فرضت الجرائم نفسها بقوة، خلال الفترات الأخيرة، منها التي هزت الرأي العام، وصولًا إلى وقائع قتل جماعي، تركت خلفها أسئلة أكثر من الإجابات.
اقرأ أيضا: تشيلسي يصطدم بـ برايتون فى الدوري الإنجليزي
ومع تكرار هذه الجرائم، لا تتوقف الحكاية عند وقوع الجريمة، بل تمتد إلى طريقة استقبالها وتداولها، لأن القارئ يبحث، ووسائل الإعلام تتنافس على المتابعة، ومستخدمو مواقع التواصل يسارعون إلى نشر التفاصيل والصور والمقاطع بحثًا عن «التريند».

– أسئلة تبحث عن إجابات
وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل أصبحت الجريمة جزءًا من يوميات المجتمع؟ وهل ساهمت السوشيال ميديا في تضخيم حضورها، أم أنها أصبحت بيئة يمكن أن تؤثر هي الأخرى في بعض السلوكيات العنيفة؟
وراء كل جريمة قصة مختلفة، لكن تكرار مشاهد العنف يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول أسباب انتشارها: هل تقف الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية خلف بعضها؟ هل يرتبط الأمر بتراجع بعض القيم والعلاقات الأسرية والثقافية؟ وهل يمكن أن نجد عوامل نفسية مشتركة بين مرتكبي جرائم مختلفة، رغم اختلاف أعمارهم ومهنهم ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية؟
لم يعد المجرم، يحمل بالضرورة ملامح واحدة يمكن التعرف إليها بسهولة، فقد يكون عاطلًا أو صاحب مهنة مرموقة، متعلمًا أو محدود التعليم، وقد تكون دوافعه مرتبطة بالغضب أو الانتقام أو الإحباط أو اضطراب طريقة التفكير أو تأثير المخدرات أو عوامل أخرى تتداخل مع البيئة التي نشأ فيها.

– تحليل نفسي لأسباب الجرائم
«بوابة أخبار اليوم»، تفتح الملف الشائك، وترصد من خلال التحليل النفسي، الأسباب والدوافع، التي أدت إلى انتشار الجريمة، واختلاف نمط ارتكابها، وكيفية مواجهتها.
اقرأ ايضا| قتل باسم الدين.. كيف قاد فكر الإخوان مرتكب جريمة 15 مايو لتنفيذ مخططه؟
يرى الدكتور جمال فرويز، خبير علم النفس، أن تزايد بعض أنماط الجرائم والعنف في المجتمع يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية المتشابكة، مشيرًا إلى أن من أبرزها ما وصفه بـ«الانهيار الثقافي»، والضغوط الاقتصادية، وتراجع العلاقات الاجتماعية، إلى جانب التأثيرات المتزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي وتغير أنماط الحياة.
وأوضح فرويز أن المجتمع المصري شهد، من وجهة نظره، تحولات اجتماعية وثقافية متراكمة، معتبرًا أن هذه التحولات أسهمت تدريجيًا في إضعاف بعض الروابط والقيم الاجتماعية التي كانت تؤدي دورًا في ضبط سلوك الأفراد.
وأشار خبير علم النفس إلى أن ازدواجية المعايير الثقافية، وما وصفه بـ«الدين الشكلي»، وتراجع العلاقات الاجتماعية، تمثل عوامل إضافية يمكن أن تؤثر في البناء النفسي والاجتماعي للفرد، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وتعاطي المخدرات وتأثير بعض المحتويات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

– المجرم لم يعد له شكل محدد
ولفت فرويز إلى أن الصورة التقليدية للمجرم لم تعد صالحة لتفسير جميع الجرائم في الوقت الحالي، موضحًا أن ارتكاب الجريمة لم يعد مرتبطًا بالضرورة بمستوى تعليمي أو اجتماعي معين.
اقرأ ايضا| جريمة 15 مايو.. تحليل نفسي وديني يكشف آليات تبرير العنف باسم الدين
وقال إن المجتمع أصبح يشهد جرائم يرتكبها أشخاص من خلفيات مهنية واجتماعية مختلفة، بما في ذلك المهندسون والأطباء والمحامون وغيرهم، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على المهنة أو المستوى التعليمي وحدهما في توقع السلوك الإجرامي.
وأكد أن وجود اضطراب نفسي لا يعني تلقائيًا أن الشخص سيصبح مجرمًا، كما أن مرتكب الجريمة ليس بالضرورة مصابًا باضطراب نفسي. لكن بعض الاضطرابات أو العوامل النفسية، عندما تتفاعل مع عوامل اجتماعية وبيئية وتعاطي المواد المخدرة وغيرها، قد تزيد من مخاطر بعض السلوكيات.

– بيانات منظمة الصحة العالمية
وتدعم البيانات الدولية أهمية النظر إلى الصحة النفسية باعتبارها قضية مجتمعية واسعة؛ إذ تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1.1 مليار شخص، أي قرابة شخص من كل 7 أشخاص حول العالم، كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2021، وكانت اضطرابات القلق والاكتئاب من أكثرها شيوعًا.
كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الأشخاص الذين كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي بلغ نحو 970 مليون شخص في 2019، أي قرابة واحد من كل ثمانية أشخاص عالميًا.
وبحسب بيانات Global Burden of Disease المنشورة عبر Our World in Data، بلغت تقديرات انتشار اضطرابات القلق عالميًا نحو 5.7% في 2023، والاكتئاب نحو 3.8%، والاضطراب ثنائي القطب نحو 0.4%، والفصام نحو 0.3%. وهذه أرقام تقديرية للانتشار وليست أعدادًا للأشخاص الذين حصلوا بالضرورة على تشخيص طبي.
اقرأ أيضا: أسرار مخبأة تحت الأرض.. كيف تعيد آبار البوباسطيون قراءة طقوس الدفن؟
– الحل في مواجهة الظاهرة بشكل جماعي
ويرى فرويز أن مواجهة الظاهرة لا يجب أن تقتصر على الأجهزة الأمنية، وإنما تحتاج إلى تدخل مجتمعي وثقافي متكامل تشارك فيه مؤسسات الدولة المختلفة، بداية من وزارة الثقافة ووسائل الإعلام، وصولًا إلى الأعمال الدرامية والبرامج والخطاب الديني في المساجد والكنائس.

واقترح أن يتم التركيز بشكل دوري على قضايا اجتماعية محددة، بحيث تتناول المؤسسات المختلفة القضية نفسها خلال فترة زمنية متقاربة، بهدف بناء وعي مجتمعي موحد حول العلاقات الأسرية والاجتماعية والسلوكيات التي تساعد على الحد من العنف والجريمة.
وأشار إلى أن مواجهة أسباب الجريمة يجب أن تشمل التعامل مع المخدرات والضغوط الاقتصادية وتأثيرات بعض أنماط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى آثار التحولات والاضطرابات الاجتماعية المتتالية.
– نمط التنشئة الاجتماعية
وفي السياق ذاته، قال الدكتور حسام الدين الوسيمي، أستاذ علم النفس المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن المجرم ربما يكون ناقمًا على المجتمع بشكل عام، وغير ملتزم بأي قوانين «الشخصية السيكوباتية»، وهناك أمور أخرى تؤدي للجريمة مثل نمط التنشئة الاجتماعية كالتدليل أو الحرمان الزائد ويؤديان لنفس المسار في النهاية.
وأوضح أن التدليل الزائد وإشباع كل الاحتياجات لدى الإنسان يجعله لا يتحمل الإحباط، وإذا واجه في الواقع ظروفًا تمنعه من إشباع احتياجاته يلجأ إلى أخذها بالقوة، وربما يلجأ للجريمة في حالة الحرمان الشديد لتعويض ذلك الحرمان، والأسباب متعددة للجريمة كتفسيرات، كما أن زيادة مستوى الغرائز عند مرتكب الجريمة تدفعه لارتكابها.

وأشار إلى أن هناك تنوعات في أنماط المجرمين، ومن الصعوبة تعميم خاصية المجرمين، إذ ربما يكون الشخص لديه مشكلة في طريقة التفكير ومثلت له دافعًا لارتكاب جريمته.
وأضاف: المجرم يتخيل أنه يستحق الشيء، فلو شايف وهو بيسرق إنه يستحق الشيء المسروق، ويتعامل مع رغباته على أنها حقوق، ومن ضمن الأخطاء الشائعة عند المجرمين التفاؤل الزائد: «يعنى المجرم يكون ذاهب للسرقة، وشايف إن ربنا هيكرمه وهيطلع من الموضوع بسهولة».
اقرأ أيضا: ثورة الملاكمين.. الانتفاضة التي صنعت الصين | سياسة