«عناقيد الرزق».. كيف يصنع العنب موسمًا اقتصاديًا في الغربية؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

الغربية – ماجدة شلبي

 

اقرأ أيضا: شاب ينهي حياة زوجة شقيقه بـ”ماء النار” في المنيا

مع أول خيوط الصباح، وقبل أن تشتد حرارة شمس أغسطس، تتحول مزارع العنب في قرى مركز السنطة بمحافظة الغربية، إلى لوحة من الحركة المتواصلة، عمال يحملون الصناديق ومزارعون يتفقدون العناقيد، ومقصات صغيرة تتحرك بين الأغصان لاختيار الثمرة التي اكتملت حلاوتها وحجمها ولونها، بينما تستعد سيارات النقل، لنقل المحصول إلى الأسواق ومراكز التعبئة.

هنا، لا يُنظر إلى يوم الحصاد باعتباره مجرد نهاية لموسم زراعي طويل، وإنما يراه المزارعون عيدًا ينتظرونه عامًا بعد آخر فهو اليوم الذي تظهر فيه نتيجة شهور طويلة من التعب والرعاية والإنفاق والخوف على المحصول، من تقلبات الطقس والآفات، وتبدأ فيه ثمرة العنب رحلة جديدة من الحقل إلى موائد المصريين وربما إلى أسواق خارج الحدود.

ومع انطلاق موسم الحصاد، تتحول قرى السنطة إلى خلية عمل حقيقية، تمتد الحركة فيها من الحقول إلى أماكن الفرز والتعبئة، مرورًا بالتجار ووسائل النقل والعمالة الموسمية في موسم لا يمثل للمزارع مجرد محصول، وإنما مصدر دخل رئيسي تنتظره أسر وقرى بأكملها.

 

اقرأ ايضا| «مش مبيدات».. سر ظهور طبقة بيضاء على العنب

 

ويبدأ موسم حصاد العنب في الغربية، عادة من أواخر يوليو، ويستمر حتى منتصف أكتوبر، بحسب الصنف ودرجة النضج والظروف الجوية، ويأتي العنب البناتي في مقدمة الأصناف المبكرة، بينما يمتد موسم الأصناف الحمراء مثل الكينج والملوكي لفترة أطول وهو ما يسمح باستمرار حركة الحصاد والتسويق لأسابيع متتالية.

وتعد قرى مركز السنطة من أشهر مناطق زراعة العنب في المحافظة خاصة طوخ مزيد منية طوخ شنراق ميت ميمون بلاي كفر خزاعل ميت يزيد القرشية والبندرة حيث أصبحت زراعة العنب على مدار سنوات طويلة جزءًا من هوية القرى ومصدرًا أساسيًا للدخل والعمل.

 

– رحلة عام كامل قبل فرحة القطاف

 

وراء كل عنقود يصل إلى يد المستهلك رحلة طويلة تبدأ قبل شهور من ظهور الثمرة فالعناية بشجرة العنب لا تتوقف عند موسم الحصاد وإنما تبدأ منذ الشتاء مع عمليات التقليم وتجهيز الأشجار والتكاعيب والأسلاك ثم تتوالى مراحل الخدمة الزراعية مع بداية النمو وخروج البراعم وظهور العناقيد.

ويحرص المزارعون على تنظيم الفروع وتوزيعها فوق التكاعيب حتى تحصل العناقيد على قدر مناسب من الضوء والتهوية ثم تأتي عمليات الخدمة والتسميد والري والمكافحة وصولًا إلى مرحلة التزهير والعقد ونمو الحبات.

ومن أهم العمليات التي يجريها المزارع خلال الموسم تخفيف العناقيد والحبات حتى لا تكون الثمار متزاحمة فتتاح للحبات مساحة كافية للنمو ويصبح العنقود أكثر جودة وجاذبية خاصة بالنسبة للعنب المخصص للتسويق كعنب مائدة.

كما يهتم المزارعون بإزالة بعض الأوراق المحيطة بالعناقيد لتحسين التهوية وتقليل الرطوبة مع متابعة الإصابات الفطرية والآفات لأن أي خطأ في مرحلة مبكرة يمكن أن ينعكس على المحصول عند الحصاد.

ويختلف التعامل مع الأشجار بحسب الصنف والغرض من الزراعة فهناك أصناف موجهة بصورة أساسية للاستهلاك الطازج وأخرى تتميز بصفات تجعلها مناسبة لأسواق التصدير وفي كل الحالات يظل العامل الأهم هو الوصول إلى ثمرة مكتملة النضج ذات حجم ولون ومذاق مناسب.

 

– الشجرة بتعيش أكتر من عمر صاحبها

 

ويكشف المزارعون عن واحدة من أكثر الحكايات التي تميز زراعة العنب في الغربية وهي طول العمر الإنتاجي للشجرة التي يمكن أن تستمر في العطاء لعشرات السنين طالما ظلت بحالة جيدة وحافظ المزارع على خدمتها.

ويقول الشافعي عياد، أحد مزارعي العنب بالغربية إن شجرة العنب ليست محصولًا يزرعه الفلاح اليوم وينتظر محصوله غدًا وإنما هي علاقة طويلة بين الإنسان والأرض والشجرة موضحًا أن الشجرة إذا تمت رعايتها بصورة صحيحة يمكن أن تستمر في الإنتاج لعشرات السنين وقد يتجاوز عمر بعض الأشجار 70 عامًا وهي ما زالت منتجة.

ويضيف أن المزارع يعرف شجرته واحدة واحدة ويتابع نموها منذ بداية الموسم ويعرف أي فرع يحمل الثمار وأي عنقود يحتاج إلى تدخل مؤكدًا أن موسم الحصاد بالنسبة للفلاح يوم عيد بجد لأنه يرى فيه نتيجة تعبه طوال العام.

ويشير إلى أن فرحة المزارع لا ترتبط فقط بكمية المحصول وإنما بجودة العنب وسلامة العناقيد وقدرتها على تحمل النقل والوصول إلى المستهلك في أفضل صورة موضحًا أن الفلاح يظل طوال الموسم يتابع الطقس والري والآفات ولذلك عندما يبدأ القطاف يشعر أن كل هذا التعب بدأ يؤتي ثماره.

 

– من البشاير إلى الإنتاج الكامل 

 

ولا تدخل شجرة العنب إلى مرحلة الإنتاج الكامل منذ العام الأول إذ تبدأ بإنتاج محدود يعرفه المزارعون باسم البشاير ثم تتطور قدرتها الإنتاجية مع نمو الشجرة وتكوين هيكلها.

ويقول رضا عبد الله الحضري مزارع وتاجر عنب إن السنوات الأولى تكون مرحلة تأسيس للشجرة ويكون الإنتاج فيها أقل من الأشجار الكبيرة لكن مع استمرار الخدمة الزراعية تصل الشجرة إلى مرحلة إنتاج أعلى وتصبح قادرة على إعطاء محصول جيد عامًا بعد آخر.

ويؤكد أن نجاح زراعة العنب يحتاج إلى متابعة مستمرة بداية من اختيار الشتلة المناسبة مرورًا بالتقليم والتسميد والري ومقاومة الأمراض وصولًا إلى اختيار توقيت الحصاد موضحًا أن الحصاد مش مجرد إننا نقطف العنقود وإنما هناك مواصفات يحددها المزارع والتاجر والسوق.

ويشرح أن العمال يبدأون العمل في الساعات الأولى من الصباح قبل ارتفاع درجات الحرارة ثم تتواصل عمليات الجمع على مراحل ويتم اختيار العناقيد التي وصلت إلى درجة النضج المناسبة بينما تترك العناقيد التي تحتاج إلى وقت إضافي حتى تكتمل.

 

– مقص صغير ودقة كبيرة 

 

داخل الحقل تبدو عملية القطاف بسيطة لمن يراها للمرة الأولى لكنها بالنسبة للعامل تحتاج إلى خبرة ودقة فالعنقود يجب أن يقطع بعناية حتى لا تتساقط حباته أو تتعرض الثمرة للخدوش ويتم وضع العناقيد داخل الصناديق بعناية ثم تبدأ عملية الفرز واستبعاد الثمار غير المناسبة قبل أن تتحرك الكميات المخصصة للسوق المحلي إلى التجار بينما تدخل الكميات المعدة للتصدير في مراحل أكثر دقة من الفرز والتعبئة وفقًا لاشتراطات الأسواق المستهدفة.

ويقول عبد القادر سراج أحد العاملين في تجارة العنب إن التاجر يبدأ عمله مع المزارع منذ تحديد جودة المحصول لأن العنب ليس سلعة واحدة بسعر واحد فالسعر يتأثر بالصنف والحجم واللون ودرجة الحلاوة وجودة العنقود ومدى تحمله للنقل.

 

اقرأ ايضا| «الفاو»: 1.7 مليون طن انتاج مصر من العنب خلال عام 2025

 

يضيف أن حركة البيع تزداد بصورة واضحة مع بداية الموسم حيث يتوافد التجار إلى مناطق الإنتاج لشراء المحصول ونقله إلى الأسواق المختلفة مؤكدًا أن العنب يوفر حركة اقتصادية كبيرة للقرى ليس فقط للمزارع وإنما أيضًا للعمال والتجار والسائقين وأصحاب أماكن التعبئة.

 

– مواسم متعددة وسوق لا يتوقف 

 

وتتنوع أصناف العنب التي نجح المزارعون في زراعتها بالغربية وبينها العنب البناتي الأبيض والأصناف الحمراء مثل الكينج والملوكي إلى جانب أصناف أخرى دخلت مزارع المنطقة وارتبط بعضها بالأسواق الخارجية.

ويتميز اختلاف مواعيد نضج الأصناف بأنه يمد الموسم الزراعي لفترة طويلة فلا تنتهي حركة الحصاد مع انتهاء صنف واحد وإنما تبدأ بعدها أصناف أخرى في الدخول إلى مرحلة النضج.

وتتركز زراعة الأصناف الحمراء بصورة ملحوظة في مناطق مثل طوخ مزيد ومنية طوخ بينما تنتشر زراعة البناتي في عدد من قرى السنطة وهو ما خلق خبرات متراكمة لدى المزارعين في التعامل مع كل صنف ومتطلباته.

كما أن مركز السنطة يحتل موقعًا متقدمًا داخل المحافظة في المساحات المزروعة بالعنب حيث تتجاوز 11 ألف فدان أما إنتاجية الفدان فتتدرج وفقًا لعمر الأشجار والصنف ومستوى الخدمة الزراعية وتصل في المزارع المكتملة الإنتاج إلى نحو 10–15 فدان.

 

– العنب مش محصول ده رزق قرى

 

وتقول نعمة عبد الله الشحات من العاملات في موسم حصاد العنب إن موسم القطاف يمثل فرصة مهمة لعدد كبير من السيدات في القرى حيث تشارك النساء في الجمع والفرز والتعبئة ويصبح الموسم مصدر دخل إضافيًا لأسر كثيرة.

اقرأ أيضا:  “القودة” تردم سنوات الدم بين عائلتي «المعطيات» و«آل طباشة» في قنا

وتروي أن العمل يبدأ في الصباح الباكر وأن أجواء الحصاد تختلف عن باقي أيام العام قائلة إن يوم العنب عندنا عيد لأن الجميع يكون مشغولًا بالمحصول وكل أسرة تنتظر أن ترى نتيجة تعبها.

وتضيف أن الموسم لا يقتصر على أصحاب الأراضي فهناك عمال يأتون إلى الحقول وسيدات يعملن في الفرز والتعبئة وسائقون ينقلون المحصول وتجار يشترونه ولذلك فإن العنب يحرك سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية داخل القرى.

 

– من الحقل إلى الأسواق الخارجية 

 

ولا تتوقف رحلة العنب عند الأسواق المحلية فمصر تمتلك قطاعًا متناميًا في إنتاج وتصدير عنب المائدة حيث بلغت صادرات العنب الطازج المصرية بلغت نحو 180 ألف طن ليحتل العنب المركز الرابع ضمن قائمة الصادرات الزراعية المصرية.

ويتراوح متوسط السعر العالمي لطن العنب المصري التصديري بين 1,650 و 2,350 دولاراً أمريكياً (يختلف السعر بناءً على الصنف التوقيت وحجم الحبات ونسبة السكر).

وتستقبل الأسواق الخارجية العنب المصري لما يتمتع به من ميزة تنافسية ترتبط بتوقيت الموسم وجودة الأصناف إضافة إلى قدرة المنتجين والمصدرين على تلبية متطلبات الأسواق من حيث الحجم واللون ونسبة السكر وجودة التعبئة.

وتأتي الأسواق الأوروبية ضمن أهم الوجهات للعنب المصري إلى جانب أسواق عربية وخليجية وهو ما يجعل جودة المحصول داخل الحقل جزءًا من منظومة أكبر تبدأ من المزارع ولا تنتهي إلا عند وصول الثمرة إلى المستهلك في الخارج.

ويقول أحمد عبد الحميد لاشين أحد العاملين في تجارة وتسويق العنب إن التصدير غيّر شكل المنافسة في سوق العنب لأن المنتج أصبح مطالبًا بمواصفات أكثر دقة ولم يعد الأمر قائمًا فقط على إنتاج كمية كبيرة وإنما على إنتاج ثمرة تصلح للتعبئة والنقل لمسافات طويلة كما تدخل في صناعة الزبيب وعصير العنب الفائق الجودة.

ويضيف أن المزارع الذي يستهدف السوق التصديري يهتم منذ بداية الموسم بالصنف وطريقة الخدمة الزراعية ويتابع حجم الحبة ولونها ودرجة النضج لأن الأسواق الخارجية لها اشتراطات دقيقة مؤكدًا أن كل عنقود بيطلع من الأرض وراه تعب كبير.

ويشير إلى أن التصدير يفتح فرصًا أكبر أمام المزارع لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه الالتزام بالجودة لأن أي مشكلة في الشحنة يمكن أن تؤثر على سمعة المنتج ولذلك أصبح التعاون بين المزارع والتاجر ومحطات التعبئة أمرًا أساسيًا.

 

– اقتصاد كامل تحت سقف العنب

 

ومع ارتفاع عدد العاملين في الموسم تتحول القرى المنتجة إلى ما يشبه السوق المفتوحة سيارات تدخل وأخرى تخرج وصناديق ممتلئة بالعناقيد تتحرك من الحقول وعمليات فرز وتعبئة تستمر لساعات.

ولا تقتصر الاستفادة الاقتصادية على محصول العنب نفسه فالشجرة توفر فرصًا أخرى خلال العام من أعمال التقليم والخدمة الزراعية وحتى جمع أوراق العنب التي تمثل منتجًا له سوقه الخاص فضلًا عن العمالة التي يحتاج إليها القطاع طوال مراحل الإنتاج.

ويظل الفلاح هو الحلقة الأولى في هذه السلسلة فهو الذي يتحمل مخاطر الزراعة ويتابع الأرض في مواجهة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وتقلبات الطقس والأمراض والآفات ثم ينتظر لحظة الحصاد ليعرف ما إذا كان الموسم سيعوضه عن نفقات عام كامل.

 

– حين تبتسم الأرض

 

ومع اقتراب نهاية كل يوم تخف حركة العمال تدريجيًا لكن الصناديق المملوءة بالعنب تظل شاهدة على ساعات العمل الطويلة وتتحرك السيارات بالمحصول خارج الحقول بينما يستعد المزارعون لجولة جديدة في اليوم التالي.

هكذا يبدو موسم العنب في قرى الغربية ليس مجرد موسم حصاد لمحصول فاكهة وإنما موسم اقتصادي واجتماعي كامل تتداخل فيه خبرة الفلاح مع جهد العامل وحركة التاجر وطموح المصدر.

وفي السنطة حيث ارتبطت الأرض بالعنب لعقود طويلة يعرف المزارعون أن الشجرة قد تعيش معهم لعشرات السنين وأنها يمكن أن تواصل العطاء لأكثر من سبعين عامًا إذا ظلت منتجة وحصلت على الرعاية اللازمة.

ولهذا يظل يوم القطاف مختلفًا عن أي يوم آخر ففيه يقف المزارع أمام ما صنعته يداه طوال العام يرى العناقيد المعلقة التي انتظر نضجها ويسلم محصوله للتاجر وهو يأمل في موسم أفضل.

إنه يوم العيد الذي لا يأتي من فراغ عيد تصنعه الأرض وتحرسه يد الفلاح وتحمله عربات النقل من قرى الغربية إلى أسواق مصر والعالم.

اقرأ أيضا: مورينيو: كوكوريا أساسيًا أمام مالاجا.. وكاريراس بديله

‫0 تعليق

اترك تعليقاً