبة الأولى
ثم بدأ يتلو على الناس خطبته البليغة؛ يتحدث فيها عن نفسه، وعن الناس، وعن الكيفية التي ينبغي أن تسير بها الأمور وقد آلت إليه، فقال في أهم ما قال:
«أيها الناس، ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله، ما تقلدت أمركم.
إن الله ابتلاكم بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبيَّ، وقد بلغني أن الناس هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟
ومن قال ذلك فقد صدق؛ لكني كنت مع رسول الله، فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله: ?بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ?. فكنت بين يديه سيفًا مسلولًا، حتى يغمدني أو يدعني فأمضي.
ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون سمعته ولينه وكرمه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفًا مسلولًا، حتى يغمدني أو يدعني فأمضي.
ثم إني وليت أموركم، أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد ضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي، فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه، حتى أضع خده على الأرض ويُذعن للحق.
وإني، بعد شدتي تلك، أضع خدي على الأرض يا أهل العفاف وأهل الكفاف.
ولكم عليَّ، أيها الناس، خصال أذكرها لكم، فخذوني بها:
لكم عليَّ ألا أجتبي شيئًا من خراجكم، ولا مما أفاء الله عليكم، إلا من وجهه. ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم، إن شاء الله تعالى، وأن أسد ثغوركم.
ولكم عليَّ ألا أُلقيكم في المهالك، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال.
ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة اليتيم؛ إذا استغنيت استعففت، وإذا افتقرت أكلت بالمعروف».
كما أضيف العديد من المواضع قوله: ” «أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه».
هذه هي أولى الخطب التي أفضي بها عمر: عبدًا مسلمًا، وأميرًا موفورًا زاهدًا في الدنيا؛ وكان عنده من أسباب الزهد ما يزهد به، فكيف وهو عمر بن الخطاب، أمير المسلمين!.
◄ عمر ومرتبه
ومرت الأيام، وقد انشغل عمر كليًا بشأن الأمر الجديد. فشكت إليه زوجته انصرافه عن شؤون منزله، وشكت انقطاع المال والمؤنه فيكفيهم.
شقّ علي عمر عرض الأمر علي أصحابه، وفي اليوم التالي توجه في اصحابه قائلا: «لقد نفد مالي، فماذا يحل لي من مال المسلمين؟»
فقال سعد بن أبي وقاص، مبتسمًا: «قُل أنت، وإلا رددنا عليك».
فقال: «ما أحج عليه وأعتمر، وحُلَّة في الصيف، وحُلَّة في الشتاء، وما أطيق عليه من الزكاة والصدقه».
قالوا: «أنصفت، والله».
ثم قال قائل: «والله، إن أولى الناس بطعام ليّن، وملبس ليّن، ومأكل ليّن، لأنت يا أمير المؤمنين».
فزجره عمر وقال له: «والله ما أردت بها الله ورسوله، بل أردتها تقربًا مني بالإثم، وإني لكنت أحسب فيك خيرًا!»
وكان عمر هو أول من بادر، ففرض لأبي بكر الصديق وهو خليفة لرسول اللهُ مرتبًا من بيت المال، حتى يتفرغ لأمر الخلافة.
عُمر ووصيه أبي بكر الأخيرة
وكان أبو بكر قد عهد إلى عمر بوصية لا يبرح حتى يكون قد عمل بها؛ ألا وهي أن يندب الناس لمؤازرة الفارس المثنى بن حارثة الشيباني في العراق أمام الفرس. فأخذ يستنفر الناس ويقول: «الله الله في هذا الأمر، الجهاد الجهاد، والسبق السبق».
وجد عمر الناس وقد تثاقلوا، فلم يرَ من مجيب، حتى انفض المجلس. فسأل أصحابه: «ما بال الناس قد تراخوا وأنا أستنفرهم؟»
فقال قائل: «إنهم لم يألفوا المثنى كما عرفوا وألفوا خالد بن الوليد، حتى قالوا: إن النصر يأتي مع ابن الوليد».
فقال عمر: «ويحهم! ألا يعلمون أن الله هو الصانع، لا ابن الخطاب ولا ابن الوليد؟»
فأشار عليه علي بن أبي طالب أن يتركهم في هذا الوقت، درءًا لمظنة الإكراه وحملهم على القتال، وقال: «إن الناس لم تعرف المثنى، ولم ترَ بلاءه، ويخشون لقاء الفرس».
فقال عمر: «لا حرمنا الله من رأيك يا أبا الحسن».
◄ عمر ومعه الأحنف بن قيس
كان عمر اذا خلا الي نفسه قبل النوم؛ أخذ يسأل نفسه هذا السؤال:
ما تقول لربك غدا يا عمر، لقد كنت وضيعا فرفعك الله وكنت ذليلا فأعزك الله، فاذا تقول لربك غدا.
وهذا السؤال قد ورد أولا عن عمر في موضع اخر، وكان عمر يسير ومعه الأحنف بن قيس ، فمرّ به رجل من المسلمين، فقال له:
اقرأ أيضا: استعدادا للدراسة.. رفع درجة الاستعداد بالسكك الحديدية والمترو وLRT والمونوريل
والقصة:
كان عمر في ذلك الوقت مشغولًا بأمر من أمور المسلمين، وهو توسعه المسجد النبوي، فدخل الرجل مجلس عمرا : ” «يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان، فإنه قد ظلمني».
فوكز عمر الرجل بالدِّرّة وضربةً على رأسه، وقال له:
«تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شُغل في أمر من أمور المسلمين أتيتموه: أعدني، أعدني».
فانصرف الرجل متذمرًا.
ثم راجع عمر نفسه، فقال: «عليَّ بالرجل». أي أتوني بالرجل. فلما جئ به، ألقى عمر إليه الدِّرّة وقال له:
«امتثل».
أي: اقتصّ مني واضربني كما ضربتك.
فقال الرجل:
«لا والله، ولكن أدعها لله ولك».
فقال عمر:
«ليس هكذا، إما أن تدعها لله إرادة ما عنده، أو تدعها لي فأعلم ذلك».
فقال الرجل:
«أدعها لله».
فانصرف الرجل.
ثم عاد عمر إلى منزله، وكان الأحنف ومن معه، فدخل عمر وصلّى ركعتين، ثم جلس يحاسب نفسه، وقال:
«يا ابن الخطاب، كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالًا فهداك الله، وكنت ذليلًا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاءك رجل يستعديك فضربته، فما تقول لربك غدًا إذا أتيته؟»
ثم جعل يعاتب نفسه عتابًا شديدًا، حتى قال الأحنف ومن معه إنهم ظنوا أنه من خير أهل الأرض.
اقرأ أيضا: «التضامن»: تسليم 851 طفلا وطفلة لأسر بديلة كافلة منذ 3 يوليو 2024