مرج دابق.. يوم تحوّلت راية بلاد الشام من المملوكية إلى العثمانية | موسوعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

معركة فاصلة، وقعت عام 922هـ/1516م في مرج دابق شمالي حلب، بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول والمماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري، وانتهت بهزيمة ساحقة للمماليك، أدت إلى سقوط حكمهم في بلاد الشام.

اقرأ أيضا: أمريكا تستعد لإلغاء 200 ألف تأشيرة.. من المستهدف وهل يعني ذلك الترحيل؟ | أخبار

رسخت المعركة سيطرة العثمانيين في بلاد الشام، كما عززت موقعهم في مواجهة النفوذ الصفوي، وفتحت الطريق أمام تقدمهم نحو مصر التي انتقلت إلى حكمهم في السنة التالية عقب معركة الريدانية، منهية بذلك دولة المماليك.

الخلفية التاريخية وأسباب الصراع

في أعقاب قيام الدولة العثمانية سنة 699هـ/1299م، اتسمت علاقاتها مع دولة المماليك بالتعاون والوفاق، غير أن صعود الدولة العثمانية وتوسعها، وتحولها تدريجيا إلى قوة كبرى تنافس على الزعامة في العالم الإسلامي، أثارا مخاوف المماليك، ولا سيما مع تمددها قريبا من حدودهم، مما أوجد نقاط احتكاك بينهما.

وتحولت الإمارات التركمانية الواقعة بين الدولتين، ولا سيما إمارة رمضان في قيليقيا وإمارة ذي القدر جنوبي الأناضول، إلى ساحات للصراع على النفوذ.

ورغم أن العلاقات بين البلدين شهدت فترة من الهدوء في أواخر حكم السلطان محمد الفاتح، إلا أن التوترات تصاعدت من جديد بعد تولي بايزيد الثاني الحكم عام 886هـ/1481م، إثر لجوء شقيقه جم المنافس له على العرش إلى القاهرة، حيث استقبله السلطان المملوكي قايتباي بحفاوة.

وتدهورت العلاقات إثر رفض المماليك السماح للعثمانيين بإرسال قوات لتأمين طريق حجاجهم إلى الديار المقدسة، ثم عقب احتجازهم هدايا بعث بها سلطان الدولة البهمنية في الهند، محمود شاه، إلى السلطان بايزيد الثاني.

وأسفرت التوترات المتكررة عن اندلاع حرب بين الدولتين عام 890هـ/1485م، استمرت حوالي ستّ سنوات، قبل أن يتوصل الطرفان عام 896هـ/1491م، إلى اتفاق أوقف القتال بينهما.

وفي عام 920هـ/1514م، تجدد التوتر بعد رفض السلطان المملوكي قانصوه الغوري الانخراط في الصراع العثماني الصفوي، مفضلا التزام الحياد، كما رفض علاء الدولة، حاكم إمارة ذي القدر الخاضعة لنفوذ المماليك، تزويد الجيش العثماني بالمؤن.

ومع اتساع الخلاف، سعى السلطان سليم الأول إلى إنهاء النفوذ المملوكي في مناطق جنوب الأناضول، ولا سيما في المدن ذات الأهمية الاستراتيجية، كما اتجه إلى بسط السيطرة العثمانية على بلاد الشام ومصر، بما يعزز مكانة الدولة العثمانية في العالم الإسلامي، ويوسع نفوذها على طرق التجارة والمواقع المقدسة.

في بداية قيام الدولة العثمانية عام 699هـ اتسمت علاقاتها مع دولة المماليك بالتعاون والوفاق
في بداية قيام الدولة العثمانية عام 699هـ اتسمت علاقاتها مع دولة المماليك بالتعاون والوفاق(مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

تصاعد الخلاف والتعبئة العامة

وفي مطلع عام 921هـ/ 1515م، بدأت الأخبار تتوالى عن الاستعدادات العسكرية العثمانية، وتصاعدت وتيرة الخلاف بين القاهرة وإسطنبول، وكثّف الطرفان خطاب التعبئة والاستعداد للمواجهة، وسعى كل منهما إلى إضفاء طابع ديني على الصراع. ووصف العثمانيون المماليك بالرافضة، واستندوا إلى فتاوى تبرر قتالهم، في حين وصف المماليك السلطان سليم بـ”ملك الروم” واتهموه بالردة.

وسعى كل طرف إلى استمالة الفارين والمعارضين السياسيين من الدولة الأخرى للاستفادة منهم في الصراع المرتقب. وتمكن العثمانيون من استقطاب عدد من كبار رجال المماليك، من بينهم خير بك، نائب حلب، ويونس بك، نائب عنتاب.

وتأجج الخلاف بعد إخضاع السلطان سليم الأول إمارة ذي القدر، وإعدام حاكمها علاء الدولة وإرسال رأسه إلى القاهرة. واعتبر الغوري هذه التحركات بمثابة إعلان للحرب، فاتخذ قرارا بالاستعداد للمواجهة.

غير أن هذا القرار لم يحظَ بإجماع داخلي، إذ لم يتفق رجال الدولة على ضرورة خوض الحرب، وواجهت السلطات استياء شعبيا واسعا بسبب المظالم والاضطرابات الداخلية، ما أسهم في اندلاع إضرابات شملت قرى ومدنا مصرية وأعاقت جهود التعبئة.

أما في الشام، فقد ساد السخط بين عموم الناس على سياسات الولاة وتعسفهم، ما دفع عددا من المناطق إلى تأييد العثمانيين. وفي حلب،  ذُكر اسم السلطان العثماني على المنابر، فيما أعلنت قرى بأكملها العصيان.

وامتدت الاضطرابات إلى صفوف الجيش، حيث تصاعدت المطالب بزيادة المستحقات، وأُعدم العديد من أمراء المماليك بتهمة الخيانة، فيما استمر بعضهم بالتعاون سرا مع العثمانيين.

وفي ظل تفكك الأوضاع الداخلية لدولة المماليك، والتفوق العسكري العثماني، حاول الغوري التراجع عن المواجهة، غير أن العثمانيين كانوا قد حسموا موقفهم باتجاه الحرب، لا سيما بعد أن بلغتهم مساعي الغوري الفاشلة لعقد تحالف مع الصفويين ضد الدولة العثمانية.

Ottoman Empire. Turkey. Selim I Mosque (1520-1527). It was erected by the Ottoman Sultan Suleyman I the Magnificent in honor or his father Selim I, died in 1520. Engraving by Lemaitre. Historia de Turquia by Joseph Marie Jouannin (1783-1844) and Jules Van Gaver, 1840. (Photo by: PHAS/Universal Images Group via Getty Images)Selim I Mosque.
مسجد سليم الأول الذي شيّده ابنه سليمان القانوني تكريما له، رسمه المستشرق الفرنسي جوزيف جوانين (1783-1844) (غيتي)

الاستعدادات للحرب

بحلول جمادى الأول 922هـ/1516م، تحرك الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول عبر الأناضول متجها جنوبا نحو بلاد الشام. وتشير بعض المصادر إلى أن سليم الأول أبلغ المماليك بأن حملته موجهة إلى الصفويين، كما أرسل لاحقا بعثة إلى الغوري بحجة الرغبة في تنشيط التبادل التجاري.

غير أن الغوري كان قد توجس من الاستعدادات العسكرية العثمانية، فسارع إلى التأهب، وخرج بجيشه من القاهرة قبل تحرك سليم الأول، تحسبا لأي تقدم عثماني محتمل. وبحسب ابن إياس الحنفي في “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، خرج الغوري من القاهرة عام 922هـ/1516م، وسار بجيشه شمالا نحو بلاد الشام.

وفي العاشر من جمادى الآخرة، وصل الجيش المملوكي إلى حلب، حيث بدأ الطرفان تبادل الوفود في محاولة للتوصل إلى صلح. وكان الغوري أشد حرصا على التفاهم، فأكرم الوفد العثماني وأحسن استقباله، ثم أوفد كاتم سره، الأمير مغلباي، إلى السلطان سليم حاملا رسالة تؤكد رغبته في الصلح، كما بعث سفيرا يحمل هدية إلى السلطان، قدر ابن إياس قيمتها بنحو عشرة آلاف دينار.

ولكن سليم الأول أساء استقبال موفدي الغوري، ورفض الصلح، ويروي ابن زنبل في “آخرة المماليك”، أن السلطان بالغ في ازدراء الوفد، وأراد قتل مغلباي، لولا تدخل بعض وزرائه، فأمر بقتل مرافقي مغلباي وسجنه يومين، ثم أعاده إلى المماليك محلوق الرأس، مقصوص اللحية، راكبا حمارا أعرج.

وواصل سليم الأول زحفه إلى عنتاب، حيث استقبله يونس بيك، نائب المماليك في المدينة، وسلمه مفاتيحها، فأقام فيها فترة لوضع خطط العمليات العسكرية، قبل أن يواصل تقدمه نحو بلاد الشام.

وخرج جيش المماليك من حلب واتجه شمالا، وفي يوم 21 رجب، عسكر في مرج دابق على بعد نحو 38 كيلومترا شمالي حلب، على الطريق الواصل بين أنطاكية ومنبج.

اقرأ أيضا: عبدول السيد ينأى بنفسه عن جدل حول تصريحات عن اليهود وإسرائيل | سياسة

وتختلف المصادر في تقدير حجم الجيش العثماني، فقد قدر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا قوامه بنحو 60 ألف مقاتل، فيما تصل به روايات أخرى إلى 80 ألفا، أو أكثر. وفي المقابل قُدّر عدد قوات المماليك بما يتراوح بين 70 و80 ألف مقاتل، فيما ترد روايات أخرى بتعداد أقل.

وقد زُوِّد الجيش العثماني بأسلحة نارية وحوالي 300 مدفع. كما استخدم العربات والتحصينات المتحركة لحماية المدفعية والجنود. بينما اعتمد المماليك بدرجة أكبر على أسلوب القتال التقليدي والاشتباك المباشر بالأسلحة البيضاء مثل السيوف والرماح والفؤوس، إلى جانب بعض أدوات وآلات الحصار.

الجيش العثماني كان مزودا بالمدافع والبنادق
الجيش العثماني كان مزودا بالمدافع والبنادق (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

وقائع المعركة

في صباح 25 رجب 922هـ/24 أغسطس/آب 1516م، تقابل الجيشان في مرج دابق، وبادر المماليك بالهجوم، فتلقوا نيران المدفعية والبنادق العثمانية وتكبدوا خسائر كبيرة، إلا أنهم سرعان ما شنوا هجوما عنيفا على جناحي الجيش العثماني، وأجبروهما على التراجع.

ويروي ابن إياس أن المماليك القرانصة، وهم قدماء المماليك، قاتلوا قتالا شديدا، وكانت لهم الغلبة في بداية المعركة، حتى إنهم قتلوا أكثر من 10 آلاف مقاتل عثماني، قبل أن يبلغهم أن السلطان أمر المماليك الجلبان، وهم من خاصته، بعدم المشاركة في القتال، فزعزع ذلك عزيمة القرانصة.

ومع اشتداد القتال، عجز المماليك عن تجاوز الحواجز والتحصينات الميدانية التي أقامها العثمانيون، ولم يتمكنوا من الصمود أمام قوة النيران فتكبدوا خسائر فادحة. وبدأ ميزان المعركة يميل لصالح العثمانيين، ولا سيما بعد مقتل عدد من كبار القادة المماليك، مثل سودون الأتابكي، قائد القلب، وسيباي، قائد الميمنة. وبحلول الظهيرة، كان الجيش المملوكي قد انهارت معنوياته وتقهقر.

وينسب بعض المؤرخين المعاصرين للمعركة، مثل ابن زنبل الرمال وابن إياس، هزيمة المماليك إلى خيانة بعض كبار رجال الدولة، مثل خير بيك، قائد الميسرة، الذي تذكر رواياتهم أنه أشاع مقتل قانصوه الغوري، ثم انسحب من المعركة، مما أدى إلى انهيار الميسرة. كما تتهم بعض المصادر جان بردي الغزالي، نائب حماة، بالانسحاب أثناء المعركة، ونشر الأراجيف في صفوف الجيش المملوكي.

في المقابل، لا يعوّل مؤرخون آخرون على روايات الخيانة في تفسير هزيمة المماليك. ويذكر يلماز أوزتونا، في كتابه “تاريخ الدولة العثمانية”، أن خير بيك أسره العثمانيون بعد فراره من أرض المعركة، ولا يقدم رواية تفيد بتعاونه معهم قبل المعركة.

ويرى المؤرخ والأكاديمي التركي فريدون إمجِن في مقال منشور على الموسوعة الإسلامية التركية -(İslam Ansiklopedisi (TDV- أن هذه الروايات غير صحيحة، ويذكر، استنادا إلى مصادر معاصرة،  أن خير بيك أسر على يد يونس باشا أثناء فراره، بينما عُثر على بردي الغزالي في المعسكر بعد المعركة. ثم أعاد السلطان سليم الأول خير بيك وبردي إلى الميدان بعد انتهاء القتال، لاستطلاع حال القوات المملوكية التي تفرقت.

نقش خشبي يجسد السلطان قانصوه الذي قتل في معركة مرج دابق (غيتي)
نقش خشبي يجسد السلطان قانصوه الغوري الذي قتل في معركة مرج دابق (غيتي)

النتائج والتداعيات

أسفرت معركة مرج دابق عن هزيمة ساحقة للجيش المملوكي، فقُتل وأُسر جمع كبير من جنوده، وأُعدم نحو ألفين منهم، فيما أُطلق سراح آخرين، وفرّ الباقون متفرقين. أما مصير السلطان قانصوه الغوري، فقد تعددت الروايات بشأنه، فمنها ما يذكر مقتله، في حين تنسب إليه روايات أخرى الانتحار بتجرع السم، أو الوفاة كمدا بعد تحقق الهزيمة.

وقد مهد انتصار العثمانيين في مرج دابق لسقوط الحكم المملوكي في بلاد الشام، إذ ثارت مدن مثل حلب وعنتاب على الحاميات المملوكية وأخرجتها، ثم استسلمت مدن الشام  للعثمانيين تباعا.

وبعد استقرار الحكم العثماني في بلاد الشام، أرسل سليم الأول إلى السلطان المملوكي الجديد طومان باي يدعوه إلى قبول السيادة العثمانية، غير أنه رفض العرض، فواصل سليم الأول تقدمه نحو مصر، حيث هزم المماليك في معركة الريدانية سنة 923هـ/1517م، وأحكم سيطرته على مصر، منهيا بذلك دولة المماليك.

اقرأ أيضا: دبلوماسية الاستثمارات.. كيف تعيد الجزائر صياغة قوتها الناعمة في الساحل؟ | أخبار

‫0 تعليق

اترك تعليقاً