قبل ثمانية عشر عاماً لم يكن في هذا المكان سوى صحراء، اليوم تقف عليه منطقة للتعاون الاقتصادي والتجاري تمتد على 10.3 كيلومتر مربع، تضم نحو مئتي شركة صينية باستثمارات تبلغ 4.7 مليار دولار، وتوفّر عشرة آلاف فرصة عمل مباشرة وخمسين ألفاً غير مباشرة.
اقرأ أيضا: فتوى أزهرية وحكم مصري غير مسبوق.. ماذا بعد إثبات نسب طفلة وُلدت نتيجة اغتصاب؟ | منوعات
زار المنطقة وفد إعلامي مصري– صيني، يضم صحفيين مصريين وزملاءهم في صحيفة الشعب الصينية، في المحطة الثالثة من جولة تمتد أسبوعاً ضمن فعاليات الاحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين.
ثلاث مراحل ورئيسان
افتُتحت المرحلة الأولى عام 2008 بحضور رئيسي وزراء البلدين، ثم أُزيح الستار عن المرحلتين التاليتين في 2016 بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج ، وهي زيارة يمر على ذكراها عشر سنوات هذا العام.
وقال تساو خوي، العضو المنتدب لشركة تنمية المنطقة الاقتصادية “تيدا”، إن المشروع بات من أبرز علامات التعاون الاستثماري بين البلدين ضمن مبادرة الحزام والطريق، مشيراً إلى أن المنطقة حظيت منذ تأسيسها بدعم الحكومتين.
لكنه لم يخفِ صعوبة الطريق: الخمسة عشر عاماً الأولى كانت شديدة الصعوبة، إذ تطلّب تحويل أرض قاحلة إلى منطقة صناعية حديثة تراكماً زمنياً، وتطلّب إقناع الشركات الصينية بالمجيء بناء ثقة لم تُبنَ في يوم، أما التدفق الحقيقي للاستثمارات فبدأ خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط.
وردّاً على سؤال عن اقتصار العدد على مئتي شركة رغم مرور 18 عاماً، أوضح أن المعيار تحوّل من الكم إلى الكيف؛ ففي البداية كان القبول مفتوحاً لحل مشكلة الإشغال، أما اليوم فهناك انتقاء دقيق للشركات ذات الحجم والقيمة، بما يتوافق مع احتياجات السوق المصرية.
واحد زائد ثمانية
تقوم البنية الصناعية على صيغة “1+8”: مركز للخدمات اللوجستية والتخزين الجمركي، تدور حوله ثماني صناعات قائدة تشمل مواد البناء الحديثة، ومعدات الضغط العالي والمنخفض، والمنسوجات، والكيماويات، والسيارات، والطاقة الجديدة والمتجددة.
وتتجه المنطقة إلى التوسع في ثلاثة مسارات: التوسع الجغرافي، وقد جرى التعاقد في يوليو 2025 على أرض جديدة مساحتها 2.86 كيلومتر مربع يستغرق تطويرها نحو ثلاث سنوات؛ والارتقاء بالصناعات القائمة نحو الطاقة النظيفة والمشروعات الخضراء وصناعة السيارات والألياف الحديثة؛ وخفض البصمة الكربونية للمنطقة نفسها.
التصدير يدفع نحو التوطين
ما بين 70 و80% من إنتاج المنطقة موجَّه للتصدير، بقيمة تقارب 6 مليارات دولار. وعضوية مصر في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تجعل من الموقع منصة نفاذ إلى الأسواق الأفريقية.
وهنا مفارقة تخدم الاقتصاد المصري: التصدير نفسه يدفع الشركات إلى التعمق محلياً، لأن الاتفاقيات التجارية تشترط نسب مكوّن محلي — الاتحاد الأوروبي مثلاً يشترط تجاوز 50% في بعض الصناعات — بينما يتطلب الحصول على علامة “صُنع في مصر” نسبة لا تقل عادة عن 30%. وشدد المسؤولون على أن المنطقة ليست تجمعاً لخطوط تجميع تنتهي عند حدودها، بل صناعات تتعامل عن قرب مع موردين مصريين خارج أسوارها.
أكثر من 90% عمالة مصرية
نسبة العمالة المصرية داخل المنطقة تتخطى 90%. وقال المسؤولون إن المنطقة لم تجذب الصناعات التي تحتاجها مصر فحسب، بل جذبت معها التكنولوجيا وأساليب التصنيع الحديثة ونقلتها إلى العمالة المحلية.
وفي هذا الإطار يجري إنشاء مركز تدريب داخل المنطقة تحت ولاية الهيئة الاقتصادية بالتعاون مع حكومة تيانجين الصينية، يُفتتح بنهاية العام ويضم أساتذة من البلدين.
اقرأ أيضا :رئيس وزراء تايوان: نأمل في علاقات سلمية مع الصين
اقرأ أيضا: جمعية «إسكان الطيارين» تعلن تشكيل أول مجلس إدارة وتدعم خطة الدولة للتنمية
“العامل المصري سبع صنايع”
نهلة عماد، الرئيس التنفيذي للمنطقة، والتي أمضت فيها 17 عاماً، فصّلت عوامل الجذب في شقين: ما تتمتع به مصر ذاتها — موقع جغرافي فريد، وسوق كبير، واستقرار وأمان في محيط مضطرب (“الاستثمار جبان” كما قالت)، وشبكة اتفاقيات تجارية تفضيلية — وما تختص به المنطقة من مزايا بموجب قانون المنطقة الاقتصادية وبنية تحتية وتيسير حكومي للإجراءات.
وضربت مثالاً على الثقة: شركة الألياف الزجاجية دخلت مصر في عام الثورة وأصرّت على استكمال استثمارها، وكانت سبباً في وصول مصر إلى المركز الرابع عالمياً في إنتاج هذا المنتج.
وعن العامل المصري قالت إنه “قنوع” ولديه استعداد حقيقي للتعلم حتى فيما يقع خارج خبرته السابقة، وقادر على تحمّل العمل الشاق، وهي ميزة لا تتوفر في كثير من الدول، أما فجوة الخبرة في الصناعات الوافدة حديثاً فتُسدّ بأحد مسارين: إيفاد كوادر مصرية للتدريب في الصين، أو استقدام خبراء صينيين لستة إلى ثمانية أشهر يدرّبون ثم يحلّ محلهم مصريون.
وسُئلت عن أكبر مكسب اكتسبته مصر بعيداً عن الأرقام، فأجابت: توطين الصناعة. وأضافت أن كل صناعة تُوطَّن تعني استيراداً أقل، ومنتجاً أعلى قيمة يحمل علامة “صُنع في مصر” ويصل إلى أسواق أوروبا وأمريكا، وصولاً إلى اكتفاء ذاتي لا تهزّه العوامل المحيطة.

ملفات مفتوحة
لم تخلُ الجلسة من مصارحة. فقد أشار ممثلو الشركات إلى تحديين قائمين: جودة المياه الداخلة في بعض الصناعات، وكفاية إمدادات الطاقة الكهربائية. وأوضح المسؤولون أن توفير هذه المرافق مسؤولية حكومية، وأن هناك مستثمرين صينيين لديهم الرغبة والقدرة على الاستثمار في حل هذين الملفين بالذات.
اقرأ أيضا: البحوث الإسلامية: مولد النبي ميلاد لحياة جديدة للبشرية