يوم ارتدى السلطان كفنه في معركة ملاذكرد بين السلاجقة والبيزنطيين | موسوعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

معركة فاصلة وقعت عام 463هـ/1071م في سهل الرَّهْوة قرب مدينة ملاذكرد شرقي الأناضول. شكّلت ضربة قاسية للإمبراطورية البيزنطية، إذ أسفرت عن هزيمة ساحقة لجيشها، وأسر إمبراطورها رومانوس الرابع على يد السلاجقة الأتراك بقيادة السلطان ألب أرسلان.

اقرأ أيضا: الرئاسة: الرئيس الصيني يقوم بزيارة رسمية إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة

وقد مثّلت المعركة منعطفا تاريخيا مهّد لتراجع النفوذ البيزنطي وانحسار قوته العسكرية، وفتح الطريق أمام موجات الهجرة والاستيطان التركي في الأناضول، مما أسهم في قيام دولة سلاجقة الروم على امتداده (470–708 هـ)، وانتشار اللغة التركية والإسلام في مناطق واسعة منه.

الخلفية التاريخية والأسباب

بحلول منتصف القرن الخامس الهجري، كان السلاجقة الأتراك قد رسّخوا دعائم دولتهم في خراسان وإيران، وبدأوا التوسع في المناطق المجاورة، بما فيها أرمينيا، كما توغلوا في آسيا الصغرى (الأناضول)، فشنوا غارات على المناطق والحصون البيزنطية فيها، ولا سيما في كبادوكيا، كما تمكنوا من الاستيلاء على قيصرية.

وبات السلاجقة يشكلون تحديا متزايدا للإمبراطورية البيزنطية، مما دفع الإمبراطور رومانوس الرابع ديوجينيس (460-463 هـ) إلى شن حملات عسكرية في الأناضول وشمال الشام، قاد بعضها بنفسه، بهدف الحد من الغارات التركية وتأمين الحدود الشرقية للإمبراطورية. ورغم تحقيقها بعض الانتصارات، لم تتمكن حملات رومانوس الرابع من القضاء على الخطر السلجوقي أو وقف التوغلات التركية.

وفي عام 462 هـ/1070 م، خرج السلطان السلجوقي ألب أرسلان على رأس حملة عسكرية إلى الشام لإخضاعها قبل التوجه إلى مصر، وذلك استجابة لطلب ناصر الدولة الحسين بن الحسن الحمداني، أحد أبرز القادة في القاهرة، الذي سعى إلى القضاء على الدولة الفاطمية وإقامة الدعوة العباسية في مصر، مستعينا بالسلطان السلجوقي في تحقيق ذلك.

انطلق ألب أرسلان من خراسان متوجها غربا، فاستولى في طريقه على أرجيش وملاذكرد، ثم مرّ بالرها وحاصرها، قبل أن يعبر الفرات، حيث أقرّ له أمراء الجزيرة بالطاعة، ثم اتجه إلى حلب فحاصرها حتى خضع له أميرها محمود بن نصر المرداسي.

واستغل رومانوس الرابع انشغال ألب أرسلان بحملته في الشام، فأخذ يعدّ العدة لحملة عسكرية كبرى تهدف إلى وضع حد للخطر السلجوقي واستعادة المناطق التي فقدتها الإمبراطورية على حدودها الشرقية.

الاستعدادات والمعارك التمهيدية

جهّز رومانوس الرابع جيشا جرارا، ضم عناصر من شعوب وأقوام مختلفة، بينهم البجناك والأوغوز والقبجاق والخزر والسلاف والبلغار والفرنجة والأرمن وغيرهم، وزوده بمختلف أنواع السلاح والعتاد، بما فيها المجانيق.

واختلفت المصادر في تقدير تعداده، فبلغ – بحسب تقديرات شائعة في المصادر التركية والعربية – نحو 200 ألف مقاتل، بينما رفعت روايات أخرى العدد إلى 300 ألف أو أكثر، ووصلت به روايات إلى 600 ألف.

وترى بعض الدراسات الغربية الحديثة أن هذه التقديرات مبالغ فيها، ومن بينها دراسة متخصصة في الإمداد اللوجستي العسكري في العصور الوسطى، أعدّها مجموعة من الباحثين ونُشرت عام 2010 ضمن أعمال مؤتمر “المحاكاة الموزعة والألعاب عبر الإنترنت” (DIstributed SImulation & Online gaming).

وتشير هذه الدراسة إلى أن المصادر البيزنطية لا تقدم أرقاما محددة لحجم الجيش، وأن المؤرخين المعاصرين يقدرونه بما يتراوح بين 40 و70 ألف مقاتل، بينما بالغ الآخرون، غالبا، بدافع إبراز فداحة الهزيمة التي مُني بها البيزنطيون.

MUS, TURKIYE - OCTOBER 02: A view of a part of 700 metal object found during the excavations carried out to identify the site of the Battle of Malazgirt, which opened the gates of Anatolia to the Turks in Mus, Turkiye on October 02, 2023. With the support of the Turkish Ministry of Culture and Tourism, General Directorate of Cultural Heritage and Museums, Ahlat Museum, Mus Alparslan University and Mugla Sitki Kocman University, excavation work was started in 2020 within the scope of the 'Determination of the Malazgirt Battlefield, Historical and Archaeological Survey Project'. In this context, 40 academics from 12 universities, who excavated around the castle in Malazgirt district and at the designated points, carried out a study to identify the area where the battle was fought in 1071. (Photo by Ibrahim Yaldiz/Anadolu Agency via Getty Images)
قطع من أدوات حربية عُثر عليها في موقع معركة ملاذكرد بمدينة موش التركية عام 2023 (غيتي)

وبعد استكمال التجهيزات، أقام الإمبراطور احتفالا مهيبا في آيا صوفيا، ثم انطلق على رأس جيشه من القسطنطينية (إسطنبول)، وكان ذلك عام 463 هـ/1071 م، فعبر إلى آسيا الصغرى، ثم اتجه شرقا.

ولما بلغ الجيش قيصرية في وسط الأناضول، بدأ رومانوس الرابع يفكر بالتراجع عن القتال والعودة من حيث أتى. ويذكر المؤرخ محمد سهيل طقوش في كتابه “تاريخ السلاجقة في خراسان وإيران والعراق” أن رومانوس الرابع أرسل إلى ألب أرسلان يعرض عليه الصلح، مقترحا أن يتنازل عن منبج مقابل تنازل السلطان السلجوقي عن أرجيش وملاذكرد.

وبحسب الرواية، وافق السلطان على الصلح، غير أن الإمبراطور تراجع عن عرضه. ويرى طقوش أن ذلك ربما جاء بعدما بلغ رومانوس الرابع أن ألب أرسلان يواجه مشكلات في جيشه، وأن قسما من قواته تقاعس بسبب تأخر أرزاقهم، فاغترّ الإمبراطور بذلك، وواصل تقدمه نحو أرمينيا.

وعلم ألب أرسلان، بعد مغادرته حلب، بتقدم الجيش البيزنطي، فاتجه نحو شرق الأناضول، ولم يكن برفقته سوى 4 آلاف مقاتل، ولم يتمكن من استنفار بقية قواته لبعدها عنه، ومع ذلك، قرر مواجهة الجيش البيزنطي.

أعاد السلطان السلجوقي تنظيم قواته وعزّز صفوفها بمقاتلين من المناطق المجاورة، من بينهم نحو 10 آلاف مقاتل كردي، فبلغ قوام الجيش، وفق عدد من المؤرخين، مثل ابن الأثير وابن العبري، نحو 15 ألف مقاتل. بينما ترفع بعض المصادر التركية تقديراتها إلى نحو 50 ألف مقاتل.

ووفق تلك المصادر، قسّم رومانوس الرابع جيشه إلى ثلاث فرق، فأرسل قوة تبلغ نحو 30 ألف مقاتل لمهاجمة حصن أخلاط (خلاط) على بحيرة وان، بينما وجّه قوة أخرى قوامها نحو 20 ألفا إلى الشمال الشرقي لاستعادة بلاد الكرج (جورجيا) وتأمين الإمدادات الغذائية للجيش.

وفي الوقت نفسه، واصل الإمبراطور الزحف ببقية قواته نحو ملاذكرد، فاستولى عليها، ثم تابع المسير جنوبا للالتحاق بالقوات التي أرسلها إلى أخلاط، لكن الجيش السلجوقي تصدى للفرقة البيزنطية المتجهة إلى أخلاط فهزمها وأسر قائدها.

