على مدى نصف قرن، عملت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” وفق مبدأ مفاده أنه لا يمكن لأي عضو في الكونغرس، من أي من الحزبين، أن يُخالفها. لكن هذا المبدأ يُختبر الآن على أرض الواقع، في انتخابات التجديد النصفي حيث يواجه فشلا أكثر مما توقعه الرأي السائد في واشنطن.
اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يهنئ الشعب المصري والأمتين العربية والإسلامية بالمولد النبوي الشريف
لم يكن نفوذ “أيباك” مرتبطا بالأيديولوجيا قط، بل كان مرتبطا بالخوف، والافتراض شبه الآلي لدى المرشحين والمسؤولين على حد سواء بأن أموال “أيباك” وقدرتها على حشد قاعدة منظمة من المانحين والمتطوعين كفيلة بإنهاء مسيرة أي مرشح.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
كان هذا الخوف منطقيا ما دامت “أيباك” تواصل تحقيق الانتصارات، وقد استمر هذا الوضع عقودا، إذ توسعت من شركة ضغط متواضعة إلى آلة قادرة على ضخ ملايين الدولارات في الانتخابات التمهيدية عبر آليات مثل مشروع الديمقراطية المتحدة.
لكن تصميم هذه الآلة اعتمد على أمر محدد وهو إجماع الحزبين على أن دعم إسرائيل، وفقا لمعاييرها، ليس موضوعا مشروعا للنقاش السياسي الداخلي.
وقد بدأ هذا الإجماع بالتلاشي منذ ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومع ذلك، فقد سرّعت حرب إسرائيل على غزة من حدة الانقسام، لا سيما داخل الحزب الديمقراطي، حيث كان نفوذ “أيباك” دائما محل نزاع أكبر وأكثر تكلفة للحفاظ عليه مقارنة بالحزب الجمهوري الذي لم يتبق فيه سوى عدد قليل من المشككين الداخليين.
إستراتيجية التخويف
ما يثير الانتباه في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 ليس توقف “أيباك” وحلفائها عن الإنفاق، فهم لم يتوقفوا.
إذ تُظهر التقارير الصادرة هذا العام أن جماعات خارجية موالية لـ “أيباك” ضخت عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وغالبا عبر لجان عمل سياسي غامضة تُعرف باسم “لجان العمل السياسي المؤقتة”، مصممة لإخفاء مصدر الأموال حتى بعد أن يدلي الناخبون بأصواتهم. بيد أن ما تغير هو أن هذا الإنفاق لم يُترجم إلى انتصارات.
ففي الانتخابات التمهيدية التي جرت في إلينوي في مارس/آذار خسر المرشحون المدعومون من “أيباك” العديد من السباقات البارزة رغم إنفاقهم أضعاف ما أنفقه منافسوهم.
هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن نظرية “أيباك” في القوة لم تكن يوما قائمة على إقناع الناخبين، بل على ردع المنافسين ومعاقبة المعارضين بشدة كافية لمنع الجيل القادم من المرشحين من اختبار حدودها.
عندما يتوقف هذا الردع عن العمل -حين يبدأ المرشحون بالفوز رغم ذلك، ويشنون حملات متزايدة ضد مشاركة “أيباك” كدليل على استقلاليتهم- ينهار النموذج. إذ لا تُشكّل أموال لجان العمل السياسي الكبرى تهديدًا إلا إذا كان هذا التهديد ذا مصداقية.
نتائج عكسية
ثمة مفارقة أعمق هنا. كان تحوّل “أيباك” نحو الإنفاق المُقنّع والمتأخر الإفصاح عبر لجان عمل سياسي وهمية ردا تكتيكيا على تراجع شعبيتها، ومحاولة للتأثير على الانتخابات دون ظهور اسم “أيباك” نفسه في الإعلانات الهجومية.
لكن هذا التكتيك ارتدّ عليها بنتائج عكسية متزايدة بمجرد أن تتبع الصحفيون مصدر الأموال، محولين “الأموال المشبوهة” من غطاء إلى قضية رأي عام.
وأصبح باحثو المعارضة والناشطون التقدميون أسرع وأكثر فعالية في الربط بين هذه الأموال والمرشحين قبل يوم الانتخابات، وردّ الناخبون، وخاصة الشباب منهم الموالون للديمقراطيين، بمعاقبة المرشحين بمجرد أن يصبح ارتباط “أيباك” بالقضية علنيًا.
وتُعد استطلاعات الرأي التي أُجريت في وقت سابق من هذا العام مفيدة، ففي ميشيغان، تقول غالبية ناخبي الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية، ونسبة كبيرة من الديمقراطيين اليهود دون سن (35 عاما) على مستوى البلاد تحديدا، إن تأييد “أيباك ” يجعلهم أقل ميلا لدعم مرشح ما، لا أكثر.
وتواجه المنظمة التي تعتمد قوتها على تأييدها مشكلة خطيرة عندما يتحول هذا التأييد، بالنسبة لشريحة كبيرة ومتنامية من قاعدة حزبها، إلى عبء يجب إنكاره أو تبريره.
كما تواجه “أيباك” الآن تحديا نادرا ما واجهته بجدية، فقد بدأت جماعات جديدة، شُكِّلت خصيصا لتحييد إنفاق “أيباك” في الانتخابات التمهيدية، وتُرشح مرشحين يرفضون علنا أموال جماعات الضغط ومبادئ سياستها الخارجية، بتحقيق انتصارات خاصة بها، ممولة بعشرات الملايين من الدولارات بدلا من عشرات الملايين التي تُنفقها “أيباك”، لكنها كافية لجعل السباقات الانتخابية تنافسية بدلا من كونها محسومة سلفا.
ولا يُلغي هذا التنافس، الذي يُشبه التدمير المتبادل المؤكد في عالم الضغط، قوة “أيباك”، ولكنه يُحدث تأثيرا لا يقل أهمية، فهو يجعل هذه القوة قابلة للطعن، وهو وضع سعت “أيباك” جاهدة إلى تجنبه عقودا.
صيغة معقدة
خلال الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين، بدا مضمون الصيغة أن تقوم لجنة العمل السياسي التابعة لـ”أيباك” بإغراق دائرة انتخابية بإنفاق مستقل، فيخسر المرشح الذي تعارضه. وقد تعلّم جمال بومان (ديمقراطي من نيويورك) وكوري بوش (ديمقراطية من ميزوري) ذلك بطريقة قاسية في عام 2024.
لكن الانتخابات التمهيدية النصفية لعام 2026 كشفت عن صورة أكثر تعقيدا، فرغم فوز “أيباك” بالعديد من المقاعد، وإنفاقها المبالغ الطائلة، فإن الأموال لم تكن كافية لحسم النتيجة في عدة منافسات بارزة.
وكانت الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان الحدث الأبرز في هذه الدورة الانتخابية. إذ أنفق الحزب الديمقراطي المتحد ما يقارب 30.6 مليون دولار في محاولة لإقصاء عبدول السيد، المدافع التقدمي عن الصحة العامة، وانتخاب النائبة هايلي ستيفنز (ديمقراطية من ميشيغان) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان، وهو أكبر مبلغ أنفقته “أيباك” على الإطلاق في سباق انتخابي واحد.
وبلغ إجمالي الإنفاق على ستيفنز في الانتخابات التمهيدية أكثر من 60 مليون دولار عند احتساب إنفاق المجموعات الأخرى.
ومع ذلك، فاز السيد، متفوقا على ستيفنز بفارق نقطة مئوية واحدة تقريبا في سباق استغرق إعلان نتائجه أكثر من 12 ساعة بعد إغلاق مراكز الاقتراع.
ووصفت التغطية الإعلامية آنذاك هذه النتيجة بأنها إحدى أكبر النكسات التي مُنيت بها حملة “أيباك” في هذه الدورة الانتخابية. فقد كادت هذه الحملة الضخمة، التي بلغت قيمتها تسعة أرقام، أن تنجح، لكنها في النهاية لم تحقق العدد الكافي من الأصوات.
وفي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدائرة الحادية عشرة بولاية نيوجيرسي، والتي أُجريت لشغل مقعد ميكي شيريل السابق، أنفقت “أيباك” 2.3 مليون دولار لمهاجمة عضو الكونغرس السابق توم مالينوفسكي، الذي يُعرّف نفسه بأنه معتدل “مؤيد لإسرائيل”، والذي سبق أن حظي بدعم “أيباك” في انتخابات سابقة.
ودفع هذا الإنفاق بقوة السباق نحو أناليليا ميخيا (ديمقراطية من نيوجيرسي)، وهي تقدمية متحالفة مع بيرني ساندرز، والتي انتقدت بشدة سلوك إسرائيل في غزة. وفازت ميخيا بفارق ضئيل للغاية، إذ لم يفصلها عن مالينوفسكي سوى حوالي 1100 صوت.
اقرأ أيضا: وزير الطيران يتفقد التشغيل التجريبي للأنظمة الرادارية الحديثة ببرج القاهرة
وفي الدائرة الأولى بولاية كونيتيكت، خسر النائب جون لارسون (ديمقراطي من كونيتيكت) -الذي تلقى حوالي 120 ألف دولار من التبرعات المرتبطة بـ”أيباك” خلال هذه الدورة الانتخابية- الانتخابات التمهيدية أمام لوك برونين، رئيس بلدية هارتفورد السابق، بفارق كبير، بنسبة 53% مقابل 34%.
لم يكن هذا السباق محسومًا بملايين الدولارات من الإنفاق الخارجي؛ إذ يبدو الأمر أشبه بحالة لم يكن فيها ارتباط المرشح بـ”أيباك ” كافيا لتعويض السخط الشعبي المتزايد عليه.
وفي الدائرة الثالثة عشرة بولاية ميشيغان، خسر النائب شري ثانيدار (ديمقراطي) -الذي تراجع عن موقفه السابق من المشاركة في رعاية قرار يصف إسرائيل بـ”دولة فصل عنصري” إلى أن أصبح أحد أبرز حلفاء “أيباك” في الكونغرس، بما في ذلك رحلة ممولة من “أيباك” إلى إسرائيل- مقعده لصالح عضو المجلس التشريعي للولاية دونافان ماكيني.
وكانت هذه الحالة مختلفة بعض الشيء عن غيرها، إذ لم تنفق “أيباك” مبالغ كبيرة من أموالها الخاصة للدفاع عن ثانيدار في هذه الدورة الانتخابية، لذا حرص المحللون على وصفها بأنها “خسارة غير مباشرة من أيباك”.
و مع ذلك، أنفق ثانيدار مبالغ طائلة من ماله الخاص تفوق ما أنفقه ماكيني. إذ كان لديه 5 ملايين دولار نقدا مقابل 142.853 دولارًا لدى ماكيني، ومع ذلك خسر بنسبة 48.1% مقابل 51.9%.
ما يبدو ثابتا في هذه السباقات هو أن ارتباط الحزب الديمقراطي بـ”أيباك” أصبح ساحة للتنافس أكثر مما كان عليه قبل دورة أو دورتين، فقد بدأ العديد من الإستراتيجيين الديمقراطيين، وحتى بعض المرشحين الذين كانوا متحالفين مع أيباك سابقا، يصفون إنفاق المنظمة بأنه عبء لا ميزة في بعض الدوائر.
هل اقتربت النهاية؟
وسيكون من الخطأ استباق نهاية أيباك. فهي لا تزال، بفارق كبير، أفضل منظمة سياسية مؤيدة لإسرائيل تمويلا وتنظيما في البلاد.
كما أن علاقاتها مع الحزب الجمهوري مستقرة إلى حد كبير، نظرا لقلة الخلافات الداخلية التي تعصف بالديمقراطيين داخل الحزب الجمهوري.
أما الانتخابات العامة، حيث غالبا ما يحقق المرشحون الديمقراطيون المدعومون من أيباك فوزا ساحقا بغض النظر عن الجدل الدائر في الانتخابات التمهيدية، فتختلف تماما عن الانتخابات التمهيدية التي أصبحت سمعة المنظمة فيها سيئة.
وما يتآكل فعليا ليس رصيد لجنة “أيباك”، بل هو الاعتقاد السائد، الذي تبناه المرشحون والمستشارون والصحفيون على حد سواء لجيل كامل، بأنّ معارضة “أيباك” أمر لا مفر منه. وقد ثبت الآن خطأ هذا الاعتقاد مرارا، مما يدفع السياسيين الطموحين إلى إعادة تقييم نماذج المخاطر الخاصة بهم بشكل فوري.
ولا تحتاج جماعة مصالح استندت قوتها إلى هالة من الحصانة إلى خسارة كل معركة لتفقد ما منحها هذه القوة. يكفيها فقط عدد كاف من الخسائر الواضحة، وعدد كاف من المرشحين المستعدين لمواجهتها والفوز، حتى تتلاشى تلك الهالة نفسها.
هذه العملية جارية، وسواء أكانت ستؤدي إلى تراجع حقيقي، أم إلى “أيباك ” أقل هيمنة وأكثر تواضعا تجد توازنا جديدا، ويبقى السؤال مفتوحا في الدورات الانتخابية القادمة، وليس في هذه الدورة.
اقرأ أيضا: منتخب سيدات التايكوندو يطير إلى الصين للمشاركة ببطولة العالم للسيدات