العلاقة بين مصر والصين لا يجب أن تُقرأ باعتبارها علاقة تجارية عادية بين دولة تبيع وأخرى تشتري، هذه قراءة سطحية تظلم التحول الأعمق الذي يجري، السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم نستورد من الصين؟ بل: كيف نحول العلاقة مع الصين من سوق مفتوح إلى منصة إنتاج وتصدير وتصنيع وتكنولوجيا داخل مصر؟
اقرأ أيضا: شيخ الأزهر: فقدان الرحمة والتراحم أخطر ما يواجه الإنسان في العصر الحديث
هذا هو جوهر الشراكة الاستراتيجية، فالدول لا تكسب من الشراكات الكبرى لمجرد أنها توقع اتفاقيات أو تستقبل استثمارات، بل بقدرتها على تحويل هذه الاتفاقيات إلى مصانع، ومهارات، وسلاسل إمداد، وفرص عمل، وصادرات، ونقل معرفة، وإذا لم يحدث ذلك، تتحول الشراكة إلى تبعية ناعمة؛ نستورد أكثر، نستهلك أكثر، وندور في الدائرة نفسها، أما إذا أحسنا إدارتها، تصبح الصين واحدة من أهم بوابات مصر إلى التصنيع الحديث.
منطقة «تيدا السويس» هنا ليست مجرد منطقة صناعية، هي اختبار لفكرة أكبر: هل تستطيع مصر أن تجعل موقعها الجغرافي قوة إنتاجية لا مجرد ممر؟ مصر تملك قناة السويس، وموانئ، وقربًا من أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وسوقًا محلية كبيرة، واتفاقيات تجارية متعددة، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع النهضة، الجغرافيا تصبح قوة عندما تستقر فيها المصانع، وتدخل إليها التكنولوجيا، وتخرج منها صادرات تحمل قيمة مضافة، لا مواد خام أو منتجات بسيطة.
ولهذا فإن استقطاب رؤوس الأموال الصينية إلى قطاعات التصنيع ومواد البناء ومعدات النفط والطاقة الجديدة والسيارات والكيماويات ليس حديثا اقتصاديًا، بل جزء من إعادة تعريف موقع مصر في خريطة الإنتاج العالمي، فالعالم بعد أزمات سلاسل الإمداد لم يعد يبحث فقط عن الأرخص، بل عن الأقرب والأكثر استقرارًا والأقدر على الوصول إلى أسواق متعددة، ومصر تستطيع أن تقدم هذا كله إذا تحولت من دولة عبور إلى دولة تصنيع.
الصين لا تتحرك بدافع المجاملة، بل بدافع مصالحها، والشركات الصينية تبحث عن أسواق، وموانئ، ويد عاملة، ومزايا، ومسارات تصدير، وهذا طبيعي، و دور مصر ليست أن تشتكي من مصالح الآخرين، بل أن تجعل مصالح الآخرين تمر عبر مصالحها هي، بمعنى أوضح: لا نريد استثمارات تعمل في مصر فقط لأنها قريبة من الأسواق، بل استثمارات تخلق قاعدة إنتاج محلية، وتدرب عمالة مصرية، وترفع نسبة المكون المحلي، وتفتح باب التصدير، وتنقل جزءًا حقيقيًا من التكنولوجيا.
سياسة الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على واردات الصين من دول أفريقية تفتح نافذة مهمة أمام مصر، لكن النافذة لا تكفي إذا لم تكن لدينا بضائع قادرة على العبور منها، لا قيمة لفتح السوق الصينية إذا بقيت الصادرات المصرية محدودة أو غير قادرة على المنافسة، هنا يأتي التحدي: كيف نحول الزراعة والصناعات الغذائية والكيماويات ومواد البناء والمنتجات الهندسية إلى صادرات منظمة للسوق الصينية؟ وكيف نضمن أن مصر لا تظل مجرد مستورد كبير من الصين، بل تصبح أيضًا مصدرًا حاضرًا داخل السوق الصينية؟
الميزان التجاري لا يتحسن بالأمنيات، يتحسن عندما تكون هناك سياسة صناعية واضحة: قطاعات مستهدفة، حوافز مرتبطة بالتصدير، جودة مطابقة للمعايير الصينية، خطوط شحن مستقرة، مكاتب ترويج، واتفاقيات تفتح الباب أمام المنتج المصري فالشراكة الذكية لا تحتفل بحجم التجارة وحده، بل تسأل: من ينتج؟ من يصدر؟ من يربح؟ وأين القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري؟
في البنية التحتية، التعاون مع الصين أعطى نماذج واضحة، من منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية إلى مشروعات النقل والموانئ والطاقة، لكن البنية التحتية ليست غاية في ذاتها، المبنى ليس إنجازًا كاملًا إذا لم يتحول إلى نشاط اقتصادي، القطار ليس إنجازًا كاملًا إذا لم يربط الإنتاج بالأسواق، الميناء ليس إنجازًا كاملًا إذا لم يخدم الصناعة والتصدير، المطلوب أن تنتقل مصر من مرحلة بناء الأصول إلى مرحلة تشغيل الأصول بكفاءة اقتصادية.
وهنا تظهر أهمية الطاقة الخضراء وتخزين الطاقة، العالم يدخل عصرًا ستصبح فيه تكلفة الكربون جزءًا من تكلفة التجارة، من لا يملك طاقة نظيفة وصناعة أقل انبعاثًا سيخسر أسواقًا، خصوصًا في أوروبا، لذلك فإن التعاون مع الصين في الطاقة الشمسية والرياح وتخزين الطاقة ليس رفاهية بيئية، بل ضرورة تصديرية وصناعية، إذا استطاعت مصر أن توطن جزءًا من صناعة البطاريات ومكونات الطاقة الجديدة، فهي لا تحمي شبكة الكهرباء فقط، بل تدخل قطاعًا سيحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد الرقمي والفضاء والمدن الذكية، التعاون في الأقمار الصناعية أو البنية الرقمية لا يجب أن يبقى في حدود الصورة التكنولوجية اللامعة، قيمته الحقيقية تظهر عندما يخدم الزراعة، والمياه، والتخطيط العمراني، ومراقبة الحدود، وإدارة الكوارث، وتحسين الخدمات، التكنولوجيا ليست زينة للدولة الحديثة، بل أداة إدارة، ومن لا يملك بياناته، ولا يبني كوادره، ولا يطور بنيته الرقمية، سيبقى مستهلكًا للتكنولوجيا لا صانعًا لها.
أما البعد الثقافي والإنساني في العلاقة مع الصين فهو أخطر مما يبدو، أقسام اللغة الصينية، ومعاهد كونفوشيوس، ومراكز لوبان، وبرامج التدريب المهني، كلها أدوات لصناعة جيل قادر على التعامل مع الصين لا بوصفها لغزًا بعيدًا، بل شريكًا نعرف لغته وثقافته وطريقة تفكيره، الاقتصاد لا يعيش بالحديد والأسمنت فقط؛ يعيش أيضًا بالكوادر التي تفاوض، وتترجم، وتدير، وتفهم السوق والناس.
اقرأ أيضا: توجيهات هامة من الرئيس السيسي للحكومة خلال احتفالية المولد النبوي
لكن يجب أن نكون واضحين: الانفتاح على الصين لا يعني الارتهان للصين، مصر دولة مركزية، ومصلحتها أن تنوع شراكاتها لا أن تستبدل اعتمادًا باعتماد آخر، الشراكة مع بكين يجب أن تكون جزءًا من شبكة أوسع تشمل أوروبا وأمريكا وروسيا والعالم العربي وأفريقيا، لا بديلًا مغلقًا عنها، قوة مصر في أنها تستطيع أن تتعامل مع الجميع، لا أن تحصر نفسها في محور واحد.
التعاون المالي باليوان ومبادلات العملات يمكن أن يقلل ضغط الدولار في بعض التعاملات، لكنه ليس علاجًا سحريًا، قيمته تظهر إذا ارتبط بتجارة حقيقية واستثمارات منتجة، لا بمجرد تحويل مسار المدفوعات من عملة إلى أخرى، العملة ليست هي المشكلة وحدها؛ المشكلة الأكبر هي قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وجذب تدفقات مستدامة.
في رأيي، العلاقة المصرية الصينية وصلت إلى لحظة يجب أن تنتقل فيها من مرحلة “المشروعات الكبرى” إلى مرحلة “العائد الصناعي العميق”، لا يكفي أن نقول إن الصين أكبر شريك تجاري، أو إن هناك شركات صينية كثيرة تعمل في مصر. السؤال الأقوى: هل ساعد ذلك في بناء صناعة مصرية؟ هل زاد التصدير؟ هل نقل التكنولوجيا؟ هل رفع مهارة العامل المصري؟ هل جعل قناة السويس مركزًا لسلاسل الإمداد لا مجرد ممر ملاحي؟
الشراكة مع الصين فرصة كبيرة، لكنها ليست شيكًا مفتوحًا للنجاح، يمكن أن تكون بوابة لتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز إقليمي حقيقي، و يمكن أيضًا، إذا لم يتمّ إدارتها بكفاءة ، أن تتحول إلى مزيد من الاستيراد واتساع الفجوة التجارية.
مصر لا تحتاج علاقة استهلاك مع الصين، بل علاقة إنتاج، لا تحتاج أن تكون سوقًا فقط، بل قاعدة تصنيع، لا تحتاج أن تستقبل التكنولوجيا جاهزة فقط، بل أن تتعلم كيف تملك جزءًا منها، هذه هي الشراكة التي تستحقها مصر: شراكة لا تكتفي بأن تملأ الموانئ بالبضائع، بل تملأ المصانع بالعمل، والأسواق بالصادرات، والاقتصاد بقيمة مضافة حقيقية.
اقرأ أيضا: 1500 جنيه لكل عامل| موعد وطريقة صرف منحة المولد النبوي