تصميم خاص - معركة ملاذكرد، التي وقعت عام 463هـ/1071م في سهل الرَّهْوة قرب مدينة ملاذكرد شرقي الأناضول.
معركة ملاذكرد وقعت عام 463هـ في سهل الرَّهْوة قرب بمدينة ملاذكرد شرقي الأناضول (الجزيرة-بالذكاء الاصطناعي)

وقائع المعركة

سعى ألب أرسلان إلى تجنب الاشتباك العسكري، فأرسل مبعوثا إلى رومانوس الرابع يعرض عليه الرجوع إلى بلاده وإتمام الصلح، غير أن الإمبراطور ظن أن عرض السلطان ناجم عن ضعف جيشه ويأسه من النصر، فرفض الصلح وأصر على القتال، وقال: “لا هدنة إلا بالرّي” عاصمة السلاجقة.

 ويروي ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” أن السلطان انزعج من هذا الرد، إلا أن الإمام الفقيه محمد بن عبد الملك البخاري شجعه على المضي في القتال قائلا: “إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح”. عندها عزم السلطان على النزال.

وفي يوم 25 ذي القعدة 463 هـ، اتخذ السلطان من السهل الواقع بين أخلاط وملاذكرد، والمعروف بالرهوة، أو الزَّهْوة في بعض المصادر، معسكرا لجيشه، وبسط سيطرته على المنطقة.

وخطب في جنوده وحثهم على الجهاد، مؤكدا أن ديار الإسلام باتت في خطر. وينقل ابن العبري في “تاريخ مختصر الدول” أن السلطان صلى وبكى، فبكى الناس لبكائه، وقال لهم: “من أراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يأمر وينهى”. ولبس السلطان البياض، وقال: “إن قُتلت فهذا كفني”. وقد شحذ هذا الموقف عزائم الجنود، وألهب حماسهم للمواجهة.

تصميم خاص - معركة ملاذكرد، التي وقعت عام 463هـ/1071م في سهل الرَّهْوة قرب مدينة ملاذكرد شرقي الأناضول.
معركة ملاذكرد كانت بين السلاجقة والبيزنطينيين (الجزيرة-بالذكاء الاصطناعي)

وفي ظهر يوم 27 ذي القعدة 463 هـ/ 26 أغسطس/آب 1071، التقى الجيشان، والتحما في معركة حامية الوطيس، استمرت حتى حلول الليل.

وخلال المعركة، اتخذ الجيش السلجوقي تشكيلا على هيئة هلال، ووضع السلطان في قلبه نخبة قوامها نحو 4 آلاف جندي تولّى قيادتها بنفسه، فيما عزّز موقعه الدفاعي بنشر فرسانه على التلال المشرفة على السهل.

وفي المقابل، اصطف الجيش البيزنطي في تشكيله القتالي بقيادة الإمبراطور في الخط الأمامي، وإلى جانبه عدد من أبرز قادته، فيما توزعت صفوف المشاة والفرسان على الأجنحة.

اقرأ أيضا: بمساعدة الصين.. كيف غيّرت المسيّرة الإيرانية “شاهد” شكل الحروب؟ | أخبار

وضم الجيش البيزنطي قوات من أصول مختلفة، بينها العديد من وحدات المرتزقة، مما أضعف تماسكه وقدرته القتالية، وشهد انسحابات وانشقاقات متتالية، إذ تقاعس روسل دي بايليل (Roussel de Bailleul) ومن معه من النورمان عن خوض المعركة قبيل اندلاعها، ثم انشقت لاحقا وحدات ضمت جنودا ذوي أصول تركية، والتحقت بالسلاجقة.

إضافة إلى ذلك، تراجعت القوات الأرمنية، كما تقاعس القائد البيزنطي أندرونيكوس دوكاس عن مواصلة القتال عندما أدرك أن المعركة تميل إلى الخسارة. وأسهمت هذه الانشقاقات والانسحابات في اضطراب صفوف الجيش البيزنطي وتراجع معنوياته.

وأما جيش السلاجقة فقد كان متماسكا، واعتمد تكتيكات تقوم على المناورة والتراجع التدريجي واستدراج القوات البيزنطية ثم مهاجمتها وإمطارها بالسهام. أربكت هذه التكتيكات القوات البيزنطية وألحقت بها خسائر كبيرة. ومع اشتداد القتال، حوصر رومانوس الرابع، وانفصلت مؤخرة الجيش عن قوته الرئيسية، فطوقها رماة السلاجقة.

ومع احتدام القتال، أشيع خبر مقتل الإمبراطور وهزيمة الجيش البيزنطي، فدبّ الذعر في الجيش وتفككت صفوفه، وفرّ كثير من الجنود، فطارد السلاجقة المنسحبين وقتلوا وأسروا أعدادا كبيرة منهم.

مني الجيش البيزنطي بهزيمة قاسية قُتل فيها عدد كبير من جنوده، وأُسر جمع غفير منهم الإمبراطور رومانوس الرابع نفسه
مني الجيش البيزنطي بهزيمة قاسية قُتل فيها عدد كبير من جنوده، وأُسر جمع غفير منهم الإمبراطور رومانوس الرابع نفسه (الجزيرة)

النتائج والتداعيات

أسفرت معركة ملاذكرد عن هزيمة قاسية للجيش البيزنطي، قُتل فيها عدد كبير من جنوده وأُسر جمع غفير، كان من بينهم الإمبراطور رومانوس الرابع نفسه، فيما غنم السلاجقة قدرا كبيرا من العتاد والأموال التي كانت بحوزة الجيش.

وعلى الرغم من هذا الانتصار، آثر ألب أرسلان الصلح مع البيزنطيين، وتشير بعض المصادر إلى أن السلطان أراد التفرغ لحروبه في الشام، وتحييد البيزنطيين، والحيلولة دون قيام تحالف بينهم وبين الفاطميين.

وبموجب الاتفاق، فُرضت هدنة مدتها خمسون عاما، وأُطلق سراح رومانوس الرابع مقابل فدية بلغت نحو 1.5 مليون قطعة ذهبية، إضافة إلى جزية سنوية قدرها 360 ألف قطعة ذهبية. كما أوجب الاتفاق إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وتقديم البيزنطيين المساعدة العسكرية للسلطان عند الحاجة.

وعقب عودة رومانوس الرابع، عُزل ونُصّب ميخائيل السابع، ابن قسطنطين العاشر، إمبراطورا. وحاول رومانوس مقاومة عزله واستعادة عرشه، مستعينا بقوات تركية، لكنه هُزم وأُجبر على الاستسلام، ثم سُملت عيناه. وأسهم الصراع على العرش والانقسامات الداخلية التي أعقبت سقوطه في إضعاف الإمبراطورية وتعميق أزمتها السياسية والعسكرية.

يقع متحف ملاذكرد في منطقة ملاذكرد بمحافظة موش، وتحديداً في الموقع الذي شهد الانتصار في معركة ملاذكرد —التي تُعد واحدة من أعظم الانتصارات في التاريخ التركي الإسلامي المصدر موقعwww.kulturportali.gov.tr
متحف في منطقة ملاذكرد بمحافظة موش، وتحديداً في الموقع الذي شهد الانتصار في المعركة (وزارة الثقافة التركية)

وقد شكّلت معركة ملاذكرد نقطة تحول مهمة في تاريخ الأناضول، فقد كان من أبرز تداعياتها إضعاف قدرة الإمبراطورية البيزنطية على حماية حدودها الشرقية، مما فتح المجال أمام استقرار القبائل التركية في مناطق واسعة من آسيا الصغرى، مما أسهم في انتشار اللغة التركية والثقافة الإسلامية في المنطقة.

كما أدت التطورات التي أعقبت المعركة إلى تغيرات متزايدة في موازين القوى والسيطرة الإقليمية وطرق التجارة، إذ استغل السلاجقة الاضطرابات السياسية والعسكرية في بيزنطة للتوسع غربا، وصولا إلى مناطق محاذية للسواحل الغربية للأناضول.

وبفقدان أجزاء واسعة من آسيا الصغرى، فقدت بيزنطة موردا مهما لإمدادات الغذاء والمواد الخام، فضلا عن جزء كبير من إيراداتها التجارية، كما فقدت مصدرا مهما للقوى البشرية التي اعتمد عليها الجيش البيزنطي.

ودفع التوسع السلجوقي على المدى البعيد، إلى جانب الأزمات الداخلية التي عصفت بالإمبراطورية، البيزنطيين إلى طلب مزيد من الدعم العسكري من الغرب المسيحي، مما أسهم في اندلاع الحروب الصليبية.

واستمرت تداعيات ملاذكرد قرونا، مع ترسخ الوجود التركي والإسلامي في الأناضول وتراجع النفوذ البيزنطي تدريجيا، إلى أن انتهت الإمبراطورية البيزنطية بسقوط القسطنطينية في عام 857 هـ/1453 م على يد العثمانيين.

اقرأ أيضا: بعد ربع قرن.. تحديد هوية ضحية لهجمات 11 سبتمبر بطريقة غير مسبوقة | سياسة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً