فتحت واقعة مدرسة «جلوبال باراديم» ملفًا بالغ الحساسية، يتجاوز حدود واقعة الاحتيال المالي إلى اختبار حقيقي لمدى إحكام منظومة حماية البيانات والائتمان، وقدرتها على منع استخدام المستندات الشخصية للمواطنين في الحصول على تمويلات دون علمهم أو موافقتهم.
اقرأ أيضا: توتنهام يعلن رسميًا ضم عمر مرموش ..واللاعب يرتدي القميص 22
ويأتي توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإحالة الواقعة إلى جهات التحقيق، وفحص أي وقائع مماثلة، ليؤكد أن التعامل مع القضية لا يقتصر على محاسبة المسؤولين عنها، وإنما يمتد إلى كشف أوجه القصور التي سمحت بحدوثها، وتحديد المسؤوليات في مختلف حلقات المنظومة.

وتكتسب التوجيهات الرئاسية أهمية خاصة في ظل حجم الواقعة وما كشفت عنه من مديونيات وعقود تمويل منسوبة إلى مئات من أولياء الأمور، بما يستدعي تحقيقًا شاملًا يحدد كيفية انتقال بيانات المواطنين من حيازتهم المشروعة إلى استخدامها في معاملات مالية لم يطلبوها، ويفحص مدى الالتزام بقواعد التحقق من هوية العملاء وصحة التوقيعات والمستندات قبل إتمام عمليات التمويل.
◄ كيف تم اكتشاف الواقعة؟
بمحض الصدفة، توجهت إحدى أولياء الأمور إلى بنك لعمل بطاقة ائتمانية “كريديت كارد”، لتفاجأ بوجود مديونية وقرض تعليمي مسجل باسمها بمبلغ 700 ألف جنيه دون علمها. فور انتشار الخبر بين الأسر، قام أولياء الأمور بفحص سجلاتهم الائتمانية واكتشفوا الكارثة، فتقدموا ببلاغات رسمية لقسم شرطة التجمع الأول والنيابة العامة لتضررهم من إدراج ديون وقروض عليهم.
قبل عدة أشهر، طلبت إدارة المدرسة من أولياء الأمور، تقديم صور من بطاقات الرقم القومي بحجة “تحديث البيانات” داخل قسم شؤون الطلاب.
وتعاقد رئيس مجلس إدارة المدرسة مع إحدى شركات التمويل الاستهلاكي المرخصة للحصول على تمويلات تعليمية. قامت شركة التمويل بتفويض المدرسة للقيام بـ”إجراءات التعرف على العميل” (العناية الواجبة) في مخالفة صريحة لقواعد الرقابة المالية.
استغلت المدرسة هذا التفويض وقدمت صور البطاقات ووقعت عقوداً نيابة عن الأهالي، وبلغ إجمالي العقود المزورة 839 عقداً شملت 619 ولي أمر، وهناك أفراد وقع بأسمائهم أكثر من عقد .

◄ التحركات الرسمية
ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مالك المدرسة، وبمواجهته اعترف بالواقعة، وأمرت النيابة العامة بـ حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات.
واستجابة لمطالب أولياء الأمور، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإحالة الواقعة بالكامل إلى جهات التحقيق وفحص أي وقائع مماثلة لمنع تكرارها إستجابة لمناشدة الأهالي.
كما قرر وزير التعليم، وضع المدرسة فوراً تحت الإشراف المالي والإداري لضمان استقرار الدراسة وحماية حقوق الطلاب. وتدخلت الهيئة العامة للرقابة المالية فوراً بالتنسيق مع شركة “آي سكور” لـ محو وإزالة كافة المديونيات والآثار السلبية الناتجة عن هذه القروض من السجلات الائتمانية للأهالي المتضررين، مع إحالة شركة التمويل للتحقيق والمحاسبة.
◄ تواطؤ داخل جهات التمويل وسقوط الأقنعة
من جانبه يوضح الخبير القانوني سامي البوادي أن تلك الواقعة لم تتم لولا التسهيل والتواطؤ المباشر من موظفي جهة التمويل، الذين أثبتوا على خلاف الحقيقة حضور أولياء الأمور (أصحاب الأرقام القومية المستغلة) وتوقيعهم أمامهم. هذا التواطؤ مكن مدير المدرسة من الاستيلاء على أموال جهة عمل الموظفين، وتوريط أولياء الأمور في مديونيات باطلة بطلاناً مطلقاً.
وأكد أن الواقعة لا تقتصر على كونها جنحة نصب عادية، بل هي جريمة مركبة تفتح أبواب المحاكم الجنائية والاقتصادية ضد المتورطين على النحو التالي:
◄ جنايات وجنح
وحسب الخبير القانوني، يواجه مدير المدرسة اتهامات باصطناع عقود التمويل وتزوير التوقيعات عليها، واستغلال المستندات التي اؤتمن عليها للاحتيال وسلب أموال جهات التمويل وفقاً للمواد “211، 212، 214، 215، 336” من قانون العقوبات.

وتابع: «ليس هذا فحسب بل ما فعله مدير المدرسة بعد مخالفة صريحة لـ قانون حماية البيانات الشخصية (رقم 151 لسنة 2020)لاستغلال بيانات الرقم القومي لأولياء الأمور دون موافقتهم لتحقيق منفعة مالية، وهي جريمة عقوبتها الحبس وغرامة تصل إلى مليون جنيه».
وأكد أن مخالفة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)، في حال استخدام تطبيقات البنوك أو إرسال صور البطاقات عبر “واتساب” أو البريد الإلكتروني، مما يشكل جريمة “احتيال إلكتروني” وانتهاكاً لحرمة الحياة الخاصة.
اقرأ ايضا| من يراقب ومن يتحمل المسؤولية؟.. «جلوبال بارادايم» تكشف فخ التمويل الاستهلاكي
وكشف عن أن قيام المدير بجمع هذه الأموال وتدويرها واستثمارها دون ترخيص يعد جناية في توظيف الأموال ومخالفة قانون البنك المركزي ويضعه تحت طائلة القانون رقم 146 لسنة 1988 (قانون توظيف الأموال)، والمادة (31) من قانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020 التي تحظر مزاولة أعمال البنوك أو منح الائتمان لغير الجهات المرخصة، وتصل عقوبتها إلى السجن وغرامات بملايين الجنيهات.
◄ جرائم العدوان على المال العام
يشير «البوادي» إلى أن القانون وصف تلك الجريمة بأنها «جناية» وتسهيل استيلاء على المال العام وتوظيف أموال وهو ما نقل الاختصاص الأصيل والحصري إلى نيابة الشئون المالية والتجارية ونيابة الأموال العامة العليا. ويتيح ذلك اتخاذ تدابير احترازية فورية وصارمة ضد المتهمين تشمل، تتبع حركة الأموال للوقوف على شبهة «غسل الأموال» وقد يتم إصدار قرارات عاجلة بالمنع من السفر والمنع من التصرف في الأموال، حسب ما تراه النيابة وفقا للتحقيقات.
◄ براءة ذمة أولياء الأمور
ويؤكد الخبير القانوني، على أن الذمة المالية لأولياء الأمور «المجني عليهم» تعتبر بريئة تماماً بقوة القانون وتحريات الجهات الرقابية، وذلك لانتفاء علمهم أو موافقتهم أو اشتراكهم في هذه الواقعة الإجرامية.

اقرأ ايضا| في بيان رسمي.. مدرسة جلوبال تكشف تفاصيل أزمة القروض التعليمية
وفي سياق متصل، تجيب سهر الدماطي نائب رئيس بنك مصر السابق، عن تساؤلات ملحة حول مدى دقة وموثوقية إجراءات منح التمويل خارج الأطر المصرفية الكلاسيكية. وتسليط الضوء على الفوارق الجذرية بين الائتمان التقليدي وتحديات التمويل الاستهلاكي المستحدث.
اقرأ أيضا: أول تعليق لـ”عمر مرموش” بعد انتقاله إلى توتنهام
◄ التمويل التقليدي
استهلت «الدماطي» قراءتها بتوضيح طبيعة التمويل الطبيعي والأكاديمي، مبينة أنه يقوم على علاقة مباشرة وواضحة المعالم بين المُموِّل (البنك) والعميل، سواء كان فرداً أو كياناً تجارياً أو صناعياً أو عقارياً.
وأكدت أن هذا النظام، الذي استقر عبر عقود مستنداً إلى منشورات وقواعد صارمة أصدرها البنك المركزي وخبرات متراكمة تمتد لعقود في تدريس وخدمة الائتمان، يُعد نظاماً محكماً وثابتاً نادراً ما تعتريه مشكلات جوهرية نظراً لوضوح آلياته ومعاييره المعتمدة.
◄ قروض التجزئة المصرفية
بالانتقال إلى قطاع التجزئة المصرفية، مثل قروض السيارات والتمويل الشخصي، أوضحت نائب رئيس بنك مصر السابق، أن العملية تخضع لدارسة ائتمانية دقيقة تعتمد على إثبات مصادر السداد كتابةً وليس بالأقوال، مع إخضاع العميل لفحص شامل لموقفه الائتماني وقروضه القائمة.
وأشارت إلى وجود حدود صارمة ومدروسة، حيث لا يُسمح بإجمالي الالتزامات وبطاقات الائتمان مقارنة بالموارد الشخصية بأن تتجاوز نسبة 35%، وترتفع تلك النسبة بحد أقصى إلى50% في حال وجود تمويل عقاري قائم، مما يضمن قدرة العميل الفعلية على الوفاء بالتزاماته.
◄ التمويل الاستهلاكي الرقمي
على الصعيد الآخر، وصفت الدماطي التمويل الاستهلاكي الحديث بأنه “قصة أخرى كلياً”، حيث يعتمد بصورة شبه كاملة على الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري مباشر.
وأكدت أن هذا النمط يتمثل في لجوء المواطنين إلى شركات التكنولوجيا المالية للحصول على سلع استهلاكية معينة عبر تطبيقات رقمية، حيث يقتفي النظام أثر السجل الائتماني للعميل عبر الاستعلام من خلال الشركة المصرية للاستعلام الائتماني (آيسكور) للتحقق من السوابق والموقف المالي، ليصدر النظام الموافقة وقيمة التمويل آلياً دون تسليم أموال نقدية بل سلع عينية، يرافقها جدول سداد وعقد ملزم يوقعه العميل.
◄ ثغرات في أمان البيانات ومخاطر التورط غير المخطط
رغم كفاءة الأنظمة الرقمية، حذرت «الدماطي» من وجود إشكالية استثنائية تتعلق بنقص الضوابط في بعض مسارات التمويل الاستهلاكي.

وضربت نائب رئيس بنك مصر السابق، مثالاً بما يتردد عن استغلال صور البطاقات الشخصية المقدمة لبعض الجهات -مثل المدارس لملفات الطلاب- في معاملات ائتمانية عبر تطبيقات التمويل الاستهلاكي، متساءلة عن كيفية إتمام هذه العمليات دون التحقق من الأصل أو استيفاء التوقيع الفعلي على العقود، لا سيما حين يفاجأ أولياء الأمور بوجود مديونيات ضخمة وقروض لا علم لهم بها تم توجيهها لسداد المصروفات الدراسية.
وفي تعقيبها على هذه الظاهرة، أوضحت «الدماطي» أن الأزمة تشترك فيها أطراف عدة، مستبعدة تماماً إمكانية تحميل ولي الأمر المسؤولية الكاملة دون وجود عقود موقعة وموثقة تثبت علمه ورضاه عن قروض طائلة قد تصل مبالغها إلى مئات الآلاف من الجنيهات بخلاف الفوائد.
واختتمت الخبيرة المصرفية بالتأكيد على أن المنظومة تتطلب مزيداً من الحوكمة والتدقيق الرقابي لضمان حماية بيانات المواطنين، ومنع إساءة استخدام المستندات الشخصية في تعاملات مالية ومصرفية تتم دون علم أصحابها.
اقرأ أيضا: محافظ القليوبية يدشن المرحلة الثانية للنقل الجماعي لربط المحافظة بالقاهرة الكبرى