هل بدأ أفول الإمبراطورية الأمريكية؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

رغم أن اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالزعيم الصيني شي جين بينغ قد مرت عليه عدة شهور، فإن أصداءه لا تزال تلقي بظلالها على التحليلات السياسية والإستراتيجية المعاصرة.

اقرأ أيضا: سبب تكرار ظاهرة خسوف القمر؟.. مدير البحوث الفلكية يجيب

حيث فتح ذلك النقاش حول بنية النظام الدولي الراهن، وحدود قدرة الصين على منافسة الولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي.

وهنا تتباين توقعات منظري العلاقات الدولية والإستراتيجيين بشأن مستقبل هذا النظام؛ فبين من يرى أن العصر الأمريكي يقترب من الأفول، ومن يعتبر أن الولايات المتحدة هي وحدها التي تملك مواصفات “القوة العظمى” وهي الوحيدة القادرة على قيادة النظام الدولي، وبين هذين الرأيين الحديين تتبلور مقاربات تحليلية أكثر حذرا تسعى إلى فهم هذا التحول بشكل تدريجي وغير حتمي.

إلى جانب الحالات التاريخية التي تؤكد الصدام المحتوم بين القوة القائمة والقوة الصاعدة، فإن هناك حالات أخرى تم فيها تجنب الصدام عبر اعتماد تدبير سياسي حكيم خلال مراحل انتقال القوة

من الهيمنة إلى التنافس الجيوسياسي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، انتقل النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة. وقد منحت هذه المرحلة واشنطن قدرة غير مسبوقة على التأثير في الديناميات الدولية، وتشكيل بنية النظام الدولي، فضلا عن التأثير في بنية الأنظمة الإقليمية في بعض المناطق، ومنها العالم العربي.

غير أن هذه الإستراتيجية، التي اعتمدت على التدخلات العسكرية والترويج للنموذج الديمقراطي الليبرالي، أفضت في كثير من الحالات إلى نتائج عكسية، وأسهمت في زعزعة الاستقرار الدولي.

ويتجلى ذلك في سياسات توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو شرق أوروبا، والحروب في أفغانستان والعراق، فضلا عن تدخلات عسكرية وسياسية أخرى في مناطق مختلفة من العالم.

لم تدم الأحادية القطبية طويلا، بل كانت مجرد مرحلة انتقالية محدودة، إذ بدأ النظام الدولي يتجه تدريجيا نحو عودة التنافس بين القوى الكبرى. ويعد صعود الصين أبرز تحول في ميزان القوى العالمي خلال العقود الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، توقع العديد من منظري العلاقات الدولية، ولا سيما داخل التيار الواقعي، أن يشهد العالم تنافسا إستراتيجيا متصاعدا بين الولايات المتحدة والصين، قد يستعيد في بنيته سمات التنافس بين القوى الكبرى في مراحل تاريخية سابقة، مثل مرحلة الحرب الباردة.

وهناك من يذهب أبعد من ذلك في التشاؤم، مستحضرين فرضية “فخ ثوسيديدس”، التي تفترض أنه نادرا ما تستوعب القوى العظمى القوى الصاعدة سلما، لذلك فإنه في نظرهم الصدام بين الصين والولايات المتحدة شبه محتوم.

وإلى جانب الحالات التاريخية التي تؤكد الصدام المحتوم بين القوة القائمة والقوة الصاعدة، فإن هناك حالات أخرى تم فيها تجنب الصدام عبر اعتماد تدبير سياسي حكيم خلال مراحل انتقال القوة، غير أن ذلك يتطلب قيادة رشيدة وقدرة على ضبط التنافس الإستراتيجي حسب غراهام أليسون.

لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو أن أمريكا انخرطت في معركة استنزاف كبيرة في مناطق أخرى بعيدة عن الفضاء الحيوي للصين التي يتوقع أن تكون نظيرا لها في العقود القادمة، وهذا ما يؤجل الصدام الكبير بين الصين وأمريكا، أو قد يجعل صعود الصين -إذا تم فعلا- بدون صدام مع القوة المهيمنة.

يبدو من الأدق الحديث عن تطور بطيء ومحدود في بنية النظام الدولي، بدلا من افتراض تحقق تعددية قطبية مكتملة، إذ لم تنجح أي قوة دولية أو تحالف مواز حتى الآن في مضاهاة الهيمنة الأمريكية أو تحديها بفاعلية

حدود صعود القوى الكبرى

بشر العديد من الباحثين بنهاية الأحادية القطبية مع صعود الصين اقتصاديا، مستفيدة من العولمة المفرطة، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي، معلنين دخول العالم عصر التعددية القطبية، حيث تتقاسم القوى الكبرى -الولايات المتحدة والصين وروسيا- نفوذ النظام الدولي، وهو ما يعد حكما فعليا بنهاية النظام الدولي الليبرالي.

رغم أن بعض النخب الغربية يلقون اللوم على سياسات الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته الأولى في عام 2017 في إضعاف النظام الدولي الليبرالي، إلا أن أسباب هذا التحول تبدو أعمق وأكثر بنيوية.

فبحسب جون ميرشايمر، تكمن الاختلالات في اعتماد النظام على أحادية قطبية تقودها ديمقراطية ليبرالية، وفي إخفاق سياساته في نشر الديمقراطية، بالتوازي مع تصاعد النزعات القومية، وتداعيات العولمة المفرطة التي أفضت إلى تفاقم اللامساواة وصعود قوى جديدة كالصين وعودة روسيا، وهو ما دفع بعض الأدبيات إلى القول بانتهاء حقبة الأحادية القطبية.

نشر راجا موهان مقالا مهما في مجلة فورين أفيرز بعنوان مثير: “وهم التعددية القطبية وإغراء الأحادية القطبية”، خلص فيه إلى أنه، رغم بروز ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب خلال العقد الأخير، مدفوعا بصعود قوى دولية جديدة، فإن اختلالا واضحا في توازن القوة العالمية لا يزال قائما لصالح الولايات المتحدة.

لذلك، يبدو من الأدق الحديث عن تطور بطيء ومحدود في بنية النظام الدولي، بدلا من افتراض تحقق تعددية قطبية مكتملة، إذ لم تنجح أي قوة دولية أو تحالف مواز حتى الآن في مضاهاة الهيمنة الأمريكية أو تحديها بفاعلية.

ويرى راجا موهان أن تطورات الأحداث الدولية، فضلا عن أسلوب إدارة دونالد ترمب للسياسة الخارجية الأمريكية خلال ولايته الثانية، تؤكد استمرار ما يمكن تسميته بـ”الزمن الأمريكي”، بما يجعل الحديث عن نظام متعدد الأقطاب أقرب إلى التصور النظري منه إلى الواقع الفعلي.

اقرأ أيضا: الأرصاد: البحر المتوسط يواصل اضطرابه.. استمرار غلق الشواطئ وتحذيرات للمصطافين

ومع ذلك، لا ينفي هذا الاتجاه وجود تحول تدريجي نحو تعددية قطبية نسبية، وهي لا تعني بالضرورة تماثلا في موازين القوى بين الفاعلين الدوليين، بقدر ما تعكس إعادة توزيع جزئي للقوة داخل النظام الدولي.

ورغم ما لحق بالولايات المتحدة من أضرار، فإن هذه التحولات لم تفض إلى تقويض موقعها المركزي، ما يرجح استمرارها قوة عظمى مهيمنة في المستقبل المنظور.

التصريحات التي صدرت عن بعض القادة الأمريكيين، من باراك أوباما إلى اليوم، والتي قد توحي بالتوجه نحو التعددية القطبية، لا تعكس اعترافا فعليا بنهاية الهيمنة الأمريكية، بقدر ما تعبر عن دعوة إلى تقاسم أعباء إدارة النظام الدولي، انطلاقا من إدراك متزايد لحدود القدرة الأمريكية على تحمل كلفة الانخراط المنفرد في القضايا العالمية

تحديات

وانسجاما مع هذا التقدير، فإن التصريحات التي صدرت عن بعض القادة الأمريكيين، من باراك أوباما إلى اليوم، والتي قد توحي بالتوجه نحو التعددية القطبية، لا تعكس اعترافا فعليا بنهاية الهيمنة الأمريكية، بقدر ما تعبر عن دعوة إلى تقاسم أعباء إدارة النظام الدولي، انطلاقا من إدراك متزايد لحدود القدرة الأمريكية على تحمل كلفة الانخراط المنفرد في القضايا العالمية.

ومع ذلك، يظل هذا التوجه مصحوبا برغبة واضحة في الاحتفاظ بمزايا التفوق والهيمنة، وبعبارة راجا موهان، ما زلنا أمام حالة من الأحادية القطبية، ولكن مع اتجاه نحو تقليص كلفتها الإستراتيجية.

إن التحدي الذي قد يسرع من تراجع النفوذ الأمريكي على الصعيد الدولي ليس مصدره المنافسون الخارجيون، بل ينبع من داخل الولايات المتحدة ذاتها.

لذلك، فإن طموح دونالد ترمب للحفاظ على موقع الريادة الأمريكية في النظام الدولي الراهن يواجه تحديات داخلية متزايدة، سواء على مستوى الاستقطاب السياسي أو التحولات في المزاج الانتخابي، وهو ما قد ينعكس على استمرارية هذا النمط من القيادة الدولية في المدى المنظور.

ويتمثل ذلك في احتمالين رئيسيين: إما خسارة الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بما قد يحول دونالد ترمب إلى “بطة عرجاء”، أو حسم المعادلة في الانتخابات الرئاسية القادمة لصالح رئيس ديمقراطي مدعوم ليس فقط من فئات واسعة من الشباب الأمريكي، التي بات جزء معتبر منها مناهضا للترمبية، بل أيضا من شريحة من الناخبين الجمهوريين الذين خاب أملهم في سياسات ترمب وشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، خاصة في ظل انعكاسات سياساته الخارجية على أوضاعهم الاقتصادية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: الوزراء يصدر بيانا مهما بشأن ما يتم تداوله حول مقترحات لمقايضة الأصول بالمديونية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً