وصف صحفيو “ذا شيفت” (The Shift) الأمر بـ”الزلزال السياسي” إبان فوز مرشح تقدمي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأمريكي بولاية ميشيغان في 4 أغسطس/آب.
اقرأ أيضا: رئيس اتحاد الأثقال: 7 ذهبيات تؤكد قوة «أوناش» مصر.. و إدريس منح البعثة ثقلًا كبيرًا
خاض الدكتور عبدول السيد، المسؤول الصحي السابق، حملته الانتخابية مرتكزا على شعاري “القدرة على تحمل التكاليف” و”الرعاية الصحية للجميع”، في مواجهة مرشحة تحظى بتمويل ضخم من “أيباك” يتجاوز 30 مليون دولار، ليتفوق بذلك على هيلي ستيفنز، التي شغلت المقعد لأربع دورات والمدعومة من مؤسسة الحزب.
وبجمع تمويل ستيفنز من مصادر المال الأسود الأخرى، بلغ الإجمالي 70 مليون دولار، لتصبح بذلك هذه الانتخابات التمهيدية الأكثر إنفاقا في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي.
وقد أنفقت ستيفنز وحدها 62 مليون دولار على الإعلانات التجارية، متجاوزة إنفاق السيد بنسبة 9 إلى 1. وأضحت تبرعات “أيباك” التي تلقتها جزءا من النقاش العام، لتشكل هزيمتها خسارة فادحة للدولة العرقية الإسرائيلية، ولجماعة الضغط القوية المؤيدة لها في الولايات المتحدة.
يُعد السيد منتقدا صريحا لإسرائيل، إذ دعا إلى إنهاء الإبادة الجماعية في غزة، كما يدعم حظر تصدير الأسلحة إليها، ويعتنق عبدول السيد الدين الإسلامي كذلك.
وإذا فاز بالانتخابات العامة، فسيصبح أول مسلم يُنتخب على الإطلاق لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، لشغل مقعد قد يقلب أغلبية المجلس لصالح الديمقراطيين. وأمام هذا الفوز التاريخي، دخلت العديد من وسائل الإعلام في حالة من الذعر منذ ذلك الحين.
خلال خطاب فوزه، ركز مروجو الدعاية المؤيدة لإسرائيل والمعادية للمسلمين على ديانة السيد، مستهدفين عبارة عربية استخدمها للتعبير عن آماله المستقبلية، وهي “إن شاء الله”. وعلى الفور تقريبا، بدأت الاستعارات الإعلامية المعادية للمسلمين في الانتشار عبر المنصات الرقمية اليمينية، إثر استغلالهم لاستخدامه هذا التعبير الشائع
ويُمثل فوز السيد جزءا من تحول دراماتيكي نحو اليسار في السياسة الأمريكية، لا سيما في أوساط قاعدة الحزب الديمقراطي، في ظل استمرار تراجع ترمب في استطلاعات الرأي، واشمئزاز الأمريكيين من الوحشية الإسرائيلية التي تطال أنحاء الشرق الأوسط.
وقد أشار وزير العمل السابق، روبرت رايخ، إلى ذلك قائلا: “نحن نشهد أخيرا تراجع الديمقراطيين المرتبطين بالشركات”، إثر انتصارات مدفوعة بمطالب “الرعاية الصحية للجميع”، وحظر المساعدات لإسرائيل، وإبعاد سطوة الأموال الطائلة عن السياسة.
وخلال حديثه مع مهدي حسن، لفت بيرني ساندرز قائلا: “من ذا الذي، وهو بكامل قواه العقلية ويؤمن بالديمقراطية، يمكنه أن يرى في السماح للمليارديرات بإنفاق أموال بلا سقف لشراء الانتخابات أمراً مقبولاً؟”
وقد كشفت المنظمات الناشطة، كمنظمة متتبع “أيباك”، عن المرشحين الممولين من جماعات الضغط المدعومة إسرائيليا، لتشكل أموال “أيباك”، باستثناءات قليلة، “قبلة الموت” سياسيا في موسم الانتخابات التمهيدية هذا.
