تدخل أسواق السندات الحكومية العالمية مرحلة جديدة من التقلب، مع صعود العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها اقتصادات كبرى منذ سنوات أو حتى عقود، في تطور تتجاوز آثاره المستثمرين في أسواق الدين، لتمتد إلى تكلفة اقتراض الحكومات والشركات والأفراد، وتضيف ضغوطا محتملة على التضخم والموازنات العامة، لا سيما الاقتصادات الأكثر اعتمادا على التمويل الخارجي.
اقرأ أيضا: قائمة منتخب الشباب لبطولة إفريقيا لكرة اليد
- وبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، في حين وصل عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.74%.
ولم تقتصر موجة ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة، إذ أفادت وكالة رويترز بأن:
- عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات صعد إلى 2.93%، مسجلا أعلى مستوى في 30 عاما، قبل أن يتراجع قليلا.
وفي أوروبا:
- تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 4%، وهو الأعلى منذ 17 عاما.
- بينما بلغ عائد السندات الألمانية المماثلة -الذي يمثل مرجعا رئيسيا لمنطقة اليورو- 3.26%، مسجلا أعلى مستوى منذ مايو/أيار 2011.
- في المملكة المتحدة، اقتربت تكاليف الاقتراض لأجل 30 عاما من الذروة المسجلة في مايو/أيار 2026، عند مستويات تعد الأعلى منذ عام 1998.
وتطرح هذه التحركات سؤالا يتجاوز أسباب اضطراب أسواق الدين العالمية إلى التداعيات التي يمكن أن تتركها العوائد المرتفعة على تكلفة التمويل والتضخم، وكيف يمكن أن تنتقل آثارها إلى الدول العربية التي تدخل هذه المرحلة بأوضاع مالية متباينة، بين اقتصادات تعتمد على الاقتراض الخارجي وأخرى تمتلك فوائض مالية واستثمارات كبيرة في أدوات الدخل الثابت، مثل السندات الحكومية وسندات الشركات وأذون الخزانة.
أزمة ثقة
تقف وراء ارتفاع العوائد مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها المخاوف المتزايدة بشأن أوضاع المالية العامة في الاقتصادات الكبرى، وارتفاع مستويات الدين والعجز، بالتزامن مع حاجة الحكومات إلى إصدار مزيد من السندات لتمويل إنفاقها.

ويرى كبير الاقتصاديين في الأسواق لدى “كابيتال إيكونوميكس”، جوناس غولترمان، أن ارتفاع العوائد يشير إلى أن المستثمرين بدؤوا يفقدون صبرهم تجاه السياسات المالية التي تستنزف الموارد.
وقال -في مذكرة بحثية نقلتها رويترز- إن ذلك ليس مفاجئا في ظل الإشكالات التي تواجه آفاق المالية العامة في عدد من الاقتصادات الكبرى، مقابل إظهار السياسيين رغبة محدودة في إجراء إصلاحات لمعالجتها.
ويضع الكاتب الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي التحركات الأخيرة في إطار أوسع، موضحا أن أسواق السندات الدولية، شأنها شأن بقية مكونات الأسواق المالية، شديدة التأثر بالتطورات السياسية والاقتصادية، وأن أسواق الأسهم والسندات تحديدا تظهر حساسية مرتفعة للأحداث والتحولات الكبرى.
ويقول الصاوي -في حديثه للجزيرة نت- إن الفترة الماضية شهدت اضطرابا في أسواق السندات الدولية بفعل حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط والسياسات الأمريكية الداخلية والخارجية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تفرضه من تداعيات على المنطقة وأسواق الطاقة.
منافسة تمويلية
ولا تأتي الضغوط على أسواق الدين الحكومية من الحكومات وحدها، إذ أضافت موجة جديدة من إصدارات الشركات عاملا آخر إلى المنافسة على رؤوس الأموال العالمية.
وتبرز شركات التكنولوجيا العاملة بمجال الذكاء الاصطناعي بين المقترضين الجدد، مع اتجاهها إلى إصدار الديون لتمويل الاستثمارات الضخمة المطلوبة لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتضع هذه الإصدارات سندات الشركات في منافسة مباشرة مع السندات الحكومية على الأموال نفسها. ومع زيادة المعروض من أدوات الدين المتاحة أمام المستثمرين، يمكن أن يتراجع الطلب النسبي على السندات الحكومية، فتنخفض أسعارها وترتفع عوائدها.
ووفق تقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية يرى الرئيس التنفيذي لمجموعة “دي فير”، نايجل غرين أن وجود مقترضين اثنين في حاجة كبيرة إلى التمويل داخل السوق نفسها يؤدي إلى ارتفاع سعر الحصول على الأموال.
ويفسَّر ذلك بظهور الشركات العملاقة بوصفها مقترضا كبيرا يحتاج إلى تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في وقت تحتاج فيه الحكومات إلى المجموعة نفسها من المستثمرين لتمويل احتياجاتها، مما يزيد المنافسة على السيولة ويرفع تكلفة الاقتراض.
قروض أغلى للأفراد والأسر
ولا تبقى عوائد السندات المرتفعة داخل أسواق المال، إذ تتحول إلى معدلات مرجعية يسترشد بها في تسعير أنواع مختلفة من القروض والتمويل، لتنتقل آثارها إلى تكلفة الائتمان في الاقتصاد الحقيقي.
وبحسب تحليل نشرته “سي إن إن” تسهم عوائد السندات في تحديد أسعار الفائدة التي يدفعها الأفراد على أنواع مختلفة من القروض. ففي الولايات المتحدة، يرتبط عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بتسعير قروض الرهن العقاري وقروض السيارات وتمويل الشركات.

ومن ثم، يمكن أن يدفع الارتفاع الحاد في العوائد تكاليف الرهن العقاري والائتمان إلى مستويات أعلى، بما يزيد الأعباء المالية على الأسر ويرفع تكلفة السكن والاقتراض.
ولا تتوقف الحلقة عند الأفراد، إذ إن ارتفاع تكلفة التمويل بالنسبة إلى الشركات قد يدفعها إلى تأجيل الاستثمارات أو تمرير جزء من الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، بينما تواجه الحكومات بدورها تكلفة أكبر عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة.
عدوى الأسواق
ويرى الصاوي أن الاضطراب الذي شهدته السوق الأمريكية انتقلت آثاره إلى بقية الأسواق العالمية، التي تحركت صعودا وهبوطا سواء قبل القرارات الأمريكية أو بعد قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي استئناف شراء سندات الخزانة.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن هذه التطورات تزامنت أيضا مع تراجع قيمة الدولار، مما انعكس على قيمة السندات في السوق الدولية، وإن ظل التأثير محدودا.
ويشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي يواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالتضخم والمديونية وتراجع قيمة الدولار، مما وضع السندات الموجودة في حوزة المستثمرين، سواء الأمريكية أو الأدوات الأخرى المتأثرة بها، أمام مراجعة مستمرة من مالكيها سعيا للحفاظ على قيمة وقوة المحافظ الاستثمارية التي تضم هذه الأصول.
ومع ذلك، لا تدل المؤشرات حتى الآن على تحول التقلبات إلى أزمة ثقة شاملة في الدين الأمريكي.
فبحسب رويترز، لم تؤد تداعيات ارتفاع العوائد حتى الآن إلى خفض التصنيف الائتماني للديون الأمريكية، كما لم ترتفع معدلات التعادل، وهي أحد المؤشرات المستخرجة من سوق السندات لقياس توقعات المستثمرين للتضخم مستقبلا، ولم تقفز تكلفة التأمين ضد التخلف عن السداد الفدرالي بصورة حادة.
وتفسَر هذه المؤشرات بأن غالبية المستثمرين ما زالوا ينظرون إلى سندات الخزانة الأمريكية باعتبارها استثمارا منخفض المخاطر إلى حد كبير، حتى مع مطالبتهم بعوائد أعلى للاحتفاظ بها.
لكن احتمال نشوء أزمة أكثر حدة مستقبلا أصبح أكثر واقعية، بعدما وضعت تطورات الأسابيع الأخيرة قضية الدين والعجز الفدرالي الأمريكي ضمن سياق عالمي أوسع، يتسم بارتفاع أسعار الفائدة واشتداد المنافسة على التمويل، بالتزامن مع تحديات جيوسياسية وديمغرافية تواجه اقتصادات أخرى.

فائدة مرتفعة على الاقتصادات الناشئة
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر بالنسبة إلى الأسواق الناشئة التي تواجه عادة تكلفة تمويل أعلى ومخاطر أكبر مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
فاستمرار الغموض المرتبط بالتجارة والسياسة الخارجية والنقدية الأمريكية يمثل مصدرا لتقلب أصول الأسواق الناشئة، في حين يمكن أن تؤدي الاضطرابات المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو إلى إضعاف النمو وزيادة الضغوط التضخمية، بما يرفع احتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية أو إبقاء أسعار الفائدة العالمية مرتفعة لفترة أطول.
وتتعرض الاقتصادات الناشئة لضغوط إضافية عندما ترتفع أسعار الفائدة، إذ يواجه عديد منها بالفعل اختلالات اقتصادية ومالية قبل أن تضاف إليها تكلفة تمويل أعلى.
كما يمكن للفائدة المرتفعة أن تغير سلوك المستثمرين داخل هذه الاقتصادات، عبر دفع جزء من الأموال من أسواق الأسهم والاستثمارات الأعلى مخاطرة إلى الودائع والأدوات ذات العائد المرتفع والمخاطر الأقل، مما يزيد الضغوط على أسواق رأس المال والقطاع الخاص.
ضغوط تضخمية
وتمتد آثار ارتفاع عوائد السندات إلى التضخم عبر عدة قنوات، في مقدمتها ارتفاع تكلفة التمويل للحكومات والشركات والأفراد.
ويوضح الصاوي أن تحركات السندات الدولية تعد مؤشرا مهما لأسعار الفائدة على القروض التي تحصل عليها الدول، وكذلك للفائدة التي تحددها الأجهزة المصرفية في اقتصادات العالم، مشيرا إلى أن تأثير سوق السندات في تكلفة التمويل يجعل التضخم إحدى النتائج المحتملة لارتفاع العوائد.
فكلما زادت تكلفة اقتراض الشركات ارتفعت تكلفة تمويل الاستثمار ورأس المال العامل، ويمكن أن تنتقل أجزاء من هذه الزيادة تدريجيا إلى أسعار المنتجات والخدمات، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة خدمة الدين الحكومي إلى تضييق المساحة المالية المتاحة أمام الحكومات.
ويضيف الصاوي أن التضخم العالمي تأثر بدرجة كبيرة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية يوم 28 فبراير/شباط 2026، بعدما كانت الاقتصادات العالمية تأمل دخول مرحلة من هدوء الضغوط السعرية، لا سيما بعد وصول التضخم في الولايات المتحدة إلى 2.8%.
ويرى أن الحرب أربكت السياسات الاقتصادية وأعادت جهود مكافحة التضخم إلى “المربع صفر” في عديد من اقتصادات العالم، ومن بينها الولايات المتحدة والدول المتقدمة.

الموازنات العربية
وتنتقل تداعيات ارتفاع عوائد السندات العالمية إلى الدول العربية بدرجات متفاوتة، وفقا لهيكل المالية العامة لكل دولة، وحجم ديونها واحتياجاتها التمويلية، ومدى اعتمادها على أسواق الدين الدولية.
اقرأ أيضا: “أوعدنا ونفذنا”.. بن غفير يحوّل تجويع الأسرى إلى دعاية بالذكاء الاصطناعي | أخبار
وتبرز المخاطر بصورة أكبر لدى الدول التي تعاني فجوات تمويلية وتعتمد على الاقتراض من مصادر متعددة، بينها إصدار السندات الدولية، إذ يعني ارتفاع العوائد العالمية أن أي اقتراض جديد أو إعادة تمويل لديون قائمة قد يجري بشروط أعلى تكلفة.
ويوضح الصاوي أن أثر ارتفاع العوائد على الاقتصادات العربية يظهر في صورتين مختلفتين:
1- الدول الأكثر اعتمادا على التمويل الخارجي.
يقول الصاوي هنا إن هذه الدول ستواجه مزيدا من الضغوط على موازناتها العامة نتيجة ارتفاع تكلفة المديونية، وهو ما يمكن أن يؤثر في قدرة الحكومات على تمويل الخدمات المختلفة التي تقدمها للمواطنين.
ويضيف أن الجهاز المصرفي في هذه الاقتصادات قد يتجه بدوره إلى رفع أسعار الفائدة، بما ينقل جزءا من العبء إلى القطاع الخاص الذي يعتمد على التمويل المصرفي، ويرفع تكلفة الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وتنشأ بذلك حلقة ضغط مزدوجة -حسب الصاوي- إذ تدفع الحكومة فوائد أعلى على ديونها، في حين تواجه الشركات والأفراد تمويلا أعلى تكلفة، بما يمكن أن يضغط على النمو ويرفع تكلفة السلع والخدمات في الوقت نفسه.
2- الدول العربية صاحبة الفوائض المالية
وعلى الجانب الآخر، تختلف الصورة بالنسبة إلى الدول العربية صاحبة الفوائض المالية والأصول الخارجية الكبيرة.
ويضع الصاوي دول الخليج إلى جانب العراق والجزائر وليبيا ضمن هذه الفئة، مشيرا إلى أن هذه الدول، بحكم امتلاكها فوائض مالية وأصولا واستثمارات خارجية، يمكن أن تستفيد بدرجات متفاوتة من ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد العالمية، وفقا لطبيعة وتوزيع استثمارات كل دولة.
ويوضح أن ارتفاع عوائد السندات يمكن أن يرفع العائد على الأموال المستثمرة عبر الأجهزة المصرفية أو صناديق الاستثمار التي تعتمد على شراء السندات، كما قد يزيد الفائدة على الودائع المملوكة للحكومات أو الصناديق السيادية.
وقد يوفر ذلك إيرادات استثمارية إضافية للدول التي تمتلك محافظ كبيرة من أدوات الدخل الثابت، مقابل ارتفاع تكلفة التمويل على الاقتصادات التي تلجأ إلى الأسواق الدولية للاقتراض.

معادلة مزدوجة
ورغم استفادة الدول صاحبة الفوائض من ارتفاع عوائد بعض استثماراتها في السندات، فإن حرب إيران أوجدت -حسب الصاوي- تحديا آخر لهذه الاقتصادات، بعدما أدت إلى مشكلات في حركة النفط واضطرابات واسعة في الإمدادات وسلاسل التوريد.
ورغم أن هذه الدول تعد من كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي، فإن تراجع كميات التصدير أدى إلى انخفاض العائدات النفطية، مما يقلص جزءا من المكاسب التي يمكن أن تحققها من استثماراتها المالية.
ويقول الصاوي إن تراجع الإيرادات النفطية وضع الدول صاحبة الفوائض المالية أمام معادلة مزدوجة، فمن جهة تستفيد من السندات التي تمتلكها عندما ترتفع العوائد عليها، بما يعزز دخل محافظها الاستثمارية، ومن جهة أخرى تواجه صعوبة في تصدير الطاقة، بما يضغط على مواردها التقليدية.
وهكذا تختلف تداعيات موجة ارتفاع عوائد السندات على الاقتصادات العربية باختلاف أوضاعها المالية واحتياجاتها التمويلية، إذ تتوزع الضغوط والمكاسب وفقا لموقع كل دولة بين الاقتراض من الأسواق واستثمار فوائضها المالية.
فالدول ذات الاحتياجات التمويلية الكبيرة تواجه خطر ارتفاع فاتورة خدمة الدين وضيق المساحة المتاحة في الموازنة للإنفاق العام، بينما تستطيع الدول صاحبة الأصول المالية والفوائض تحقيق عوائد أعلى على جانب من استثماراتها.
غير أن استمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة، بالتزامن مع اضطرابات الطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية، يجعل المعادلة أكثر تعقيدا، إذ يمكن أن تتحول زيادة العوائد من تطور مالي داخل أسواق السندات إلى عامل مؤثر في تكلفة التمويل والتضخم والنمو.
اقرأ أيضا: الاستخبارات الروسية: الأوروبيون يخططون لزعزعة الانتخابات في روسيا