في منطقة تبدو اليوم واحدة من أكثر بقاع مصر جفافا، قادت حفريات علمية إلى اكتشاف أدلة على ماضٍ مختلف تماما للصحراء الغربية، فقد عثر باحثون في هضبة أبو طرطور على أسنان أحفورية تعود إلى 7 أنواع على الأقل من أسماك القرش، في اكتشاف يلقي الضوء على طبيعة المنطقة قبل ملايين السنين.
اقرأ أيضا: ضبط شخص بالإسكندرية للنصب على المواطنين بزعم العلاج الروحاني وممارسة الدجل
وتشير النتائج إلى أن أجزاء من الأراضي التي تغطيها الرمال والصخور حاليا كانت في الماضي جزءاً من بيئة بحرية غنية بالكائنات الحية، عندما كانت مستويات البحار أعلى ودرجات حرارة الأرض أكثر دفئا.
اقرا أيضا| من عظام الأسماك لوقود المستقبل.. ابتكار صيني يحول نفايات البلاستيك لمواد عالية القيمة
اكتشاف في قلب الصحراء
اكتشف فريق من الباحثين الأسنان الأحفورية في هضبة أبو طرطور خلال أعمال ميدانية امتدت بين عامي 2020 و2022، قبل أن ينشر تفاصيل النتائج في دراسة علمية خلال أغسطس الجاري في دورية متخصصة بأبحاث العصر الطباشيري، وتنتمي الأسنان التي عثر عليها إلى سبعة أنواع مختلفة من القروش على الأقل، وهو تنوع لافت في موقع واحد، ويقدم مؤشرات جديدة حول النظام البيئي الذي كان موجودا في المنطقة خلال عصور جيولوجية قديمة.
وقال طارق ياسين، عالم الأحافير بجامعة القاهرة والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الأدلة المكتشفة تشير بقوة إلى أن المنطقة كانت في الماضي بحراً تتوافر فيه ظروف مناسبة للحياة البحرية، من حيث درجات الحرارة والضوء ومستويات الأكسجين.
عندما غمرت المياه الصحراء
ويرتبط تاريخ هذه الأحافير بالعصر الطباشيري، الذي امتد تقريباً من 145 إلى 66 مليون سنة مضت،وخلال تلك الحقبة، كانت الأرض أكثر دفئا مما هي عليه في الوقت الحالي، كما ارتفع مستوى سطح البحر بدرجة كبيرة، ما أدى إلى غمر مساحات واسعة من اليابسة بالمياه،وبمرور ملايين السنين، تغيرت الظروف الجيولوجية والمناخية، وانحسرت البحار عن مناطق كانت مغمورة بالمياه، لتتحول لاحقا إلى أراض صحراوية جافة، من بينها أجزاء من الصحراء المصرية، ولهذا تمثل الأحافير الموجودة في هضبة أبو طرطور سجلا طبيعيا يساعد العلماء على إعادة بناء شكل البيئة التي كانت قائمة في تلك المنطقة خلال الماضي السحيق.
مؤشرات سبقت العثور على القروش
ولم يكن اكتشاف أسنان القروش مفاجأة من دون مقدمات، إذ سبق للباحثين العثور في المنطقة على أحافير لأسماك وسلاحف وزواحف بحرية،كما تقع الهضبة ضمن تكوينات صخرية تعود إلى أواخر العصر الطباشيري وتمتد عبر مناطق من الصحراء الشرقية والغربية في مصر، وتشتهر المنطقة كذلك برواسب الفوسفات، التي ترتبط في كثير من الحالات بتراكم بقايا الكائنات البحرية، مثل العظام والأصداف، ما جعلها موقعا مهما للبحث عن الأحافير، وأوضح ياسين أن الباحثين كانوا يعرفون مسبقاً إمكانية وجود بقايا لكائنات بحرية فقارية في المناطق الغنية بالفوسفات، إلا أن العثور على هذا العدد من أسنان القروش كان اكتشافا لافتا بالنسبة إلى الفريق.
7 أنواع من القروش
وكان الباحثون قد عثروا في وقت سابق على أسنان تنتمي إلى نوعين من قروش الماكريل، لكن أعمال التنقيب التي جرت بين عامي 2020 و2022 أضافت 14 سناً أخرى تعود إلى خمسة أنواع مختلفة،
وبذلك وصل العدد إلى سبعة أنواع من القروش المكتشفة في الموقع، ومن بين الأنواع التي ظهرت في الحفريات قريب أحفوري لقرش العفريت، المعروف باسم “سكابانورينخوس رافيودون”، وهو اكتشاف لم يكن قد سجل من قبل في أي موقع آخر بالقارة الأفريقية، وفق الدراسة.
كما شملت الاكتشافات نوعين آخرين هما “”سيراتولامنا سيراتا” و”سكواليكوراكس باسانياي”، ولم تكن هناك تسجيلات سابقة لهما في مصر،ويرى الباحثون أن وجود هذا التنوع الكبير في موقع واحد يشير إلى أن المنطقة كانت تتمتع ببيئة بحرية غنية بالمغذيات، وهو ما قد يكون وفر كميات كبيرة من الأسماك الصغيرة التي شكلت مصدراً للغذاء للقروش وغيرها من المفترسات البحرية.
اقرأ أيضا: ألونسو يعلن تشكيل تشيلسي أمام برايتون بالبريميرليج
الأحافير لا تعني بالضرورة الفترة نفسها
ورغم العثور على الأنواع السبعة في الموقع نفسه، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها عاشت جميعاً في الفترة الزمنية ذاتهاـويشير الباحثون إلى احتمال تراكم البقايا الأحفورية داخل الطبقات الرسوبية على مراحل مختلفة، ثم اختلاطها بمرور الزمن، وهو أمر شائع في المواقع الأحفورية وبالتالي، فإن تنوع الأنواع المكتشفة يقدم صورة عن البيئة البحرية التي مرت بها المنطقة عبر فترات متعاقبة، أكثر مما يثبت وجود جميع هذه القروش معاً في المكان نفسه وفي الوقت ذاته.
البحث مستمر تحت الرمال
ولا يبدو أن الاكتشاف يمثل نهاية القصة، إذ يعتزم فريق البحث مواصلة أعمال التنقيب في هضبة أبو طرطور والمناطق المحيطة بها، بهدف العثور على مزيد من الأدلة التي تساعد في فهم التاريخ الجيولوجي والبيئي للمنطقة.
وتكشف عمليات البحث المقبلة عن أنواع أخرى من الكائنات البحرية أو أحافير جديدة تساعد العلماء على رسم صورة أكثر وضوحا للبحر القديم الذي غطى أجزاء من الأراضي المصرية، وبينما تبدو هضبة أبو طرطور اليوم محاطة بمشهد صحراوي قاس، فإن أسنان القروش المدفونة في صخورها تقدم دليلا على أن المكان كان في زمن بعيد جزءاً من عالم بحري نابض بالحياة، وأن الرمال التي تغطيه اليوم تخفي فصولا لم تُكتشف بعد من تاريخه الطبيعي.
اقرأ أيضا: “البقيع الثاني”.. عندما تلاقى الصحابة بخطى المسيح في صعيد مصر | أخبار