مع ذلك، لا ينوي الصهاينة الكف عن التدخل في الانتخابات الأمريكية، بل يعمدون إلى تغيير تكتيكات رسائلهم وتوظيف وسائل إعلام جديدة في محاولة لتطويع الرأي العام الأمريكي لصالحهم. ويُعد إخفاء تلاعبهم بالناخبين الأمريكيين ركيزة أساسية في هذا المسعى.
غير أن تحقيقا أجرته شبكة الجزيرة كشف عن حملة تشويه منسقة طالت عبدول السيد في ليلة الانتخابات، حيث استُخدم خطاب معادٍ للإسلام لتشويه سمعة المرشح الأمريكي مصري الأصل، تزامنا مع احتفاله وأنصاره بفوزه.
وخلال خطاب فوزه، ركز مروجو الدعاية المؤيدة لإسرائيل والمعادية للمسلمين على ديانة السيد، مستهدفين عبارة عربية استخدمها للتعبير عن آماله المستقبلية، وهي “إن شاء الله”. وعلى الفور تقريبا، بدأت الاستعارات الإعلامية المعادية للمسلمين في الانتشار عبر المنصات الرقمية اليمينية، إثر استغلالهم لاستخدامه هذا التعبير الشائع، الذي يُترجم إلى الإنجليزية بـ”بمشيئة الله”.
وعقب انتزاع العبارة من سياقها، روجوا لسردية تزعم أن فوزه يشكل تهديدا دينيا وأيديولوجيا للأمريكيين، وأن ميشيغان تتعرض لـ”الغزو”. وقد تتبعت قناة الجزيرة مسار هذا الخطاب الذي يحض على الكراهية أثناء انتشاره على منصة التواصل الاجتماعي “إكس”.
وخلصت دراسة أخرى إلى أن تصعيد خطاب الكراهية المعادي للمسلمين “ارتفع بمقدار عشرين ضعفا” عقب فوز السيد في 4 أغسطس/آب. وأشار موقع “ميدل إيست مونيتور” (Middle East Monitor) إلى أن المنشورات المناهضة للسيد، والتي تتبنى التعصب ضد المسلمين، قفزت إلى أكثر من 3 آلاف منشور يوميا، مقارنة بحوالي 150 منشورا يوميا قبل 4 أغسطس/آب.
إذ وصفوا السيد بأنه “جهادي إسلامي” وربطوه بحركة حماس، بينما زعم آخرون أنه سيفرض “الشريعة الإسلامية”. ودمج البعض بين نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين واتهامات الجمهوريين له بأنه “شيوعي”، في إشارة إلى ما أسموه باستيلاء إسلامي/شيوعي على الحزب الديمقراطي.
كشفت المنظمات الناشطة، كمنظمة متتبع “أيباك”، عن المرشحين الممولين من جماعات الضغط المدعومة إسرائيليا، لتشكل أموال “أيباك”، باستثناءات قليلة، “قبلة الموت” سياسيا في موسم الانتخابات التمهيدية هذا
وفي معرض شرحه لهذه الرسائل، أدرك مهدي حسن أن الموجة الجديدة من الخطاب المعادي للمسلمين ليست سوى سردية كاذبة مُصممة بأسلوب ساخر. وصرح حسن قائلا: “إن الإسلاموفوبيا التي نشهدها ليست طبيعية، فهذا ليس أمرا يؤمن به عموم الناس”. بل يستخدمها الجمهوريون لإلهاء الناخبين عن السياسات الاقتصادية الفاشلة، و”كأداة للتلاعب بالرأي العام”.
وأكد حسن أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تتصاعد في مواسم الانتخابات، مضيفا: “إذا نظرنا إلى اللجنة الوطنية لمجلس الشيوخ، فسنجد أنهم كانوا يطلقون عليه اسم عبدول السيد قبل الانتخابات، وفجأة بدؤوا في استخدام اسمه الكامل، عبد الرحمن محمد السيد، للتأكيد على أصوله العرقية. هذا هو واقع الحال الآن”.
وفي ضوء إخفاق الرئاسة الجمهورية والمهمة المستحيلة المتمثلة في تغيير قناعات الأمريكيين تجاه دولة الممارسة الإرهابية الإسرائيلية، برز تحالف دعائي جديد بين الحزب الجمهوري والصهيونية. فقد لجؤوا بيأس إلى الاستعارات الاستشراقية البالية، في مسعى لإثارة الخوف من الإسلام كأرضية خصبة لكسب الأصوات وضمان استمرار دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
اقرأ أيضا: واشنطن وطهران وشبكات الإسناد الصينية | سياسة
وتُعد الهجمات الشخصية، التي تخاطب الغرائز الأساسية وتستثير الخوف والتحيز الخفي، بمثابة الملاذ الأخير لمن لا يستطيعون الدفاع عن مواقفهم وسياساتهم في إطار نقاش عقلاني.
وقد جُرِّبت هذه التكتيكات سابقا ضد زهران ممداني وباءت بالفشل، حيث لا يزال يتمتع بشعبية واسعة بصفته عمدة لمدينة نيويورك. وتشير كل الدلائل إلى أن السيد مجهز جيدا لمواجهة هذه الأنواع من التحديات، والتي وصفها أحد كتاب الأعمدة بضرورة التغلب على “الآخر”. ويدحض السيد مفاهيم “الغرابة” عبر سيرة ذاتية مصغرة ومرحة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يظهر خلف أجداده وهم يقولون: “لقد تعلم قيمه الميشيغانية في بلدتنا الصغيرة”.
فهو يتحدث بصوت مباشر وأصيل، لا يشبه على الإطلاق الاقتباسات الصوتية التي خضعت لاختبارات المجموعات البؤرية وأُعدت مسبقا من قبل نشطاء سياسيين وإعلاميين مأجورين.
وعلى شاشة قناة “فوكس نيوز” (Fox News)، تلقى السيد أسئلة عدائية بصراحة وانفتاح، بينما كان هو يرغب في التحدث عن أزمة القدرة على تحمل التكاليف.
وفي البرنامج الحواري السياسي المرموق “واجه الصحافة” (Meet the Press)، جاءت إجابات السيد شاملة، ومسببة، ومقنعة بشكل يثير الإعجاب. وأشار أحد المعلقين على منصة فيسبوك قائلا: “بغض النظر عن كيفية محاولتها وصمه بالتطرف من خلال أسئلتها الراديكالية، فقد أثبت أن رسالته تلقى صدى واسعا لدى الحزب الديمقراطي بأكمله”.
وتفقد الدعاية القديمة، التي كانت فعالة يوما ما، قوتها عندما تتغير الأرضية من تحتها؛ إذ نجتاز الآن مشهدا إعلاميا جديدا. يشع عبدول السيد بالذكاء والإنسانية، بدءا من حديثه المباشر إلى الناخبين أمام الكاميرا، وصولا إلى إعداد سيناريوهات ممتعة وغير تقليدية.
ولا يمكن للإعلانات السلبية المروعة، التي تُشترى بالأموال الطائلة، أن تضاهي الصوت المدروس النابع من الإخلاص والتعاطف. وعندما أُلقي القبض على جيك لانغ، وهو إرهابي عنصري شارك في أحداث 6 يناير/كانون الثاني، إثر دهسه حشدا من الناس بسيارة في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، وقف السيد في إحدى الكنائس جنبا إلى جنب مع العديد من القادة الدينيين، ليدافع عن رؤية لأمريكا أكبر وأكثر شمولا.
وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني، قد يكون عبد السيد قد قاد الأمريكيين نحو الديمقراطية أكثر مما وصلنا إليه منذ وقت طويل، إن شاء الله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: إيران تهدد بإستراتيجية حرب جديدة وترمب يطمئن إسرائيل | أخبار