كشفت الفيضانات التي ضربت مناطق في نيبال خلال الأيام الأخيرة عن حجم المخاطر التي تواجهها منطقة الهيمالايا، في ظل طبيعة جغرافية شديدة التعقيد وتغيرات مناخية تزيد من احتمالات وقوع كوارث مائية متتالية.
اقرأ أيضا: بمشاركة الأزهر الشريف.. أسوان تشهد فعاليات اليوم العالمي لسرد القرآن الكريم كاملاً وختمه
ورغم أن كلمة «فيضان» تبدو كافية لوصف المشهد للوهلة الأولى، فإن الواقع أكثر اختلافا؛ حيث تختلف الفيضانات في أسبابها وطبيعتها وسرعة حدوثها وحجم الأضرار التي تخلفها، وهو ما يجعل التمييز بين الفيضان التقليدي وفيضان البحيرات الجليدية أمرًا بالغ الأهمية، وذلك وفقا لموقع “تايمز أوف انديا”.
ووفقًا لآخر التحديثات الواردة من نيبال، ارتفع عدد الوفيات إلى ما لا يقل عن 600 شخص، بينما لا يزال أكثر من 2500 شخص في عداد المفقودين، في حين تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ الآلاف.
وتواجه عمليات الإنقاذ صعوبات كبيرة بسبب استمرار سوء الأحوال الجوية، الذي يعرقل حركة طائرات الهليكوبتر ويصعب الوصول إلى المناطق المتضررة.
ولا تقتصر المخاطر التي تواجهها نيبال على ارتفاع منسوب الأنهار، وإنما تمتد إلى الانهيارات الأرضية، وتكون بحيرات جديدة خلال فترة قصيرة، وانسداد مجاري الأنهار أو تغير مساراتها بصورة مفاجئة نتيجة تراكم الصخور والحطام.
اقرأ أيضًا | كارثة تضرب نيبال والتبت.. أكثر من 750 قتيلاً وآلاف المفقودين وسط مخاوف من فيضانات جديدة
ماذا حدث في 26 أغسطس؟
يمثل الحدث الذي وقع في 26 أغسطس على طول نهر ليبالية الصينية مثالا واضحا على تعقيد هذه الكوارث.
ففي البداية بدا أن ما حدث مرتبط بفيضان ناتج عن انفجار بحيرة جليدية، أو ما يعرف بـ«GLOF»، لكن مع دراسة تفاصيل الواقعة، توصل العلماء إلى أن السبب الفعلي كان أكثر تعقيدا.
فقد انهار جزء من نهر جليدي مصحوبا بالصخور، ما أدى إلى حدوث انهيار جليدي عنيف، ثم اندفعت الكتلة المنهارة إلى النهر، لتدفع أمامها كميات هائلة من المياه والطمي والجليد والحطام باتجاه المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر.
وتكشف هذه الواقعة عن حقيقة مهمة، وهي أن وصف جميع الأحداث المائية بأنها «فيضانات» فقط قد يخفي طبيعة الخطر الحقيقية، خاصة في المناطق الجبلية.
فما الفرق بين الفيضان التقليدي وفيضان البحيرات الجليدية؟ وما الذي يجعل الأخير أكثر خطورة في بعض الحالات؟
هناك 5 اختلافات رئيسية تساعد على فهم طبيعة كل منهما.
1- مصدر المياه.. البداية تحدد طبيعة الفيضان
يحدث الفيضان التقليدي، سواء كان فيضان أنهار أو بحيرات أو حتى فيضانات تضرب المدن والشوارع، عندما تتراكم مياه الأمطار أو ذوبان الثلوج أو مياه العواصف بمعدل يتجاوز قدرة الأنهار أو شبكات تصريف المياه على استيعابها.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحا خلال موسم الرياح الموسمية في جنوب آسيا، إذ تؤدي الأمطار الغزيرة والمتواصلة إلى ارتفاع منسوب الأنهار، ومع تجاوز المياه قدرة المجرى على استيعابها، تبدأ المناطق المحيطة في الغرق.
أما فيضانات البحيرات الجليدية، فتبدأ من سيناريو مختلف تماما.
فعندما يتراجع النهر الجليدي، قد تتجمع المياه خلف سد طبيعي يتكون غالبا من خليط غير مستقر من الجليد والصخور والتربة والحطام الجليدي، ويعرف باسم الركام الجليدي.
وتظل البحيرة مستقرة نسبيا إلى أن ينهار هذا السد الطبيعي، وعندها يمكن أن تندفع كميات هائلة من المياه بصورة مفاجئة إلى أسفل المنحدرات.
وبالتالي فإن الفيضان التقليدي يرتبط في الأساس بتراكم المياه وتجاوزها قدرة الأنهار أو الأرض على استيعابها، بينما يبدأ فيضان البحيرة الجليدية بانهيار حاجز طبيعي يحتجز المياه.
2- فارق الوقت.. دقائق قد تفصل بين الحياة والموت
يعد وقت التحذير أحد أكبر الفروق بين النوعين، فالفيضانات المرتبطة بالأمطار الغزيرة قد تمنح السكان قدرًا من الوقت للاستعداد، خاصة مع وجود أجهزة لمراقبة ارتفاع مناسيب الأنهار، إلى جانب التنبؤات الجوية التي تساعد على رصد العواصف والأمطار قبل وصولها.
وفي أفضل الظروف، يمكن لهذه المعلومات أن تمنح السلطات والمجتمعات المحلية وقتًا لإجلاء السكان من المناطق الأكثر عرضة للخطر، لكن الوضع يختلف بصورة كبيرة مع فيضانات البحيرات الجليدية.
فعندما يبدأ السد الجليدي أو الركامي في الانهيار، قد تفرغ البحيرة كميات ضخمة من المياه خلال دقائق أو ساعات، لتتحول المياه إلى جدار سريع من الماء والطين والصخور والجليد.
وتزداد خطورة الأمر في القرى الجبلية النائية، حيث تكون وسائل الاتصال والرصد محدودة، بينما تجعل التضاريس الوعرة والوديان المعزولة من الصعب تركيب أنظمة إنذار مبكر فعالة.
كما أن الأحداث المتتالية التي قد تحدث في الوقت نفسه تجعل التنبؤ بالخطر أكثر صعوبة.
3- الفيضان الجليدي لا يحمل الماء فقط
الفيضانات التقليدية يمكن أن تكون شديدة التدمير؛ إذ تستطيع المياه جرف الطين والأغصان والحطام، كما يمكنها تدمير المنازل والجسور والمنشآت.
لكن فيضانات البحيرات الجليدية تحمل معها خطرا إضافيا يتمثل في كميات ضخمة من المواد الصلبة.
فالبيئة الجبلية تضم بطبيعتها صخورا متناثرة، وجليدا قديما ومنحدرات غير مستقرة، ولذلك فإن انهيار كتلة جليدية أو صخرية يمكن أن يضيف إلى المياه كميات هائلة من الصخور والجليد والحطام.
وقد يتحول الفيضان نتيجة لذلك إلى تدفق عنيف يشبه الانهيار الأرضي المتحرك، حيث تتحرك المياه والحطام معًا بسرعات وقوة كبيرة.
وهذا ما ظهر في كارثة نيبال، عندما اندفعت كتلة ضخمة من الجليد والصخور إلى النهر، قبل أن تحملها المياه باتجاه القرى والمناطق المجاورة.
4- الجبال ليست مسرحا للكارثة
اقرأ أيضا: الأهلي والزمالك براءة| رابطة الأندية تعلن عقوبات الجولة الثانية من الدوري
في الفيضانات التقليدية، تكون المشكلة الأساسية مرتبطة بكمية المياه التي تتجاوز قدرة الأرض أو الأنهار على استيعابها.
أما في المناطق الجليدية، فإن التضاريس نفسها يمكن أن تصبح جزءًا من سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى الكارثة.
فعندما تتراجع الأنهار الجليدية نتيجة ذوبانها، تترك خلفها أحيانًا بحيرات جديدة تتجمع خلف سدود طبيعية هشة.
وهذه السدود قد تكون معرضة للانهيار، سواء نتيجة ارتفاع منسوب المياه أو بسبب انهيار أرضي أو سقوط كتلة جليدية أو صخرية داخل البحيرة.
وفي لحظة واحدة، يمكن أن يؤدي أحد هذه الأحداث إلى تغيير المشهد بالكامل، فتنهار الكتلة الحاجزة، وتندفع المياه إلى أسفل الجبل، مسببة فيضانًا واسع النطاق.
ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، تصبح هذه البيئات الجبلية أكثر تعقيدًا وصعوبة في التنبؤ بسلوكها.
وفي جبال الهيمالايا، قد يؤدي خطر إلى آخر في سلسلة متتابعة:
ذوبان الجليد، تكون بحيرة، تجمع المياه خلف سد هش، انهيار السد، فيضان كارثي.
وقد تتكرر هذه الدورة في مناطق أخرى، ما يجعل التعامل مع المخاطر الجليدية أكثر تعقيدًا من مجرد مراقبة منسوب الأنهار.
5- الكارثة قد لا تنتهي بانحسار المياه
ففي أعقاب أحداث أغسطس في نيبال، لم تقتصر الأضرار على جرف المنازل والمنشآت، بل شهدت بعض المناطق أيضا تكوّن بحيرات جديدة وانسداد مجاري الأنهار.
وأصبحت بعض هذه المناطق عبارة عن بحيرات مضطربة لا يوجد لها مخرج واضح للمياه، ما يثير مخاوف من إمكانية انهيار جديد خلال الأيام أو الأسابيع التالية، وهو ما قد يؤدي إلى فيضان آخر.
ولهذا تراقب السلطات المحلية هذه البحيرات التي تشكلت حديثا بقلق، في محاولة للتأكد من قدرة السدود الطبيعية المحيطة بها على الصمود.
وفي المقابل قد ينحسر الفيضان التقليدي تدريجيا بعد توقف الأمطار وعودة منسوب الأنهار إلى الانخفاض.
أما فيضانات البحيرات الجليدية، خصوصًا في المناطق الجبلية الوعرة، فقد تترك وراءها بيئة جديدة محفوفة بالمخاطر، تشمل بحيرات مؤقتة، ومجاري أنهار مسدودة، ومنحدرات غير مستقرة، وهو ما يفتح الباب أمام كوارث لاحقة.
اقرأ أيضا: محافظ المنوفية يستعرض خطط ومحاور العمل الرئيسية ورؤيته التنموية الشاملة