تقرير خاص| استرداد جثامين الأسرى.. سنوات من الانتظار الفلسطيني تواجه ورقة المساومة الإسرائيلية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا يزال مطلب استرداد جثامين الأسرى والشهداء الفلسطينيين لا يجد نفاذًا وتحقيقًا في واقعٍ إسرائيليٍ يفرض قوانين خاصةً بعيدة كل البعد عمّا جاءت به القوانين والأعراف الدولية، فيحتجز جثامين الشهداء الأسرى في أماكن سرية ويأبي أن يُفرج عنها حتى مع مرور السنوات على وفاة أصحابها.

اقرأ أيضا: المقاولون العرب يعلن تشكيله لمواجهة المصري البورسعيدي

لم يكن لأناسٍ هم أمواتٌ غير أحياءٍ أن يشكلوا خطرًا على دولة الاحتلال، بعد أن قضوا نحبهم، لكن لدى الاحتلال سوّلت الأنفس الخبيثة بها أن تُنكل بالأموات مثلما تفعل بالأحياء في أرض فلسطين.

الروح تصعد إلى بارئها وتترك جسدًا يواري الثري كفطرة الخلق التي فطر الله الناس عليها، ولكن في إسرائيل لم يكونوا ليدركوا تلك الفطرة، فراحوا يحتجزون الجثامين لسنين في ثلاجات الموتى، غير عابئين بحرمة الموتى ولا بأي حق وُجد للإنسان في هذه الحياة بتكريم مثواه الأخير ولا بحق أهله في وداعٍ صار مؤجلًا لسنواتٍ طال أمدها في كثير من الأحيان.

وفي اليوم السابع والعشرين من شهر أغسطس/ آب، تحيي فلسطين اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، والرسالة واضحة المعالم “حرروا جثامين الشهداء الأسرى”، وسط فعاليات نُظمت في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة تطالب بالإفراج عن جثامين الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل تحت الأرض وفي ثلاجات الموتى.

حرمان من الوداع

وفي غضون ذلك، يقول نادي الأسير الفلسطيني، في بيانٍ حصلت “بوابة اخبار اليوم” على نسخةٍ منه، “احتجاز جثمان الشهيد لا يعني فقط حرمان عائلته من جسده، بل يعني إبقاء السيطرة على الضحية وعائلته حتى بعد الموت، إنه حرمان من الوداع، ومن الدفن، ومن ممارسة طقوس الحداد، وإبقاء العائلة في حالة انتظار وقلق دائمين”.

ويضيف نادي الأسير أنه “في حالات عديدة، لا تنتهي المعاناة عند استرداد الجثمان، إذ ترافق عمليات التسليم شروط وإجراءات مهينة، من بينها الدفن ليلًا، وتقييد أعداد المشيعين، وفرض الكفالات، أو نقل الجثمان إلى أماكن بعيدة عن العائلة”.

وبحسب نادي الأسير، فلم تبدأ سياسة احتجاز جثامين الشهداء مع المرحلة الراهنة. فمنذ عام 1967، دُفن آلاف الفلسطينيين فيما عُرف بـ”مقابر الأرقام” وهي مواقع سرية حُرمت العائلات من معرفة تفاصيل كافية عنها. وعلى مدار عقود، ظل مصير العديد من الشهداء مجهولًا، فيما بقيت عائلاتهم تنتظر معرفة مكان أبنائها واسترداد جثامينهم.

اقرأ أيضًا: خاص| مقابر الأرقام.. معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال «فوق الأرض وتحت التراب»

ونشر نادي الأسير الفلسطيني أسماء الشهداء الأسرى المحتجزة جثامينهم والمعلوم هوياتهم، وعددهم 99 أسيرًا، أقدمهم الأسير أنيس دولة، المحتجز جثمانه رغم مرور 46 عامًا على وفاته، حيث ارتقى داخل سجن عسقلان الإسرائيلي في عام 1980.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ارتفع بشكل ملحوظٍ عدد جثامين الأسرى والشهداء المحتجزين لدى الاحتلال، والذين تبقي إسرائيل على جثثهم لديها وترفض الإفراج عنها.

700 جثمان محتجز «معلوم الهوية»

ويقول عبد الناصر فروانة، مدير وحدة الدراسات والتوثيق بهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، “لم نعد نعرف عدد جثامين الشهداء الأسرى، ولا نملك معلومات كاملة عنهم، وترفض سلطات الاحتلال الكشف عن هوياتهم ولا تسليم المؤسسات الدولية وخاصة اللجنة الدولية للصليب الأحمر قائمة بأسمائهم، كل ذلك بفعل سياسة الإخفاء القسري التي طالت الأحياء والأموات، لاسيما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر2023”.

ويشير فروانة لـ”وابة أخبار اليوم”، إلى أن عدد الجثامين المحتجزة والمعلومة كانت قرابة 700 جثمان، بينهم 99 جثمانًا تعود لأسرى استشهدوا داخل سجون الاحتلال، منهم 88 استشهدوا خلال حرب الإبادة على غزة، وترفض سلطات الاحتلال تسليمها لعائلاتهم.

ويلفت فروانة الانتباه إلى أنه خلال أغسطس/ آب الجاري كشفت صحيفة هآرتس العبرية أن عدد الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل يُقدر بنحو 1700 جثمان يعود لفلسطينيين.

آلاف الجثامين المحتجزة من غزة

وتزايد بشكل ملحوظ عدد الجثامين التي يحتجزها الاحتلال لشهداء من أبناء قطاع غزة، وتحديدًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بعدما اندلعت الحرب الإسرائيلية في القطاع، والتي تجاوز عدد ضحاياها حتى الآن حاجز الـ73 ألف شهيد.

ومن جانبه، يقول حسن بكر قنيطة، مدير هيئة شؤون الأسرى والمحررين في قطاع غزة، إن “احتجاز جثامين الشهداء هي العنوان الأكبر للجريمة المنظمة والشكل الأبشع لدولة الاحتلال التي تصر على أن تتسابق به نحو الفاشية الحديثة، بل وتأخذ دور الريادة في القتل والتنكيل بجثث الفلسطينيين واختطافها وتشتيت معالم إنسانيتها ما بين مقابر الأرقام وما بين ثلاجات الموتى، كما تركت بعض الجثامين تنتهك حرمتها الآدمية وتؤكل من قبل الحيوانات البرية والكلاب والقطط والقوارض وغيرها”.

اقرأ أيضا: تشكيل بيراميدز في مواجهة أبو قير للأسمدة

 ويضيف قنيطة لـ”بوابة أخبار اليوم”، أن جزءًا كبيرًا من الجثامين اندثر وجزء آخر اختُطف من قبل سلطات الاحتلال قبل استخدام جزء كبير منها كدروع بشرية لاقتحام الأبنية السكنية في قطاع غزة.

ويؤكد قنيطة أن تعداد الجثامين المحتجزة يقدر بالآلاف خلاف ما يفصح عنه الاحتلال ويدعى أن لديه فقط 1700 جثمان فلسطيني من قطاع غزة، مضيفًا: “نحن نقدر العدد أكبر بكثير خاصةً وأن لدينا آلاف المفقودين الذين لا أثر لهم، ونحن نجزم أنه تم قتلهم بدمٍ بارد لحظه الاعتقال”.

ويشير قنيطة إلى أن الاحتلال أثناء عملية تبادل الأسرى الأخيرة (ضمن بنود المرحلة الأولى لاتفاق وقف الحرب في غزة) قام بتسليم ما يقرب من 345 جثمانًا مجهول الهوية مسروق الأعضاء، مضيفًا أن “التقديرات لدينا تفوق ما اعترف به الاحتلال، والذى سيبقى يتحين الفرص للإفراج عنهم بشكل خفى حتى يتمكن من الهروب من التبعات القانونية وراء جريمة الإخفاء المتعمد للجثامين”.

ورقة مساومة

وتحتجز إسرائيل جثامين الشهداء الأسرى، خاصةً الأسماء البارزة منهم لاستخدامها كورقة مساومة في أي مفاوضات مع الفلسطينيين، خاصةً تلك المفاوضات التي تتعلق بمسألة تبادل الأسرى.

ومن أبرز الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل جثمان يحيى السنوار، رئيس حركة “حماس”، الذي استشهد في غزة في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وقد نُقل وقتها عن مسؤول أمني رفيع في إسرائيل قوله إنه “ليس من الواضح في هذه المرحلة ما الذي سيجري فعله بجثة السنوار، إن كانت سيُدفن في مقبرة سرية أو يُوضع في ثلاجة، لكن المؤكد أن الجثة ستُستخدم بصفتها ورقة مساومة في المفاوضات المستقبلية على تبادل الأسرى الإسرائيليين”.

ويؤكد مدير هيئة الأسرى في غزة، في حديثه لـ”بوابة أخبار اليوم”، أن جثامين الشهداء والقادة هي محل مساومة للاحتلال، منوهًا إلى أنه صرح بذلك أكثر من شخصية قيادية في الاحتلال أبرزها وزير الحرب يسرائيل كاتس ووزير الأمن الداخلي المتطرف إيتمار بن غفير.

ويستطرد قنيطة قائلًا: “حتى أن محكمة الاحتلال أوصت في فترة سابقة بالإفراج عن جثمان الأسير وليد دقة، الذى أمضى ما يقرب من 38 عامًا في سجون الاحتلال، فما بالنا بقيادة يعتبرها الاحتلال أنها قادة المقاومة لذا احتجاز جثامينهم هو فصل آخر من فصول انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني وتأكيد على أن الفاشية الحديثة تتجسد بدولة الاحتلال وقادته”.

اقرأ أيضا: عماد النحاس يعلن تشكيل المصري أمام ذئاب الجبل

‫0 تعليق

اترك تعليقاً