جزيرة أوروبا الثرية التي فضلت الأسماك على اليورو | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في غريندافيك، البلدة الواقعة على ضفاف الأطلسي على الساحل الجنوبي لآيسلندا، عادة ما يتزامن أول شعاع للضوء يشق ظلام الليل، مع هدير محركات السفن القادمة من البحر أو المبحرة نحوه. هنا اعتاد الناس لسنوات الاستيقاظ على أصوات سفن الصيد وهي تدخل الميناء بهدوء، أسطحها زلقة بالجليد، ومخازنها مثقلة بسمك القد المتجه إلى مستقره النهائي في أسواق باريس ونابولي وميونيخ، وحتى بوسطن وشيكاغو.

اقرأ أيضا: انطلاق مباراة المصري وبيراميدز | بوابة أخبار اليوم الإلكترونية

بُني وجود غريندافيك ذاته على هذا الطقس اليومي. فالبلدة التي تأسست قبل أكثر من ألف عام، نمت لتصبح واحدة من أهم موانئ الصيد في المنطقة، مستقبلة ما بين 2500 و3000 شحنة سنويا، ومستضيفة عبر أرصفتها أكثر من 40 ألف طن من الأسماك. هنا يمر أكثر من 40% من إجمالي سمك القد الذي يُصطاد قرب آيسلندا، ليُغذي مصانع التجهيز التي تُصدّر شرائح السمك والسمك المملح إلى الخارج في غضون ساعات، بفضل قرب الميناء من مطار كيفلافيك الدولي.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لكن في شتاء 2023-2024، توقفت حركة الصيد والتجارة في المدينة، بعد أن انفتح ممر من الحمم البركانية تحتها، حطّمت الزلازل الطرق وهدّدت الحمم البركانية ضواحيها، مما أجبر سكان غريندافيك البالغ عددهم 4000 نسمة على إخلاء المدينة، تاركة واحدة من أكثر مجتمعات الصيد إنتاجية في آيسلندا خاوية على عروشها.

FILE - A volcanic eruption is visible near the town of Grindavik, on the Reykjanes Peninsula, Iceland, April 1, 2025. (AP Photo/Marco di Marco, File)
ثوران بركاني قرب بلدة غريندافيك في شبه جزيرة ريكيانيس بآيسلندا (أسوشيتد برس)

بحلول صباح اليوم السابق لاستفتاء 29 أغسطس/آب 2026 حول استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كان الميناء لا يزال يكافح للعودة إلى الحياة لكن شبح الخوف في المدينة لا يزال حاضرا. المدينة التي أسهمت في جعل آيسلندا “قوة كبرى في مجال صيد الأسماك ” تُذكّرنا بمدى هشاشة الاقتصاد عندما يعتمد على الجغرافيا والجيولوجيا وعملة وطنية متقلبة.

على بُعد نحو ساعة بالسيارة في العاصمة ريكيافيك، داخل مبنى ألثينغي التاريخي الذي يحوي مقر البرلمان، تحوّل هذا الوضع الهش إلى مواجهة سياسية حامية. تجادل المشرّعون حول ما إذا كان لبلدهم البالغ عدد سكانه حوالي 400 ألف نسمة، أن يجلس أخيرا على طاولة الاتحاد الأوروبي التي ظل يدور حولها لثلاثة عقود، أم أن السيادة على الثروة السمكية، وعلى المال، وعلى الدفاع لا يمكن الحفاظ عليها إلا بمعزل عن بروكسل.

في الخارج، كان الناشطون على الطرفين يوزعون منشوراتهم بينما تتغير نتائج استطلاعات الرأي بفوارق ضئيلة، حتى حسم الاستفتاء النتيجة بـ “لا ” ضعيفة لم تفلح في إنهاء الانقسام الذي صنع التصويت لتبديده. وفي حين علقت النتيجة المفاوضات مع أوروبا حتى إشعار آخر، فإنها تجبر آيسلندا على التحديق في الهاوية تشكل سياستها: ذكريات حروب القد، وصدمة وأعباء العملة الضعيفة، والخط الأحمر لمصائد الأسماك، والمخاوف الإستراتيجية من احتدام الصراع في القطب الشمالي.

حروب القد

تعود خلافات آيسلندا مع أوروبا إلى حقبة تحول فيها صيد الأسماك من ممارسة اقتصادية روتينية إلى صراع حول السيادة. ففي الفترة بين عامي 1958 و1976، خاضت آيسلندا وبريطانيا سلسلة من النزاعات حول حقوق الصيد في شمال المحيط الأطلسي، حيث وسعت ريكيافيك من جانب واحد منطقتها الحصرية لصيد الأسماك من 4 أميال إلى 12 ميلا بحريا، ثم إلى 50 ميلا وأخيرا إلى 200 ميل بحلول عام 1975.

حينها، شكل صيد الأسماك ومعالجتها ما يقارب من 14% من الناتج القومي الإجمالي لآيسلندا و80% من صادراتها، مما جعل سمك القد والأسماك القاعية الأخرى أساس الاقتصاد الوطني. وفي فستمانايار -الميناء الجزري البركاني الذي كان يتعامل مع حوالي 20% من الصيد الوطني قبل ثوران بركاني عام 1973- كانت النسبة أعلى من ذلك، حيث كان أكثر من نصف السكان يعملون بشكل مباشر في صناعة الأسماك. ولذا عندما طرحت آيسلندا مطالبتها بمنطقة اقتصادية خالصة تمتد إلى 200 ميل بحري في عام 1975، فإنها كانت تؤكد سيطرتها على المورد الذي يبقي البلاد واقفة على قدميها.

“خاضت آيسلندا وبريطانيا سلسلة من النزاعات حول حقوق الصيد في شمال المحيط الأطلسي”

رفضت لندن الاعتراف بهذا التوسع، وأرسلت سفنا حربية لحماية أسطولها. وعلى مدار ثلاث موجات من الحرب، وقعت أكثر من 60 حادثة تصادم بين السفن الآيسلندية والبريطانية، وقُطعت العلاقات الدبلوماسية لفترة وجيزة، وهددت ريكيافيك بإغلاق قاعدة الناتو في كيفلافيك، مستغلة موقعها الإستراتيجي لإجبار الحلفاء على الاختيار بين الأسماك والدفاع المشترك. وفي يونيو/حزيران 1976، وتحت ضغط حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومواجهة خطر فقدان موقع متقدم ومهم لمكافحة الغواصات الروسية، تراجعت بريطانيا، وقبلت منطقة الصيد الآيسلندية البالغة 200 ميل ضمن اتفاقية التسوية التي توسط فيها الناتو، ووضعت سقفا للوصول البريطاني المحدود داخل تلك المياه.

وبأثر رجعي، ساعدت مقامرة آيسلندا في إعادة تعريف القانون الدولي: فعندما أقرت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار منطقة اقتصادية خالصة تبلغ 200 ميل بحري في عام 1982، فإنها عممت فعليا ما طالبت به ريكيافيك لنفسها في عرض المحيط. وداخل آيسلندا، حُفر الدرس عميقا في الذاكرة السياسية: السيادة ليست شيئا تمنحه القوى العظمى أو المعاهدات، بل حق يفرض فرضا، ويُدافع عنه بأي وسيلة يمكن أن تمتلكها دولة صغيرة.

A view of the collision between the Royal Navy frigate and the Icelandic gunboat
تصادم بين فرقاطة تابعة للبحرية الملكية البريطانية والزورق الآيسلندي “ثور” خلال حروب القد  1976 (غيتي)

ستقف تلك العقيدة في مواجهة العالم مجددا بعد 3 عقود. في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بلغت مدن الصيد الآيسلندية أوج نشاطها في بلد نجح أن يبني لنفسه قطاعا ماليا مزدهرا، حيث قامت بنوك مثل كاوبثينغ (Kaupthing)، ولاندسبانكي (Landsbanki)، وغليتنير (Glitnir) بتضخيم ميزانياتها بأضعاف أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. بالتزامن، غذى الائتمان الرخيص باليورو والجنيه الإسترليني طفرة عقارية في الداخل، كما تفاقمت ظاهرة “سندات الأنهار الجليدية” في الخارج، حيث أصبحت الكرونا عملة مفضلة لتجارة الفائدة، بسبب أسعار الفائدة المرتفعة جدا التي منحتها الحكومة.

“خلال الأزمة المالية العالمية، انهارت كبريات البنوك الآيسلندية في أيام”

خلال الأزمة المالية العالمية، انهار ذلك الصرح المالي برمته في أيام. في أكتوبر/تشرين الأول 2008، أقر البرلمان الآيسلندي قانون الطوارئ الذي منح هيئة الرقابة المالية صلاحيات واسعة للسيطرة على البنوك المتعثرة؛ ووُضع بنكا لاندسبانكي وغليتنير تحت الحراسة القضائية، وتلاهما بعد فترة وجيزة بنك كاوبثينغ. وتجاوزت الالتزامات المجمعة للمؤسسات الثلاث 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لآيسلندا، مما جعل الانهيار أكبر فشل مصرفي نظامي في التاريخ الاقتصادي الحديث بالنسبة لحجم الاقتصاد الوطني.

afp : A branch of the Icelandic bank Glitnir in Reykjavik on October 8, 2088. The Icelandic state has officially taken control of the country's third largest bank, Glitnir, the
فرع للبنك الآيسلندي “غليتنير” في ريكيافيك عام 2008 (الفرنسية)

ولوقف السقوط الحر للعملة ومنع أزمة مالية أوسع، ضمنت الحكومة جميع الودائع المحلية، وفرضت قيودا صارمة على حركة رؤوس الأموال، ولجأت إلى صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة مالية بقيمة 2.1 مليار دولار، استُكملت لاحقاً بأكثر من 3 مليارات دولار في شكل قروض من الجيران في بلدان الشمال الأوروبي وشركاء آخرين ضمن حزمة إنقاذ حرجة. وظلت القيود المفروضة على رأس المال -التي صُنفت في البداية على أنها مؤقتة- قائمة بأشكال مختلفة حتى عام 2017، وهي فترة استثنائية عُزلت فيها العملة الآيسلندية جزئيا عن الأسواق العالمية.

