في قلب الحي التجاري القديم بمدينة دمياط يقف مسجد المعيني شامخا كأحد أقدم الشواهد الحية على عظمة العمارة الإسلامية في مصر وأكثرها ارتباطا بتاريخ المدينة وذاكرتها، فالمسجد الذي تجاوز عمره سبعة قرون لم يكن يوما مجرد مكان للصلاة وإنما كان منارة للعلم والفقه وملتقى لطلاب المعرفة وظل شاهدا على قدرة الإنسان المصري على صناعة عمران يجمع بين جمال الفن وقوة البناء وعمق الرسالة الدينية.
اقرأ أيضا| إحباط ترويج 8 أطنان معسل «مضروب» داخل مصنع بدون ترخيص بدمياط
ويرتبط المسجد باسم التاجر الدمياطي محمد بن معين الفارسكوري الذي أنشأه في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة 710 هجرية الموافق 1310 ميلادية ويعرف أيضا باسم مدرسة ومسجد المعيني أو المدرسة المعينية ويعد من أبرز العمائر الإسلامية الباقية في دمياط لما يجمعه من قيمة تاريخية ودينية وعلمية ومعمارية وما يحمله من تفاصيل مملوكية نادرة جعلته جزءا أصيلا من ذاكرة المحافظة وتراثها الحضاري.
منذ أكثر من سبعة قرون ظل مسجد المعيني شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ دمياط فقد نشأ ليجمع بين العبادة والعلم وأصبح مدرسة يقصدها طلاب المعرفة لتلقي العلوم الشرعية ودراسة المذاهب الفقهية الأربعة المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي وهو ما منحه مكانة علمية تجاوزت حدود كونه جامعا لإقامة الصلاة إلى كونه مؤسسة تعليمية أسهمت في نشر العلم والفقه داخل المدينة.
وتكشف عمارة المسجد عن جانب آخر من عبقرية ذلك العصر حيث يقوم تخطيطه على صحن مفتوح تحيط به أربعة إيوانات ويأتي إيوان القبلة في مقدمتها بينما تحمل الأسقف الخشبية زخارف دقيقة تعكس مهارة الصناع والفنانين في العصر المملوكي كما تتميز أرضية الصحن بتكوينات فسيفسائية ورخامية تضيف إلى المكان قيمة فنية استثنائية وتمنح الزائر إحساسا بأنه يقف داخل صفحة حية من تاريخ العمارة الإسلامية.
وتبرز المقصورة الخشبية المحيطة بالضريح كواحدة من أهم عناصر المسجد الفنية بما تحمله من تفاصيل مستوحاة من فن المشربيات العربية إلى جانب المنبر التاريخي الذي يمثل شاهدا على براعة فن النجارة الإسلامية ويؤكد أن المسجد لم يكن مجرد مبنى ديني وإنما منظومة متكاملة من العمارة والزخرفة والفنون التي ظلت تقاوم عوامل الزمن.
وتزداد خصوصية مسجد المعيني بسبب موقعه وطبيعة إنشائه فقد كان قريبا من مجرى النيل عند تشييده وأقيم فوق قناطر بما يتناسب مع طبيعة المنطقة المائية آنذاك ولا يزال أسفل المبنى قبو وفراغ فسيح يكشف عن حلول هندسية مبتكرة استخدمها البناؤون للحفاظ على استقرار المبنى في بيئة كانت تتأثر بمياه النيل وهو ما يعكس تقدما لافتا في الفكر الإنشائي لدى معماريي ذلك العصر.
ومع مرور القرون تعرض المسجد لعوامل الزمن وتوقفت المدرسة عن أداء دورها التعليمي كما أغلق المسجد لفترات قبل أن تمتد إليه يد الترميم ففي عام 2007 بدأ مشروع شامل لترميمه وتطويره تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار واستمرت الأعمال حتى عام 2009 بتكلفة بلغت نحو 13 مليون جنيه ليعاد افتتاحه أمام المصلين في 20 يوليو 2009 الموافق 27 رجب 1430 هجرية.
وأعادت أعمال الترميم للمسجد جانبا كبيرا من رونقه التاريخي وحافظت على عناصره المعمارية والفنية وأبرزت جمال الصحن والإيوانات والأخشاب والزخارف ليعود المسجد من جديد بيتا من بيوت الله ومعلما أثريا نابضا بالحياة وليس مجرد مبنى محفوظ خلف جدران التاريخ.
اقرأ أيضا: ضبط هارب من المؤبد في ميت غمر
وتكمن أهمية مسجد المعيني اليوم في أنه يجمع بين قدسية المكان وقيمة الأثر وذاكرة المدينة فهو يمنح أبناء دمياط والأجيال الجديدة فرصة حقيقية للتعرف على جانب من تاريخ مدينتهم كما يمثل مقصدا مهما للزائرين والمهتمين بالتراث الإسلامي ويؤكد أن الحفاظ على الآثار ليس حفاظا على الحجارة فقط وإنما حماية لذاكرة المجتمع وهويته الثقافية والحضارية.
ويبقى مسجد المعيني واحدا من أهم العلامات المميزة لدمياط القديمة فمن بين جدرانه مرت أجيال من المصلين وطلاب العلم ومن فوق أخشابه وزخارفه ترك المماليك بصمتهم المعمارية ومن صحنه وإيواناته امتدت رسالة العلم والعبادة واليوم يواصل المسجد أداء رسالته الدينية بعد أن عاد إلى الحياة بفضل جهود الترميم ليظل شاهدا على أن التراث الحقيقي لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما يبقى حيا حين يحتضنه المجتمع ويحافظ عليه.
مسجد المعيني بدمياط ليس أثرا صامتا وإنما ذاكرة حية عمرها أكثر من سبعة قرون تحكي قصة مدينة جمعت بين التجارة والعلم والدين والعمران وتقدم للأجيال درسا واضحا في قيمة الحفاظ على التراث فكل حجر فيه يحمل حكاية وكل زخرفة تروي جانبا من عبقرية الماضي وكل صلاة تقام بين جدرانه تؤكد أن المكان الذي جمع العلم والعبادة طوال قرون ما زال قادرا على أن يربط حاضر دمياط بتاريخها ويمنح أبناءها جسرا ممتدا بين الماضي والحاضر والمستقبل.
اقرأ أيضا: إخلاء سبيل فتاة متهمة بالابتزاز والتشهير في كفر الشيخ بكفالة 100 ألف جنيه