«الفضفضة الزوجية».. هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى أبغض الحلال؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تعد الخلافات الزوجية حبيسة جدران المنزل، أو أسرارًا تُروى لصديق مقرب أو أحد أفراد العائلة، فقد ظهر طرف جديد يلجأ إليه الكثير من الأزواج والزوجات بحثًا عن إجابة أو تفسير أو حتى تأكيدا لمشاعرهم «الذكاء الاصطناعي».

اقرأ أيضا: بعد تجديد تعاقده.. أرقام حسام حسن مع منتخب مصر 

فبضغطة زر، يمكن أن يكتب أحد الطرفين تفاصيل خلافه، ومخاوفه، وشكوكه، ورؤيته لسلوك شريكه، ليحصل على إجابة تبدو متفهمة ومنظمة، وتمنحه شعورًا بأنه وجد من يستمع إليه دون إصدار أحكام.

وسرعان ما يتحول هذا التفاعل من مجرد مساحة للفضفضة وترتيب الأفكار إلى مصدر يُبنى عليه فهم العلاقة واتخاذ قرارات مصيرية، وهنا تكمن الخطورة وتهديد كيان الأسرة.

ماذا يحدث عندما يدخل رد «ChatGPT» إلى قلب الخلاف الزوجي باعتباره «حكمًا» يستند إليه أحد الطرفين في مواجهة الآخر؟ وهل يمكن لتعاطفه مع مشاعر المستخدم أن يتحول من دون قصد إلى تأكيد لتفسير قد يكون ناقصًا أو منحازًا؟

 

عبدالله: رواية طرف واحد لا تكفي لفهم العلاقة وتحديد المشكلة

 

“الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الخلافات الزوجية تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه، خاصة عندما يتحول من وسيلة للمساعدة وتنظيم الأفكار إلى بديل عن المتخصص أو مصدر وحيد لاتخاذ قرارات تمس العلاقة الزوجية” هكذا بدأت دكتورة إيمان عبد الله، استشاري الإرشاد الأسري والنفسي حديثها.

 

اقرأ ايضا| ستوري بوت | غرف الدردشة العائلية في عصر الذكاء الاصطناعي  

 

من هنا، تحذر عبد الله من أن الاعتماد على رواية واحدة عند استشارة الذكاء الاصطناعي ينتج استنتاجات تبدو متماسكة منطقيًا، لكنها مبنية على نصف الحقيقة فقط، وبالرغم من أن الأداة قادرة على تنظيم الأفكار وتلطيف طريقة التعبير عن الاحتياجات، غير أن هذا يبعد كل البعد عن تقييم علاقة كاملة بأبعادها المتشابكة.

ولفتت استشاري الإرشاد الأسري والنفسي إلى أن الإنسان عندما يروي مشكلته الزوجية لا يقدم بالضرورة وقائع مجردة، وإنما يقدم تفسيره الشخصي لما حدث؛ فقد تصف الزوجة زوجها بأنه لا يهتم بها أو يتجاهلها أو يخونها، بينما قد يرى الزوج أنها تهمله أو تنتقده باستمرار أو تتجاهله، وقد يكون كلا الطرفين صادقًا في وصف تجربته ومشاعره، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن رواية أي منهما تمثل الصورة الموضوعية الكاملة للعلاقة.

 

– عدسة مشوّهة اسمها التجربة الشخصية

 

وهنا تبرز نقطة نفسية مهمة، تتمثل في أن الخبرة الذاتية ليست بالضرورة الصورة الموضوعية الكاملة للموقف؛ فالإنسان يتذكر الأحداث ويفسرها من خلال مشاعره واحتياجاته وخبراته السابقة وتوقعاته ومعتقداته عن نفسه وعن الطرف الآخر، ومن يشعر بالإهمال قد يصبح أكثر انتباهًا إلى لحظات التجاهل، بينما قد يركز من يشعر بأنه دائمًا موضع اتهام على لحظات النقد واللوم، فيعيش الزوجان الموقف نفسه بتفسيرين نفسيين مختلفين.

ومن هذا المنطلق، ترى عبد الله أن الاعتماد على رواية أحادية الجانب عند طلب المشورة من الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى بناء استنتاجات تبدو منطقية وفقًا للمعلومات المقدمة، لكنها لا تعكس بالضرورة كل أبعاد المشكلة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تنظيم الأفكار، واقتراح أساليب للحوار، ومساعدة الشخص على التعبير عن مشاعره واحتياجاته بصورة أكثر هدوءًا، لكن ذلك يختلف عن ممارسة الإرشاد الأسري المتخصص أو تقييم العلاقة بصورة متكاملة.

كثيرًا ما لا يكون الشخص المتألم باحثًا عن حل أصلاً، وإنما عن اعتراف بأن ما يشعر به مشروع ومفهوم — وهذا حق إنساني بديهي. لكن الخط الفاصل الخطير هو حين يتحول هذا التعاطف الآلي إلى ختم يُصادق على تفسير لم يُختبر بعد من زوايا أخرى.

 

– عندما تتحول الصفات النفسية إلى أختام جاهزة

 

تنبّه عبد الله كذلك إلى خطر إلصاق تشخيصات جاهزة كـ«نرجسي» أو «مسيطر» أو «خائن» على الشريك؛ فهذه مصطلحات لها ثقلها العلمي حين تُستخدم في سياقها الإكلينيكي الدقيق، لكنها تتحول في الاستخدام اليومي إلى مجرد وصمات تُلصق دون أي تشخيص مهني حقيقي.

وهذا يرتبط بظاهرة «الانحياز التأكيدي» قائلة “بمجرد أن يتبنى شخص فكرة معينة عن شريكه، يبدأ عقله في انتقاء الأدلة التي تدعمها وتجاهل ما يناقضها”، متابعه أنه من اقتنع بأن شريكه «نرجسي» سيعيد قراءة سنوات كاملة من العلاقة بحثًا عن شواهد تثبت ذلك، فتتحول المشكلة من نمط خلافات قابل للإصلاح، إلى شخص كامل مختزل في تشخيص واحد لا رجعة فيه.

الفارق بين قول «عندنا نمط خلاف يحتاج إصلاحًا» وقول «أنا متزوج من نرجسي» ليس لغويًا، بل فارق في مسار التفكير كله؛ الأولى تبقي الباب مفتوحًا للإصلاح، والثانية تُحوّل الشريك إلى حقيقة نهائية مغلقة.

 

– من أداة مساعدة إلى خصم في النزاع

 

تحذر عبد الله من أن دخول إجابات الذكاء الاصطناعي كطرف يُستشهد به في المواجهة الزوجية يمنحه سلطة لم يكن يملكها، فيتحول من أداة شخصية إلى مرجعية خارجية تتدخل في مصير العلاقة، مؤكدة أن مهمة الإرشاد الأسري الحقيقية ليست توزيع اللوم، بل فهم «الحلقة التفاعلية» التي تُغذي المشكلة: طرف ينتقد لأنه يشعر بالإهمال، فينسحب الآخر دفاعًا عن نفسه، فيزداد شعور الأول بالإهمال أكثر، وهكذا تدور الحلقة بحدة متصاعدة.

الاستخدام الأكثر أمانًا، كما تراه عبد الله هو التعامل مع الأداة كمساحة تدريب على الحوار والتعبير، لا كحكم نهائي يُستبدل به رأي متخصص يرى الصورة من الخارج.

 

هندي: أصبح طرف ثالث غير محايد في العلاقة الزوجية

 

انجذاب كثير من السيدات لهذه الأداة لا يعود لكفاءتها، بل لسهولة الوصول إليها «متاحة ليلًا ونهارًا» كما أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، بالإضافة إلى أنها لا تحمل خوف الحكم أو الحرج الذي قد يرافق الحديث مع إنسان آخر، وهذا بالتحديد ما يجعلها مغرية في لحظات الانفعال.

 

اقرأ ايضا| «طلاق في بوست».. ثقافة رقمية أم إهدار للإنسانية؟ 

 

الإنسان في أزماته لا يبحث دائمًا عن علاج جذري، بل عن «مسكّن» سريع يخفف وطأة اللحظة، وهنا المأزق كما أشار هندي “العلاقة الزوجية لا تُختزل في كلمات مكتوبة، فهي حزمة من الإشارات غير المنطوقة التي تحتاج قراءة بشرية.

 

– حين يكون الصمت أبلغ من الكلام

 

ونوه إلى أن ما لا يُقال في جلسات العلاج النفسي قد يكون أحيانًا أكثر مما يُقال، فالطبيب يقرأ نبرة الصوت، ولحظات الصمت، وتعبيرات الوجه، وطريقة الجلوس، وحركات العينين واليدين، والتردد في الإجابة، وغيرها من الإشارات غير اللفظية التي تساعده على فهم الحالة بصورة أكثر شمولًا، وهي أمور لا يستطيع «ChatGPT» رؤيتها عندما يتعامل مع نص مكتوب.

وتكمن المشكلة الأكثر خطورة في رؤية دكتور وليد في أن «ChatGPT» يتعامل غالبًا مع رواية طرف واحد، بينما الاستشارة الزوجية الحقيقية تحتاج إلى الاستماع إلى الطرفين وفهم طبيعة العلاقة بينهما؛ فالنصيحة التي تُبنى على رواية منفردة قد تكون ناقصة، خصوصًا أن الشخص الذي يطلب المشورة قد يقدم تفسيره الخاص للأحداث، وليس بالضرورة الصورة الكاملة لها.

فالمتخصص كما أشار الاستشاري النفسي لا يتعامل فقط مع الكلمات التي يسمعها، وإنما يحاول تفسير السلوك ودوافعه، وقد يكتشف أثناء الجلسة وجود أنماط نفسية أو اضطرابات تؤثر في طريقة إدراك الشخص للمواقف وتفسيره لسلوك الطرف الآخر، وهو ما قد لا يظهر من خلال سرد مكتوب ومختصر للمشكلة.

 

– وهم التحالف وتآكل مهارات التواصل

 

يترتب على هذا ما أسماه هندي بـ«انحياز الأداة لصاحب الشكوى»؛ إذ يشعر المستخدم أن الرد يصادق على موقفه لا أن يوسّع رؤيته، فيصبح الشات بوت حليفًا في الخلاف بدل أن يكون مرآة محايدة، مع التكرار، يتشكل ما يسميه هندي «الضلع الثالث الإلكتروني» طرف حاضر باستمرار، يعرف كل التفاصيل والأسرار، لكنه لا يعرف تاريخ العلاقة ولا رأى الزوجين معًا يومًا.

وكشف عن أن اكتشاف الزوج أن شريكته تناقش تفاصيل حياتهما الخاصة مع «ChatGPT» قد يُحدث بحد ذاته شرخًا في الثقة، حتى قبل أي انفصال فعلي؛ فالتصدع النفسي، كما يصفه هندي، غالبًا يسبق الانهيار الظاهر بوقت طويل.

اقرأ أيضا: السيسي وشي جينبينج: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في الشرق الأوسط

 

– وهم التحالف العلاجي

 

كما حذر من نشوء ما يسميه «وهم التحالف العلاجي»، إذ إن الاستماع المستمر والردود المتعاطفة قد تجعل المستخدم يشعر بأن الأداة تفهمه وتسانده، فيزداد تعلقه بها وثقته في آرائها، وربما يفضل اللجوء إليها بدلًا من مواجهة شريك الحياة أو الاستعانة بمتخصص.

الأخطر من هذا كله من وجهة نظر الاستشاري النفسي هو بناء قرارات مصيرية على معلومات مقتضبة؛ فمشكلة عمرها خمسة عشر عامًا قد تُختزل في أسطر كُتبت وسط نوبة غضب، ليُبنى عليها رد لا يراعي تعقيد تاريخ كامل من العلاقة، تكلفة استشارة متخصص، مهما بدت مرتفعة، تبقى في النهاية أقل بكثير من كلفة انهيار أسرة كاملة بكل ما يتبعها من محاكم ونفقات وجراح نفسية.

ويختتم هندي تحذيره بالتأكيد على أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لتخفيف الألم اللحظي قد لا يكون هو الطريق الأفضل لحل المشكلة من جذورها، معتبرًا أن «اللجوء في الاستشارات الزوجية لـChatGPT  شرٌّ لو تعلمون عظيم»، لأن العلاقة الزوجية في النهاية ليست مجرد نصوص تُكتب، وإنما علاقة إنسانية تحتاج إلى فهم المشاعر والسلوك والسياق الكامل للطرفين.

 

– غانم: النموذج لا يعرف الحقيقة.. بل يعرف ما كُتب له فقط

 

من الزاوية التقنية، يشدد إسلام غانم، خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، على ضرورة التعامل مع «ChatGPT» وأدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد لا كبديل عن معالج بشري، خاصة أن التاريخ الشخصي والمشاعر المتراكمة عناصر يستحيل اختزالها في رسالة نصية.

النظام كما أوضح غانم لا يملك أي معرفة مستقلة بما يجري فعلًا بين الزوجين؛ كل ما لديه هو النص المعروض أمامه، وجودة إجابته مرهونة تمامًا بدقة هذا النص واكتماله، لذلك من الطبيعي أن تتباين الإجابة كليًا لو عرض كل طرف القصة نفسها من زاويته الخاصة، فكلاهما قد يكون صادقًا، لكن كل رواية منفردة تبقى قاصرة عن الحكم على العلاقة كاملة.

ويلفت خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى أن «ChatGPT» قد يستطيع ملاحظة بعض التناقضات أو طرح أسئلة إضافية تساعد المستخدم على اكتشاف جوانب لم ينتبه إليها، لكنه لا يستطيع معرفة ما لم يُذكر له، كما لا يمكنه التأكد بشكل قاطع من أن رواية أحد الطرفين تمثل الحقيقة الكاملة.

أما التعاطف الذي يظهر في بعض إجابات الذكاء الاصطناعي، فيرى إسلام غانم أنه لا ينبغي تفسيره باعتباره فهمًا كاملًا للموقف أو تأييدًا لرواية المستخدم؛ فالذكاء الاصطناعي يستجيب بطريقة متفهمة استنادًا إلى النص والمعلومات المتاحة أمامه، لكن ذلك يختلف عن الفهم الإنساني الذي يقوم على الخبرة والتفاعل المباشر مع صاحب المشكلة.

 

– فرق بين النصيحة وإصدار الأحكام 

 

وفي هذا السياق، يبرز غانم الفرق بين تقديم النصيحة العامة وإصدار الحكم؛ فاقتراح تحسين التواصل، والاستماع إلى الطرف الآخر، وتجنب التصعيد، أو طرح أسئلة تساعد على فهم المشكلة، كلها أدوار يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيدًا فيها، أما تحديد الطرف المخطئ، أو الحكم بأن العلاقة انتهت، أو الدفع نحو الانفصال والطلاق، فهي قرارات مصيرية تحتاج إلى فهم عميق للتفاصيل والسياق، وتتجاوز حدود الاستشارة العامة التي يمكن أن يقدمها نظام يعتمد على المعلومات التي يزوده بها المستخدم.

وتكمن إحدى النقاط الأكثر حساسية، بحسب إسلام غانم، في احتمال أن يزيد استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أحادية شعور أحد الزوجين بأنه مظلوم أو أن روايته تمثل الحقيقة الكاملة، فإذا استمر الشخص في عرض المشكلة من زاويته فقط، وتلقى إجابات تتوافق مع مشاعره ومخاوفه، فقد يترسخ لديه تدريجيًا الاعتقاد بأن تفسيره هو التفسير الصحيح وأن الطرف الآخر هو المخطئ دائمًا.

ومن هنا يمكن أن يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى قرارات أكثر خطورة، إذا تحول من أداة تساعد الإنسان على التفكير إلى مصدر يعتمد عليه في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق باستمرار الزواج أو الانفصال، وتزداد حساسية الأمر عندما تكون المعلومات التي بُني عليها التحليل أحادية الجانب أو ناقصة، لأن القرار في هذه الحالة قد يستند إلى صورة غير مكتملة للعلاقة.

 

– مساحة مفيدة ضمن حدود واضحة

 

وفي المقابل، يرى خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أن هناك مساحة مفيدة يمكن أن يؤديها AI في العلاقات الزوجية، من بينها مساعدة الشخص على ترتيب أفكاره، واقتراح أسئلة يمكن مناقشتها مع الطرف الآخر، والتدرب على التعبير عن المشاعر بصورة أكثر هدوءًا، وتحسين أسلوب التواصل، إلى جانب تقديم المعلومات العامة التي تساعد على فهم بعض أنماط السلوك والتفاعل.

لكن عندما تصبح المشكلة عميقة أو متكررة، أو تتضمن صراعات حادة، أو ترتبط بقرارات تتعلق باستمرار الزواج أو الانفصال، فإن الاستعانة بمتخصص بشري تظل أكثر أهمية، لقدرته على الاستماع إلى الأطراف وفهم السياق الكامل والتعامل مع الجوانب النفسية والاجتماعية والإنسانية التي قد لا تظهر في الرواية المكتوبة.

ويختتم إسلام غانم رؤيته بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الإنسان على التفكير في المشكلة، لكنه لا يستطيع أن يكون شاهدًا على العلاقة كلها؛ ومن ثم لا ينبغي الخلط بين قدرته الكبيرة على تحليل الكلام والمعلومات، وبين قدرته على معرفة الحقيقة الكاملة لما يحدث بين شخصين.

اقرأ أيضا: تصدي لـ 3 ركلات في أول ثلاث جولات.. حارس مرمي القناة يخطف الأنظار 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً