أبعد من الجدل اللاهوتي.. كيف قرأ أدباء أوروبا المولد والرسالة؟ | ثقافة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

من نبع صغير في أعالي الجبال إلى نهر يحمل “إخوته” نحو البحر، ومن رجل رأى فيه كارلايل صدقا يتجاوز اتهامات الخديعة، إلى نبي يستحضره فيكتور هوغو في لحظة الشيخوخة والموت، هكذا دخل محمد ﷺ إلى نصوص ثلاثة من كبار أدباء أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

اقرأ أيضا: يوم الإنزال الاقتصادي | سياسة

ينتمي غوته وكارلايل وهوغو إلى بيئات ولغات وتجارب أدبية مختلفة، لكن نصوصهم تلتقي عند لحظة لافتة هي الاقتراب من شخصية النبي والرسول عبر الشعر والفكر والتاريخ، بعيدا عن الاقتصار على السجال الديني الذي طبع جانبا من التلقي الأوروبي السابق.

في “نشيد محمد” اختار غوته الماء استعارة للرسالة وانتشارها، وفي “البطل في صورة نبي” جعل كارلايل الصدق والإخلاص مفتاحا لفهم الشخصية المحمدية. أما هوغو، ففي “السنة التاسعة للهجرة” اختار النبي في سنواته الأخيرة، مهيبا أمام الموت، لتتحول لحظة الرحيل إلى تأمل في بقاء الرسالة.

ديوان الشرق والغرب المصدر: ملكية عامة (Public Domain)
ديوان الشرق والغرب – المصدر: ملكية عامة (Public Domain)

ثلاثة نصوص، وثلاثة مسارات أدبية، وثلاث صور لمحمد ﷺ، تفتح تساؤلا يتجاوز الإعجاب الأدبي نفسه: كيف قرأ هؤلاء الأدباء النبي؟ وماذا تكشف قراءاتهم عن صورة الإسلام في المخيال الأوروبي؟

حين تحولت الرسالة إلى نهر

في مطلع شبابه، كتب يوهان فولفغانغ فون غوته “نشيد محمد”، ضمن مشروع مسرحي عن النبي لم يكتمل. ولم يختر الشاعر أن يعيد بناء السيرة أو يصف شخصية محمد ﷺ وصفا مباشرا، بل بحث عن صورة تختصر ظهور الرسالة واتساع أثرها.

Johann Wolfgang von Goethe, August 28, 1749 - March 22, 1832, was a German writer and statesman, Historical, digitally restored reproduction of an original from the 19th century (Photo by: Bildagentur-online/Universal Images Group via Getty Images)
يوهان فولفغانغ فون غوته (28 أغسطس/آب 1749-22 مارس/آذار 1832) كان كاتبا ورجل دولة ألمانيا (غيتي)

ويرى الباحث والناقد المغربي حسن الطالب -في حديث للجزيرة نت- أن أبرز ما يميز القصيدة هو ابتعاد غوته عن الوصف المباشر للنبي أو سرد سيرته ومناقبه، واختياره الماء صورة لمسار الرسالة وانتشارها. يبدأ النص بنبع صغير يتفجر من بين الصخور في أعالي الجبال، صافيا ومشرقا، ثم يمضي في طريقه، قبل أن تلتحق به الجداول واحدا تلو الآخر، حتى يتحول إلى نهر يحمل معه “إخوته” نحو المحيط.

وفي قراءة الطالب، ترمز هذه الجداول إلى البشر الذين استجابوا للدعوة، في حين يجسد اتساع النهر قوة الرسالة وهي تنتقل من إنسان إلى آخر ومن مكان إلى آخر. وهكذا يتحول النبع تدريجيا إلى نهر عظيم يحمل معه ما التحق به في مسيرته نحو المحيط.

ولا تظهر قيمة الصورة في جمالها الشعري فقط، بل في الطريقة التي يختار بها غوته التعبير عن الرسالة من خلال أثرها. فالنبي لا يظهر عبر وصف مباشر، وإنما من خلال الحركة التي تحدثها الدعوة في العالم، من نبع صغير إلى مجرى واسع تتجمع حوله الجداول.

عبد الغني بلوط_ الأكاديمي والباحث المغربي حسن الطالب
الأكاديمي والباحث المغربي حسن الطالب (الجزيرة)

الصدق أساس البطولة

بعد عقود، اختار توماس كارلايل طريقا مختلفا. ففي محاضرته “البطل في صورة نبي”، ضمن كتابه “الأبطال وعبادة البطولة” عام 1840، وضع محمد ﷺ في قلب رؤيته لفكرة البطل وصانع التاريخ.

وتوضح الباحثة والناقدة الجزائرية نسيمة زمالي -في تصريح للجزيرة- أن كارلايل جعل الصدق والإخلاص جوهر هذه البطولة، ورفض تفسير ظهور الإسلام بالسيف أو الخديعة أو الصدفة التاريخية.

عبد الغني بلوط_ الأكاديمية والباحثة الجزائرية نسيمة زمالي
الأكاديمية والباحثة الجزائرية نسيمة زمالي (الجزيرة)

ويستند كارلايل في دفاعه عن الرسول إلى حجة بسيطة لكنها قوية، فإذا كان الرجل الكاذب لا يستطيع بناء بيت من الطوب دون معرفة خصائص مواده، فكيف يستطيع أن يبني أمة ويؤسس دينا يدوم أثره قرونا؟ ومن خلال هذه الحجة، ينتقل كارلايل من مجادلة الاتهام بالخديعة إلى الاستدلال بما أحدثته الرسالة من أثر تاريخي وحضاري.

وترصد زمالي ثلاثة عناصر أساسية في رؤية كارلايل، تشمل الصدق الجوهري، وتأثير الرسالة في تحويل العرب إلى قوة تاريخية امتدت من الهند إلى الأندلس، ثم البساطة الشخصية للنبي الذي كان يخصف نعله ويرقع ثوبه بنفسه رغم مكانته.

وتتصل هذه العناصر في تصور كارلايل، فالصدق يفسر التأثير، والتأثير يكشف عن البطولة، بينما تصبح البساطة الشخصية دليلا إضافيا على غياب التصنع والزيف. وهكذا يتحول محمد عند كارلايل من شخصية في سجال ديني إلى نموذج للبطل الذي يترك أثرا عميقا في التاريخ.

غلاف ترجمة كتاب الأبطال
غلاف ترجمة كتاب الأبطال (الجزيرة)

النبي في مواجهة الموت

أما فيكتور هوغو فاختار مدخلا مختلفا تماما. ففي قصيدته “السنة التاسعة للهجرة”، لا يستحضر النبي في صورة الفاتح أو القائد المنتصر، وإنما في سنواته الأخيرة، حين بلغ الثالثة والستين واقترب من الموت.

ويرى الأكاديمي والباحث المغربي عبد النبي ذاكر -في تصريح للجزيرة- أن صورة النبي في القصيدة تتشكل من عناصر متداخلة، تجمع النبوة والحكمة والزهد والشيخوخة والموت. ويشير إلى أن هوغو يلتقط محمدا ﷺ في لحظة متأخرة من حياته، مهيبا أمام الناس، مستشعرا دنو أجله، في صورة تجمع بين العظمة والمصير الإنساني.

عبد الغني بلوط_ الأكاديمي والباحث المغربي عبد النبي ذاكر
الأكاديمي والباحث المغربي عبد النبي ذاكر (الجزيرة)

ويُبرز ذاكر خصوصا التفاصيل التي يبني بها هوغو هذه الصورة، ويصوره هوغو وهو يهرم يوما بعد يوم، مع أن في لحيته السوداء نحو عشرين شعرة بيضاء فقط. وهذه المفارقة بين أثر الشيخوخة الظاهر وقلة الشيب تضيف إلى الشخصية وقارا إنسانيا، وتضعها في المسافة الفاصلة بين القوة الروحية وفناء الجسد.

وتبلغ القصيدة ذروتها في خاتمتها:

“فجرى ارتعاش على صدغيه،

وفتح نَفَسٌ شفتَه،

اقرأ أيضا: إيران مباشر.. عراقجي يدعو لرفض العقوبات وضغوط أمريكية لتفتيش المواقع النووية

ومات محمد”.

ومن خلال هذه النهاية، يمكن قراءة القصيدة باعتبارها انتقالا من الشخص إلى الرسالة، فموت الرسول لا يعني -في البناء الشعري- نهاية الأثر الذي تركه.

ويرى ذاكر أن هوغو لا يقدّم محمدا بوصفه مجرد شخصية تاريخية أو “آخر شرقي”، وإنما يعيد تخييله شعريا في صورة إنسانية ذات أبعاد تتجاوز حدود الثقافة والجغرافيا.

وهنا يميز ذاكر بين مستويين في الصورة: محمد التاريخي كما استقر في الذاكرة الإسلامية، ومحمد كما أعاد هوغو تشكيله داخل الحساسية الرومانسية الفرنسية. ولذلك تصبح القصيدة تمثيلا أدبيا للنبي أكثر من كونها إعادة لكتابة السيرة النبوية.

غلاف كتاب فيكتور هوغو والإسلام
غلاف كتاب فيكتور هوغو والإسلام (الجزيرة)

من الإعجاب الأدبي إلى الحوار الثقافي

تقدّم النصوص الثلاثة ثلاث طرق مختلفة للاقتراب من النبي، لكن هذه الاختلافات تلتقي في انتقال مهم، من صورة محمد ﷺ باعتباره موضوعا للسجال الديني إلى قراءته من خلال الشعر والتاريخ والأخلاق والإنسان.

وهنا يوسع عبد النبي ذاكر دائرة النظر إلى ما هو أبعد من هوغو. فهو يرى أن الإعجاب بالرسول ليس حادثة أدبية معزولة، لكنه يتحفظ في الوقت نفسه من الحديث عن تيار أوروبي متصل ومتماسك، إذ استمرت صور التشويه والسجال الديني إلى جانب هذه القراءات.

ويشير ذاكر إلى أن هذا المسار أصبح أوضح منذ أواخر القرن الثامن عشر، ثم تبلور خلال الرومانسية الأوروبية، فأخذت صورة محمد تنتقل تدريجيا من موقع “الخصم العقدي” إلى فضاءات التاريخ والبطولة والأخلاق والجمال الأدبي، مع أسماء مثل هيردر الذي نظر إليه باعتباره صانع أمة وتاريخ وحضارة، وشليغل الذي اقترب منه باعتباره ظاهرة جمالية وحضارية، ولامارتين الذي رآه في كتابه “تاريخ تركيا” واحدا من عظماء التاريخ الإنساني.

ويستحضر ذاكر كذلك نابليون بونابرت خارج المجال الأدبي، باعتباره مثالا على الاهتمام السياسي بالنبي وقدرته على توحيد العرب وتغيير مجرى التاريخ. لكن هذه التحولات لا تعني أن أوروبا انتقلت بصورة جماعية من العداء إلى الإعجاب، بل نحن أمام مسار متقطع ومتعدد الدوافع.

بناء الجسور

بين نبع غوته الذي تحوّل إلى نهر، وصدق كارلايل الذي أصبح أساسا للبطولة، وهوغو الذي استحضر النبي في لحظة الشيخوخة والموت، تتشكل ثلاث صور مختلفة لمحمد ﷺ، كتبها ثلاثة أدباء لم يلتقوا يوما على منهج واحد ولا موقف جماعي باسم “الغرب”.

ومن هذا التنوع نفسه، يرى ذاكر أن حوارا ثقافيا مختلفا يمكن أن يبدأ. أما من زاوية القراءة النقدية، فلا ينبغي أن يكتفي الناقد العربي بالاحتفاء بهذه الشهادات أو الرد عليها، بل يمكن أن تتحول إلى مساءلة للثقافة الأوروبية نفسها عن الفارق بين ما أنتجه كبار أدبائها من صور للنبي، وما استقر لاحقا من تمثلات نمطية عن الإسلام.

اقرأ أيضا: ريال مدريد يكتسح سوسيداد برباعية في الدوري الإسباني

‫0 تعليق

اترك تعليقاً