Published On 30/8/2026
اقرأ أيضا: إزالة 9 حالات تعدٍّ على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة بالإسماعيلية
|
آخر تحديث: 21:52 (توقيت مكة)
في مفارقة جيوسياسية لافتة، وبينما تقف دول عديدة في طوابير الانتظار منذ عقود أملا في الحصول على مقعد داخل النادي الأوروبي، اختار الآيسلنديون مجددا إغلاق الباب في وجه بروكسل.
فقد أظهرت النتائج النهائية للاستفتاء الشعبي الذي أُجري، اليوم الأحد، رفض الناخبين في آيسلندا استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تمثل انتكاسة لطموحات التكتل التوسعية في منطقة القطب الشمالي الإستراتيجية.
وأعلنت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير، التي تقود ائتلافا منتميا ليسار الوسط، التزامها بنتيجة التصويت، مؤكدة في مؤتمر صحفي أن “هذه الحكومة لن تستأنف مفاوضات الانضمام خلال ولايتها الممتدة حتى عام 2028” واصفة الرفض بأنه “نصر للديمقراطية” وليس انتكاسة.

“السمك” يغلب “اليورو”
تركزت النقاشات الداخلية في آيسلندا حول ثنائية “السيادة الوطنية والاقتصاد” وبرزت السيطرة على الثروة السمكية كقضية محورية للناخبين في البلاد، إذ يُعد قطاع الصيد ركيزة أساسية للاقتصاد والهوية.
ووفقاً لقواعد الاتحاد الأوروبي، يتم تحديد حصص الصيد بناءً على أنماط تاريخية، وهو ما يعني نظريا فقدان ريكيافيك سيطرتها الحصرية على مياهها، وهو ما دفع 90% من شركات الصيد الآيسلندية إلى معارضة الانضمام بشدة، رافضة وعود بروكسل بتقديم “مرونة” في هذا الملف.
وترتبط آيسلندا في شكل وثيق بالاتحاد الأوروبي من خلال انتمائها إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية وإلى فضاء شنغن، ولن يتغير هذا الواقع أيا كانت النتيجة، مما يقلل من الحاجة الملحة للعضوية الكاملة التي تتطلب التنازل عن صلاحيات تشريعية وسيادية لصالح بروكسل.
وعلى الرغم من أن مؤيدي الانضمام جادلوا بأن تبني “اليورو” سينقذ البلاد من التضخم المرتفع وأسعار الفائدة المرتفعة والتي تبلغ 8% في آيسلندا مقارنة بـ 2.25% بالمركزي الأوروبي، إلا أن المعارضة رأت أن الاختلالات الهيكلية يجب أن تُعالج محليا، كما عبّرت زعيمة حملة “لا” غودرون هافشتيندوتير “هذه مشكلات يتعين على السياسيين الآيسلنديين حلها، لا بروكسل”.

مفاوضات لأكثر من عقد
وتقدمت هذه الجزيرة الغنية، البالغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة، بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2009، عقب الأزمة المالية التي أطاحت باقتصادها، لكن المفاوضات جُمّدت عام 2013 مع وصول حكومة مشككة بالتكتل.
ودُعي نحو 273 ألف ناخب، أمس، للإجابة عن السؤال التالي “هل ينبغي لآيسلندا إعادة إطلاق مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟”.
وبلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء 82.5%، وهي الأعلى منذ الانتخابات التشريعية عام 2009 في خضمّ الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، مما يعكس الأهمية التي يوليها الآيسلنديون لهذه المسألة.
وتركزت الحملة بشكل أساسي على القضايا الاقتصادية والداخلية، رغم أن الحرب في أوكرانيا وطموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في غرينلاند المجاورة، التي خلط مرارا بينها وبين آيسلندا، أضفت على الاقتراع بعدا جيوسياسيا.
ومع أن لهذا الاستفتاء قيمة استشارية فحسب رسميا، تعهدت الحكومة الائتلافية بالالتزام بنتيجته.

صدمة بروكسل وارتياح اليمين المتطرف
كانت بروكسل تمني نفسها بضم هذه الجزيرة الغنية لتعزيز مكانتها الإستراتيجية، خاصة في وقت يتصدر فيه “أمن القطب الشمالي” الاهتمام العالمي، في ظل الحرب بأوكرانيا، وتصريحات الرئيس الأمريكي في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند المجاورة.
اقرأ أيضا: مجلس أمناء جامعة كفر الشيخ الأهلية يعلن خريطة المرحلة المقبلة: توسع أكاديمي وبرامج تواكب سوق العمل
كما أن نتيجة إيجابية للاستفتاء كانت ستساهم أيضا في إحياء النقاش في النرويج الغنية والعضو بالمنطقة الاقتصادية الأوروبية، والتي لا تزال مترددة في الانضمام إلى التكتل.
وصرحت مفوضة توسيع الاتحاد مارتا كوس، قبل الاستفتاء، بأن الاتحاد مستعد لتقديم “حلول مبتكرة” لمراعاة خصوصيات آيسلندا، إلا أن النتيجة جاءت مخيبة لآمال بروكسل التي لم تنضم إليها أي دولة غنية جديدة منذ عام 1995.
وفي المقابل، سارع قادة اليمين المتطرف في أوروبا، مثل نايجل فاراج في بريطانيا ومارين لوبان في فرنسا، للإشادة بالتصويت باعتباره انتصارا لاستقلال الشعوب وتوجيها لرسالة قوية ضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
مفارقة التوسعة.. زهد آيسلندي ولهفة البلقان
يسلط القرار الآيسلندي الضوء على مفارقة عميقة في جاذبية الاتحاد الأوروبي، حيث تنقسم القارة إلى معسكرين: دول ترفض الانضمام مثل آيسلندا، والنرويج التي رفضت العضوية في استفتاءين سابقين عامي 1972 و1994 للحفاظ على سيطرتها على قطاعي النفط والصيد، ومكتفية بالمنطقة الاقتصادية، إضافة إلى سويسرا التي سحبت رسميا عام 2016 طلب انضمام كانت قد قدمته في التسعينيات، مفضلة الاعتماد على اتفاقيات ثنائية معقدة لضمان حيادها وسيادتها.
وتفضل هذه الدول الغنية الاكتفاء بالاتفاقيات التجارية الثنائية للحفاظ على ثرواتها كالنفط والأسماك وحيادها السياسي.
وعلى النقيض، تسعى دول غرب البلقان مثل صربيا، والجبل الأسود، ومقدونيا الشمالية، وألبانيا، والبوسنة منذ مطلع الألفية للانضمام هربا من الفقر والصراعات، وتنتظر وعود بروكسل المتعثرة.
ناهيك عن أوكرانيا ومولدوفا اللتين تدفعان بقوة لتسريع مفاوضات العضوية هربا من التهديدات الأمنية وتداعيات الحرب، فضلا عن تركيا التي تقدمت بطلب الانضمام عام 1987، وحصلت على صفة مرشح عام 1999، لكن مفاوضاتها شبه مجمدة.
وبالنسبة لآيسلندا وجاراتها الإسكندنافية، يبدو الاتحاد الأوروبي عبئا تنظيميا يهدد ثرواتهم الوطنية، بينما يمثل لدول البلقان وشرق أوروبا “طوق النجاة” الاقتصادي والأمني الوحيد، مما يضع بروكسل أمام تحد وجودي في تسويق جاذبية نموذجها التكاملي.
اقرأ أيضا: المهندسة صاحبة واقعة «الماجستير» بعد تصريحات كامل الوزير: ممتنة لدعمه وفخورة بالمشاركة