مثلت التخصصات الدقيقة والتدخلات الطبية المعقدة التي ظهرت داخل مستشفيات الأقصر خلال الفترة الأخيرة، خطوات لافتة في تطوير الخدمات الطبية والعلاجية المقدمة للمواطنين، وقلصت إلى حد كبير لجوء أبناء المحافظة إلى تكبد مشقة السفر وتكاليفه الباهظة بحثًا عن فرصة علاج في المراكز الطبية المتخصصة بالقاهرة والمحافظات الأخرى.
اقرأ أيضا: مسجد المعيني بدمياط سبعة قرون من العلم والعبادة تحكي عبقرية المماليك
ومع اتساع نطاق هذه الخدمات وتعدد التخصصات والمنشآت، وجدت هيئة الرعاية الصحية بالأقصر نفسها أمام تحدٍ لا يقل أهمية عن إضافة الخدمة نفسها كيف تحافظ على ما تحقق، وتضمن استمرار الخدمة بالمستوى نفسه من الجودة والانتظام؟
اقرأ أيضا| نائب مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بالأقصر يتابع الخدمات الطبية للجمهور
فنجاح المنظومة في إضافة خدمة أو إجراء تدخل طبي متقدم لا يكتمل بمجرد تشغيله؛ وإنما يبدأ التحدي الحقيقي من لحظة التشغيل، حين يصبح الحفاظ على مستوى الخدمة وضمان انتظامها واستمرار جودتها مسئولية يومية، خصوصًا مع اتساع قاعدة المنتفعين وتعدد المنشآت والتخصصات.
ومن أجل ذلك، بحثنا مع الدكتور أحمد الملاح، رئيس فرع هيئة الرعاية الصحية بالأقصر، عن الضوابط التي تضمن استمرار هذا النجاح، وكيف تتابع الهيئة أداء منظومتها وتكتشف أوجه القصور قبل أن تتحول إلى مشكلة لدى المواطن.
وخلال الحوار تكشفت لنا قصة أخرى تجري خلف الخدمات التي يراها المواطن داخل المستشفى، قصة “العين الإلكترونية” التي ترصد انتظام العمل، وتلتقط مؤشرات الخلل، وتضعها أمام المسئول لتحليل أسبابها والتعامل معها. وأوضح الملاح أن النظام الإلكتروني يتيح للهيئة متابعة انتظام العيادات ومواعيد تقديم الخدمة، بحيث تظهر البيانات الخاصة بالمنشأة والعيادة والطبيب وموعد الزيارة والموعد المحدد لبدء العمل، إلى جانب الوقت الفعلي لبدء العيادة.
ولا تتعامل الهيئة مع تسجيل تأخر العيادة باعتباره إدانة تلقائية لمقدم الخدمة، وإنما تبدأ بتحليل السبب؛ هل يعود إلى تأخر الطبيب، أم إلى عدم حضور المريض في موعده، أم إلى عطل أو مشكلة في النظام الإلكتروني أو سبب آخر؟ وبعد تحديد السبب، تتخذ الإجراءات المناسبة لمعالجته.
وأضاف الملاح بأن هذه المؤشرات تُراجع بصورة أسبوعية وشهرية، وعندما تكشف البيانات عن مشكلة متكررة تبدأ الإدارات المختصة في تحليلها والبحث عن أسبابها، سواء كان الأمر متعلقًا بعدم التزام مقدم الخدمة أو بعائق تشغيلي يحتاج إلى تدخل.
ولا تقف المتابعة عند انتظام العيادات، وإنما تمتد إلى شكاوى المنتفعين، وتوافر الأدوية والمستلزمات، وأداء المستشفيات، فضلًا عن مؤشرات جودة الخدمة الطبية ورضا المنتفعين.
وأشار الملاح إلى أن تقييم جودة الخدمة يعتمد كذلك على مؤشرات طبية، من بينها نسب الوفيات وإعادة دخول المرضى؛ فإذا خرج مريض من المستشفى ثم عاد إليها خلال 24 ساعة، تتم مراجعة الحالة لمعرفة أسباب إعادة الدخول وما إذا كان الأمر يستدعي التدخل أو المراجعة.
وتتوزع مسئولية الرقابة بين أكثر من مستوى داخل المنظومة؛ فمديرو المستشفيات والوحدات والمراكز يتابعون أداء المنشآت، بينما تعمل إدارات أخرى على مراجعة الشكاوى ومؤشرات الأداء وتوافر الأدوية والمستلزمات.
وتبرز في هذا السياق إدارة المراجعة الداخلية والحوكمة، التي تتبع رئيس الهيئة ولا تتبع الإدارة التنفيذية للفرع، بما يتيح لها فحص أوجه القصور والمخالفات ورفع نتائج المراجعة إلى المستوى الأعلى. كما تتولى إدارة النظم والتحول الرقمي تشغيل وتأمين النظام الإلكتروني واستخراج التقارير التي تعتمد عليها الإدارات في متابعة الأداء واتخاذ القرار.
وفي ملف الدواء، تمتد المتابعة إلى المخزون والصرف وتوافر المستلزمات، مع إمكانية إعادة توزيع الأدوية بين فروع الهيئة عند الحاجة، إلى جانب الاستعانة بالصيدليات الخاصة المتعاقدة مع منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يحد من تأثير أي نقص في منشأة على حصول المنتفع على علاجه.
وبذلك لا تصبح الرقابة مجرد انتظار لشكوى المواطن، وإنما تتحول البيانات اليومية إلى مؤشرات تكشف مواطن الخلل، وتدفع الإدارة إلى البحث عن أسبابها قبل أن تتسع.
وبينما يرى المواطن الخدمة الطبية في صورتها النهائية داخل العيادة أو المستشفى، تعمل خلفها منظومة أخرى من المتابعة والقياس والتحليل؛ هدفها ألا يكون النجاح الذي تحقق في إضافة الخدمات والتخصصات المتقدمة نجاحًا عابرًا، وإنما خدمة مستقرة قابلة للقياس والمراجعة والتطوير.
اقرأ أيضا: ضبط هارب من المؤبد في ميت غمر