أدى الانهيار إلى تحول جذري في الجدل الداخلي حول أوروبا، ولأول مرة، بدا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو طريقا مقبولا لتثبيت العملة واستعادة المصداقية. وفي أبريل/نيسان 2009، تولت حكومة جديدة تميل إلى اليسار بقيادة رئيسة الوزراء يوهانا سيغورذاردوتير مهامها، ملتزمة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتبني اليورو في غضون أربع سنوات. وفي 16 يوليو/تموز 2009، وبدعم برلماني، تقدمت آيسلندا رسميا بطلب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي؛ وفي عام 2010 فُتحت مفاوضات الانضمام رسميا.

“بدا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو طريقا مقبولا لتثبيت العملة واستعادة المصداقية”

كانت السرعة التي تقدمت بها المفاوضات مذهلة. لكن الفصول المتفجرة سياسيا المتعلقة بمصائد الأسماك تأخرت مرارا وتكرارا، بينما كان الجانبان يراوحان مكانهما بين نموذج مصائد الأسماك الآيسلندي والسياسة المشتركة لمصائد الأسماك في الاتحاد الأوروبي. ثم، مع تعافي الاقتصاد بشكل أسرع من المتوقع، تغير المزاج العام في آيسلندا مجددا.

جلبت انتخابات عام 2013 إلى السلطة ائتلافا من يمين الوسط أكثر تشككا في المزيد من التكامل مع بروكسل، فعُلقت محادثات الانضمام؛ وفي عام 2015، أبلغ وزير الخارجية آنذاك غونار براغي سفينسون الاتحاد الأوروبي أنه “لا ينبغي اعتبار آيسلندا دولة مرشحة للعضوية بعد الآن”، معلنا أن مصالح البلاد “تُخدم بشكل أفضل خارج الاتحاد الأوروبي”.

من الناحية القانونية، لم يُسحب الطلب بالكامل أبدا: فلم تحصل الحكومة على قرار برلماني يأذن بالانسحاب، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع الملف على أنه “معلق” بدلا من إغلاقه نهائيا. أما من الناحية السياسية، فقد بدت هذه الخطوة التي اتُخذت دون استفتاء وكأنها دفنت مسألة الانضمام تحت الرماد. إلى أن بدأت الكرونا، والعالم المحيط بآيسلندا، في إثارة القلاقل من جديد.

(L-R) Katrin Jakobsdottir, candidate for Minister of Education, Steingrimur J Sigfusson, candidate for Minister of Finance, Johanna Sigurdardottir, candidate for Prime Minister, and Ingibjorg Solrun Gisladottir, Leader of The Social Democratic Party, announce a new centre-left coalition government in Reykjavik February 1, 2009. Iceland named its prime minister and finance minister on Sunday in a new centre-left coalition that vowed to overhaul the central bank and look at membership of the European Union to ease a financial crisis. Sigurdardottir, from the Social Democratic Alliance, will become prime minister to be joined by Finance Minister Steingrimur Sigfusson, leader of coalition partner the Left-Green Party, the parties said. REUTERS/Ingolfur Juliusson (ICELAND)
في 2009، تولت حكومة من يسار الوسط بقيادة سيغورذاردوتير (وسط) مهامها، متعهدة بالسعي إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي وتبني اليورو (رويترز)

معضلة العملة الضعيفة

إذا كانت “حروب القد” أعطت درسا للآيسلنديين حول أهمية السيطرة على الموارد، فإن الانهيار المالي عام 2008 لقنهم درسا حول مخاطر العملة الضعيفة والمتقلبة. تُعد “الكرونا” النموذج الأبرز لـ “عملة متناهية الصغر” (1 يورو = 140 كرونا تقريبا)؛ فهي تخدم سكانا يقلون عددا عن العديد من ضواحي المدن الأوروبية الكبرى، لكنها تعوم بحرية في أسواق يهيمن عليها الدولار واليورو.

هذا المزيج بين الحجم الصغير والمنافسة في السوق المفتوحة يضخم التقلبات في أسعار الصرف وأسعار الفائدة عند تغير المزاج العام للسوق، مما يولد ما يصفه الاقتصاديون بعلاوة المخاطرة: وهي هامش فائدة إضافي يطالب به المستثمرون للاحتفاظ بالأصول المقومة بالكرونا بسبب مخاطر انعدام اليقين وتقلبات أسعار الصرف.

تترجم هذه المطالب في الواقع العملي إلى تكاليف اقتراض أعلى للأسر والشركات مقارنة بمنطقة اليورو. وحتى مع التعافي الذي أعقب الأزمة المالية، ظل التضخم مرتفعا. وبحلول أواخر عام 2022، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 9.6% على أساس سنوي؛ وفي ديسمبر/ كانون الثاني 2023، تراوحت النسبة حول 7.7%. وكانت المشكلة أكثر وضوحا في قطاع العقارات، حيث ارتفعت تكاليف المساكن التي يشغلها مالكوها (تشمل تكاليف الصيانة، الفوائد العقارية، وغيرها) بنسبة بلغت 17% سنويا ما رفع عبء التضخم على المواطنين.

“يعني استمرار الكرونا كعملة تعايشا مستمرا مع هذه التقلبات المالية الحادة”

يعني استمرار الكرونا كعملة تعايشا مستمرا مع هذه التقلبات الحادة، وهنا تحديدا ظهرت جاذبية الوعد بالانضمام إلى منطقة اليورو بالنسبة للمواطن العادي الذي يعاني التضخم في ريكيافيك: تكاليف اقتراض أقل وفائدة أكثر استقرارا، ونهاية لقفزات التضخم الناتجة عن تقلبات العملة. وبالنسبة للمصدرين، فإن سعر الصرف المستقر يقلل من عدم اليقين وتكاليف المخاطرة، وحتى العمال سوف يكتسبون حصانة من الانخفاض المستمر في القيمة الشرائية لأجورهم بفعل انخفاض قيمة العملة.

لكن استخدام العملة الأوروبية ليس مجرد حل إجرائي لمشكلة اقتصادية؛ بل هو قرار سياسي يصعب التراجع عنه دون تكاليف كبيرة، وما بريطانيا منا ببعيد. فالانضمام إلى اليورو دون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي خيار غير مطروح؛ والطريق إلى البنك المركزي الأوروبي يمر عبر عملية شاقة لمواءمة القوانين والسياسات والمؤسسات مع قواعد الاتحاد الأوروبي وقبول قيود تتجاوز بكثير السياسة النقدية. وبالنسبة للآيسلنديين المسكونين بهواجس السيادة، لا تزال الكرونا، على الرغم من كل تقلباتها، رمزا للقدرة على تقرير المصير رغم المخاطرة المصاحبة لهذه النزعة الاستقلالية.

A customer collects Icelandic krona banknotes from an automated teller machine (ATM) in Reykjavik, Iceland, on Wednesday, Aug. 12, 2015. Iceland's economy will grow 4.2 percent this year, the central bank estimates, almost three times the rate the European Commission says the euro zone will manage. Photographer: Arnaldur Halldorsson/Bloomberg via Getty Images
أحد العملاء بسحب أوراق نقدية من فئة الكرونا الآيسلندية من جهاز صراف آلي في ريكيافيك، آيسلندا (غيتي)

الخط الأحمر.. والمنطقة الرمادية

إذا كانت العملة “الكرونا” هي العبء اليومي الذي يتعايش معه الآيسلنديون ببقائهم خارج الاتحاد الأوروبي، فإن الأسماك هي السبب الأكثر درامية لتعثر الانضمام طويلا. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، بنت آيسلندا نظام مصايد الأسماك لديها حول مفهومين رئيسيين: آلية “إجمالي الصيد المسموح به” (TACs) ويعني الحد الأقصى للوزن (بالأطنان) المسموح بصيده خلال العام/ الموسم، و”الحصص الفردية القابلة للتحويل” (ITQs)، وتعني نسبة محددة سلفا لكل شركة أو سفينة عاملة من هذا الرقم الإجمالي.

عمليا يسير الأمر كالتالي: يقترح العلماء في معهد الأبحاث البحرية مستويات الصيد المسموح بها استنادا إلى تقييمات المخزون السمكي والتأثيرات البيئية؛ وتقسم الحكومة الحصص، بحيث تملك كل شركة أو سفينة حصة دائمة (نسبة) يمكن بيعها أو تأجيرها. في المقابل، تقوم سياسة المصايد المشتركة للاتحاد الأوروبي على فلسفة مغايرة، وهي أن الثروات البحرية في المياه الأوروبية هي مورد مشترك للدول الأعضاء وليست ملكية حصرية لدولة بعينها.

يعني ذلك أن من حق سفن أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي الصيد في مياه أي دولة عضو أخرى، طالما كان ذلك نطاق المياه الإقليمية (12 ميلا بحريا من الشاطئ). على أن تُعطى كل دولة نسبة مئوية ثابتة من إجمالي الصيد المسموح به بناء على حجم نشاط أسطولها تاريخيا في تلك المنطقة. أما الحجم الإجمالي للصيد فلا يتحدد وفق توصيات العلماء فقط، بل يخضع لضغوط ومفاوضات سياسية قد تؤدي أحيانا لرفع السقف فوق الحدود الآمنة بيئيا.

خلال محادثات انضمام آيسلندا السابقة بين عامي 2009 و2013، كان قطاع المصايد هو “الفصل الأكثر تعقيدا وتحديا” لذا تجنب الطرفان مناقشته لفترة طويلة. ومنذ أن بدأت حملة الاستفتاء الجديد، صاغ العديد من السياسيين الآيسلنديين، وعلى رأسهم وزيرة الخارجية ثورغيردور كاترين غونارسدوتير، سياسة المصايد كأمر غير قابل للتفاوض. وحذرت مؤسسات آيسلندية من أن فتح مياه البلاد أمام الأساطيل الأوروبية يعني تدميرا نهائيا لمجتمعات محلية مثل “غريندافيك” و”فيستمانايار”، حيث يشكل الصيد الهوية وسوق العمل على السواء.

Leader of Iceland's People's party and Minister of Social Affairs and Housing Inga Saeland (L) and Iceland Prime Minister Kristrun Frostadottir (C) and Iceland's Foreign Minister Thorgerdur Katrin Gunnarsdottir (R) address a press conference in Reykjavik, Iceland, on August 30, 2026.
العديد من السياسيين الآيسلنديين، وعلى رأسهم وزيرة الخارجية ثورغيردور كاترين غونارسدوتير (يمين)، اعتبروا سياسة المصايد أمرا غير قابل للتفاوض (الفرنسية)

وعلى الجانب الآخر يرى المؤيدون للاتحاد الأوروبي أن المخاوف من “فقدان الأسماك” مبالغ فيها، وأن آيسلندا يمكنها أن تتفاوض على حصة وطنية ثابتة من المخزونات الرئيسية بناء على أنماط الصيد الحالية مع الاحتفاظ بسيطرتها على نظام الحصص الفردية. لكن الخلاف الأعمق الذي علمه الطرفان في قرارة نفسيهما تمحور حول من يملك سلطة القرار النهائي.

فاليوم، يحدد البرلمان ووزارة مصايد الأسماك في آيسلندا حجم الصيد المسموح به ضمن ثقافة صاغتها ذكريات “حروب القد” وقناعة مفادها أن السيادة على الموارد البحرية كُسبت بتضحيات جسيمة لا ينبغي أن تُنسى. أما داخل الاتحاد الأوروبي، فإن أي مسؤول آيسلندي سيصبح مجرد صوت واحد ضمن أصوات كثيرة على طاولة المجلس، يساوم سنويا على الحصص في اجتماعات تحظى فيها المصالح الإسبانية والفرنسية والبولندية بوزن وتأثير ثقيلين. وبالنسبة للعديد من الناخبين في المناطق الساحلية، فإن التحول من مقعد صانع القواعد في نظام وطني إلى متلق لها في نظام أوروبي يُعد خطا أحمر.

“إذا كانت الأسماك هي الخط الأحمر لآيسلندا، فإن المنطقة الاقتصادية الأوروبية هي منطقتها الرمادية”

وإذا كانت الأسماك هي الخط الأحمر لآيسلندا، فإن المنطقة الاقتصادية الأوروبية هي منطقتها الرمادية. منذ عام 1994، شاركت آيسلندا في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي من خلال اتفاقية المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA)، إلى جانب النرويج وليختنشتاين، مما منح شركاتها ومواطنيها وصولا كاملا إلى “الحريات الأربع” للحركة التي تشمل البضائع، والخدمات، ورأس المال، والأفراد — بنفس الشروط الممنوحة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تقريبا. ومن الناحية العملية، يعني هذا أن ريكيافيك تدمج بالفعل الجزء الأكبر من الحقيبة التشريعية للسوق الداخلية للاتحاد الأوروبي.

يقدر تحليل قانوني أن نحو 75% من تشريعات السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي مدمجة بالفعل في القانون الآيسلندي عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، على الرغم من أن البلاد لا تملك حقوق تصويت في مؤسسات الاتحاد التي تصيغ تلك القوانين وتقرها. وقد أدى هذا الترتيب إلى ظهور مصطلح غير رسمي هو “ديمقراطية الفاكس”: حيث ترسل بروكسل القوانين الجديدة -مجازيا عبر الفاكس- وتقوم ريكيافيك بتنفيذها.

ترسخ هذا المصطلح في الخطاب الآيسلندي للإشارة إلى القواعد والقوانين التي تفرض على البلاد دون مشاركة فعلية في صياغتها، ما يجعل المنطقة الاقتصادية الأوروبية تبدو اندماجا فعليا في الاتحاد الأوروبي ولكن بغياب تمثيل رسمي، ودون العديد من مزايا الاندماج الكامل. هذا يجعل آيسلندا تختار فعليا بين البقاء كـ “متلق للقواعد” في السوق الموحدة، أو التحول إلى “صانع لها” داخل الاتحاد. ولكن في حين كان الانضمام للاتحاد ليمنح البلاد فعليا صوتا في القوانين الأوروبية، فإن جزءا كبيرا من سلطة التشريع نفسها سينتقل من البرلمان الآيسلندي إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

هذه هي مفارقة المنطقة الاقتصادية الأوروبية الكامنة في صلب الاستفتاء الذي أعلنت نتيجته للتو. يؤكد المؤيدون للاتحاد الأوروبي أن العضوية الكاملة ستمنح آيسلندا نوابا في البرلمان الأوروبي ومقعدا في المجلس، ومفوضا في بروكسل، وخيار اعتماد اليورو ويصوغون ذلك على أنه انتقال “من ديمقراطية الفاكس إلى القرار المشترك”. ويرد المشككون في الوحدة الأوروبية بأن الأثر الحقيقي سيكون توسيع نطاق قانون الاتحاد الأوروبي ليشمل مجالات مستبعدة حاليا مثل الزراعة، ومصايد الأسماك، مع نقل السلطة الفعلية من الناخب المحلي إلى صناع السياسات في بروكسل.

المؤيدون للاتحاد الأوروبي يرون في العضوية الكاملة انتقالًا لآيسلندا من
المؤيدون للاتحاد الأوروبي يرون في العضوية الكاملة انتقالًا لآيسلندا من “ديمقراطية الفاكس” إلى القرار المشترك (الفرنسية)

الخطر من الشمال

قبل ثلاثة عقود، كانت فكرة أن النقاش حول انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي تمر عبر نيران المدفعية المطلقة على جزيرة نرويجية نائية تبدو ضربا من خيال. في 26 أغسطس/آب الحالي دشنت أمريكا وبريطانيا والنرويج “عملية أتلانتيك سيتي” وهي مناورة ثلاثية نُشرت خلالها صواريخ “هيمارس” (HIMARS) في جزيرة “يان ماين” النرويجية النائية بهدف صناعة “شبكة قتل في القطب الشمالي”، عبر ممر “غرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة” (GIUK)، مذكرة بعودة جغرافيا المنطقة القطبية إلى قلب الصراع العالمي.

يُعد ممر جيوك (GIUK) أو ثغرة جيوك، نقطة اختناق بحرية ومضيقا إلزاميا يجب أن تعبر من خلاله غواصات وسفن الأسطول الشمالي الروسي للوصول إلى المحيط الأطلسي المفتوح انطلاقا من قواعدها في شبه جزيرة كولا. وخلال الحرب الباردة، استضافت آيسلندا محطة كيفلافيك الجوية التابعة للبحرية الأمريكية، والتي كانت مركزا لمراقبة التحركات السوفياتية؛ وقد أُغلقت القاعدة في عام 2006، رغم أن اتفاقية الدفاع المشترك بين آيسلندا والولايات المتحدة لعام 1951 ظلت سارية المفعول.

اقرأ أيضا: “لن نعطيهم ما طلبوه”.. كارني يرفض الخضوع ويعيد تعريف العلاقة مع أمريكا | سياسة

ومنذ عام 2008، دأب حلف شمال الأطلسي على نشر طائرات مقاتلة وطائرات دورية بشكل روتيني في كيفلافيك في إطار المهام الشرطية الجوية لحلف الناتو في المنطقة القطبية، وفي السنوات الأخيرة، استأنفت أسراب طائرات “بي-8 بوسيدون” الأمريكية عمليات الانتشار والمداورة المتكررة.

FILE PHOTO: A Swedish ground crew member watches as a JAS 39 Gripen approaches on the tarmac at the air base in Keflavik, Iceland, March 3, 2026. REUTERS/Tom Little/File Photo
مقاتلة سويدية في قاعدة كيفلافيك الجوية، حيث تستضيف آيسلندا مهام الشرطة الجوية للناتو في ظل تصاعد الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي (رويترز)

وقد وصف تقرير صادر عن الجمعية البرلمانية لحلف الناتو عام 2019 آيسلندا بأنها “القاعدة المتقدمة للحلف في شمال المحيط الأطلسي”، مشيرا إلى خطورة النشاط الروسي في المنطقة. ويذهب ملف تعريفي أحدث صادر عن منظمة بولاريس الأمريكية إلى أبعد من ذلك، واصفا كيفلافيك بأنها “المنشأة الأكثر أهمية وتأثيرا للناتو في شمال المحيط الأطلسي”، ومؤكدا أن جميع الغواصات الروسية الساعية للوصول إلى الأطلسي لا تزال مضطرة لعبور ممر (GIUK).

“تصف تقارير عسكرية كيفلافيك بأنها المنشأة الأكثر أهمية وتأثيرا للناتو في شمال المحيط الأطلسي”

يحدث هذا كله في وقت لا تمتلك فيه آيسلندا جيشا نظاميا عاملا، فيما يرتكز أمنها على ثلاثة أركان: عضوية الناتو، واتفاقية الدفاع الثنائية مع واشنطن، والاستقرار الأوسع لنظام الحوكمة في القطب الشمالي عبر مجلس القطب الشمالي. وقد تعرضت هذه البنية الأمنية لضغوط من اتجاهات متعددة: بداية من حرب روسيا في أوكرانيا، وزيادة النشاط العسكري في أقصى الشمال، وتنامي الاهتمام الصيني بطرق الملاحة في المنطقة القطبية. وقد أثارت الاستثمارات المرتبطة بالصين في البنية التحتية الآيسلندية مثل مشاريع الموانئ، ومراكز البيانات قلقا داخل الناتو من تغلغل صيني محتمل في بلد حيوي للأمن الغربي.

ثم جاء دونالد ترمب ليهز أركان العلاقات القطبية من خلال الإعلان عن رغبته في شراء غرينلاند أو الاستيلاء عليها بالقوة، بخلاف تراجع الالتزامات الأمريكية بالأمن الأوروبي عموما. وفي واقعة تردد صداها بقوة في وسائل الإعلام الآيسلندية، أفادت التقارير بأن المرشح لمنصب السفير الأمريكي في ريكيافيك، بيلي لونغ، اقترح “مازحا” خلال تجميع في يناير/كانون الثاني 2026 أن تنظر آيسلندا في إمكانية أن تصبح “الولاية الأمريكية رقم 52″، وهي هفوة غذت المخاوف من التعامل مع البلاد كأصل إستراتيجي أكثر من كونها حليفا.

على هذه الخلفية، رأى بعض الخبراء الآيسلنديين في توثيق العلاقات المؤسسية مع أوروبا وسيلة للتحوط، ضد المخاطر الروسية والضغوط الأمريكية المحتملة كليهما. وقد جادل مقال نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حول دور آيسلندا في الأمن الأوروبي العام الماضي بأنه في حين يظل الناتو والولايات المتحدة لا غنى عنهما للأمن الآيسلندي، فإن عضوية الاتحاد الأوروبي يمكن أن تكمل تلك المنظومة من خلال تثبيت مكانة البلاد بشكل أوثق داخل مجتمع أمني أوروبي يتحمل مسؤولية أكبر في القطب الشمالي وشمال الأطلسي.

لكن فريقا آخر يشعر بالقلق من أن إدخال التزامات أمنية على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى شبكة التزامات آيسلندا الكثيفة بالفعل تجاه الناتو من شأنه أن يزيد من تعقيد موقفها ويجرها إلى احتكاكات مع روسيا أو الصين ويخرجها من منطقة الراحة النسبية الحالية. وبعبارة أخرى، فإن الأمن يُعد سلاحا ذا حدين في نقاش الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي: فهو يعزز الحجة الداعية إلى مزيد من الرسوخ والارتباط الأوروبي، بينما يزيد في الوقت نفسه من المخاوف بشأن إثارة الخصوم.

جائزة بروكسل المفقودة

من منظور بروكسل، لم تكن آيسلندا مجرد عضو محتمل بل جائزة قيّمة. يُعد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الدولة الشمالية الصغيرة من بين الأعلى في أوروبا، ما يجعل ريكيافيك مساهما صافيا محتملا في ميزانية الاتحاد الأوروبي، تماما مثل جيرانها في بلدان الشمال الغنية. وقد تبنت البلاد بالفعل معظم قواعد السوق الأوروبية عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وهي عضو في اتفاقية شنغن، وتتوافق مع مواقف الاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية، وتسهم بشكل جوهري في أهداف المناخ والطاقة الأوروبية، والأهم من ذلك كله، أنها تقع في القطب الشمالي الحيوي للغاية للأمن الأوروبي.

لا عجب إذن أن دعت ورقة السياسات الصادرة عن الخدمة البحثية للبرلمان الأوروبي في وقت سابق من العام الحالي إلى الترحيب صراحة بالاستفتاء على استئناف مفاوضات انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي”، وحثت المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد على الانخراط الاستباقي مع ريكيافيك أمنيا. ودعت الوثيقة نفسها إلى استكشاف “التوسع المستقبلي المحتمل للاتحاد” ليشمل النرويج وغرينلاند، مما يعكس طموحا أوسع لمنح بروكسل موطئ قدم مؤسسي أقوى في أقصى الشمال.

“من المؤكد أن انضمام آيسلندا للاتحاد الأوروبي كان ليحقق مزايا عديدة”

من المؤكد أن انضمام آيسلندا للاتحاد الأوروبي كان ليحقق مزايا عديدة. إذ سيُظهر ذلك أن الاتحاد لا يزال قادرا على جذب ودمج الدول الثرية والمتقدمة للغاية، مما يدحض الروايات التي ترى أن التوسع بات يقتصر أساسا على الدول الأفقر أو الهشة جيوسياسيا. كما سيوسع نطاق الولاية القضائية للاتحاد الأوروبي إلى مساحات واسعة من مياه شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، مما يعزز دوره في إدارة مصايد الأسماك، وحماية الكابلات الممتدة تحت سطح البحر، ومسارات الشحن المستقبلية المحتملة. وسيبعث أيضا برسالة إلى النرويج -التي ظلت لفترة طويلة ممتنعة ومكتفية بعضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية- بأن هناك مسارا عمليا وغير مكلف للانتقال من “ديمقراطية الفاكس” إلى العضوية الكاملة بالنسبة لدول الشمال الأوروبي المتوجسة.

ولكن في الوقت ذاته، أدركت بروكسل تماما المخاطر والمحاذير الكامنة في هذا المسار. أحد الدروس المستفادة من محادثات 2009–2013 هو أن الضغط المفرط بشأن المسائل الحساسة، ولا سيما مصايد الأسماك، يثير ردود فعل عكسية بشأن مسائل السيادة. والدرس الآخر هو أن “إرهاق التوسع” بين الأعضاء الحاليين المستنزفين بالفعل وسط احتمالات قبول انضمام أوكرانيا ومولدوفا ودول أخرى قد يجعل بعض العواصم حذرة من فتح مسار انضمام شمالي منفصل يستهلك حيزا من الجهد والاهتمام السياسي من أجل آيسلندا وحدها.

استفتاء على الحافة

على الرغم من كل تلك القضايا الكبرى الكامنة في خلفيته، تمحور استفتاء آيسلندا في نهاية المطاف حول مخاوف الحياة اليومية: مدفوعات الرهن العقاري، وحصص الأسماك، وأسعار المواد الغذائية، والخوف من التهميش في عالم تحكمه التكتلات.

كانت الاستطلاعات متقاربة للغاية، وقدمت الحملات الانتخابية روايات متباينة تماما حول مفهوم السيادة. جادل المؤيدون للاتحاد الأوروبي في المدن ووسط الناخبين الأصغر سنا أنه في قارة يكسوها الشك بشأن الالتزامات الأمريكية، والمخاوف من التغول الروسي، والتغيرات المناخية في القطب الشمالي، فإن الدول الصغيرة تكون أكثر أمانا في كنف تحالفات كبرى.

وفي المقابل جادل المعارضون أن آيسلندا اجتازت الأزمات سابقا بشروطها الخاصة، وأن عضوية الاتحاد الأوروبي ستفتح الباب أمام الأساطيل الأجنبية، وبيروقراطية بروكسل. أما في البلدات الساحلية مثل “غريندافيك” و”فيستمانايار”، ظلت ذكريات حروب القد مهيمنة، والشحن العاطفي غالبا. هناك كانت الموافقة تعني تسليم مكتسباتهم طوعا إلى أوروبا، وهو تصرف يرقى إلى الخيانة.

في يوم الاستفتاء ظهرت الانقسامات المتوقعة تماما: الريف مقابل الحضر، وكبار السن مقابل الشباب، والمجتمعات المعتمدة على الصيد مقابل العاصمة ريكيافيك المعتمدة على قطاع الخدمات. ورغم أن النتيجة النهائية حسمت الكفة لصالح الرافضين بنسبة 52.8% مقابل 47.2% فإن ذلك لم يحسم المسألة بقدر ما أجلها، حيث يستمر الرأي العام منقسما وتستمر أسباب الخلاف على حالها دون تغيير.

أما في غريندافيك”، حيث بدأنا هذا التقرير، فلا تزال السفن تمارس نشاطها، بينما يراقب الملاحون حركة الأمواج وتقارير النشاط الزلزالي. ولا يزال ممر الحمم البركانية الذي أخلى المدينة من سكانها عام 2023 موجودا، مذكرا بأن حتى أكثر الأسس صلابة يمكن أن تتزحزح وتنهار تحت الأقدام.

لقد اختارت آيسلندا البقاء في الموضع الذي مكثت فيه لأكثر من ثلاثة عقود: قدم في أوروبا وقدم خارجها، مقيدة بالقانون والتجارة مع القارة، لكنها عازمة على إبقاء أهم أدوات سيادتها دون نظرها وتحت قبضتها. لقد أجاب الاستفتاء على سؤال إجرائي بـ “لا” بهامش ضئيل، لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه لن يُغلق بهذه السهولة: هل يُدافع عن الاستقلال بشكل أفضل من ميناء صيد على حافة الحمم البركانية؟ أم من مقعد على الطاولة في بروكسل؟

اقرأ أيضا: صلاح يقود طرابزون أمام أميد في الدوري التركي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً