“أنتِ قوية كده إزاي؟”.. حين تتكلم نساء الجمالية عن القوة التي لا يراها أحد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليست كل معارك المرأة المصرية ترى بالعين.. فهناك معارك تخاض كل يوم خلف أبواب البيوت، وفي الشوارع والأسواق، وبين أفران الخبز ومقاعد العمل، حيث تحمل المرأة فوق كتفيها مسؤوليات أكبر من قدرتها، لكنها تمضي.. لا لأنها لا تتألم، وإنما لأنها تعرف أن هناك من ينتظر منها أن تبقى واقفة.

اقرأ أيضا: رئيس الوزراء يلتقي محافظ البنك المركزي لمتابعة جهود التنسيق المشترك

ومن هنا تواصل مبادرة “أنتِ قوية كده إزاي؟” رسالتها الإنسانية، لتنتقل هذه المرة إلى قلب منطقة الجمالية، حيث التقت السفيرة نبيلة مكرم رئيس مجلس أمناء مؤسسة فاهم  بعدد من السيدات، واستمعت إلى حكاياتهن عن الحياة، والفقد، والمسؤولية، والعمل، والأبناء.. حكايات لا تحتاج إلى مبالغة حتى تؤثر، لأنها ببساطة حقيقية.

 

في الجمالية، لم تكن الحكايات مجرد كلمات تروى.. كانت أعمارا كاملة من الصبر.. سيدة تركها زوجها وحيدة في مواجهة الحياة، فوجدت نفسها مسؤولة عن أبنائها دون سند، لكنها لم تسمح للخذلان أن يكون نهاية القصة.. عملت، وربّت، وتحملت، حتى كبر أبناؤها وأصبح لكل واحد منهم ثلاثة أطفال.. وكأن المرأة التي بدأت رحلتها وحيدة، انتهت وهي ترى حولها عائلة كاملة صنعتها بيديها، رغم أنها لم تكن تملك في البداية سوى الإرادة.

 

وأخرى حملت أبناءها على كتفيها، لا تنتظر يدا تمتد إليها، ولا مساعدة تأتي من أحد.. عملت في فرن للخبز، وواجهت قسوة العمل وضغط الحياة، فقط لكي تعود إلى بيتها وفي يدها ما يكفي لإطعام أبنائها.. وأخريات خرجن إلى الشوارع والأسواق، وبعن ما يستطعن بيعه، بحثا عن رزق حلال يحفظ لأسرهن كرامتها، ويمنح أبناءهن فرصة لاستكمال الطريق.

قصص مختلفة في تفاصيلها.. لكنها متشابهة في جوهرها؛ امرأة فقدت زوجا أو سندا.. وأخرى واجهت الفقر.. وثالثة حملت مسؤولية أبناء لا ذنب لهم في قسوة الظروف.. لكن جميعهن اتفقن على شيء واحد: لم يكن أمامهن سوى أن يستمررن.

 

وربما كانت الإجابة الأكثر صدقا عن سؤال المبادرة: “أنتِ قوية كده إزاي؟”، هي الإجابة التي خرجت من أفواه هؤلاء السيدات ببساطة شديدة: “ربنا اللي بيقوينا”.. كلمات قليلة، لكنها تختصر حكايات طويلة.. فحين تضيق الحياة، لا تبحث المرأة المصرية دائمًا عن تفسير لقوتها.. هي فقط تعرف أن الله يمنحها القدرة على القيام في اللحظة التي تظن فيها أنها لن تستطيع.. ويمنحها طاقة جديدة كلما ظنت أن طاقتها نفدت.

 

وهنا تحديدا تأتي أهمية لقاء نبيلة مكرم بهذه النماذج الإنسانية.. فهي لم تذهب إلى الجمالية لتستمع إلى قصص نجاح مصنوعة بعناية، وإنما اقتربت من سيدات عشن الألم الحقيقي، وعرفن معنى أن تبدأ المرأة يومها وهي تحمل فوق كتفيها همّ بيت كامل، ثم تعود في نهاية اليوم لتواصل الدور نفسه وكأن شيئًا لم يكن.. الاستماع هنا ليس مجرد فعل إنساني عابر.. إنه اعتراف بأن وراء كل امرأة قصة لا يعرفها أحد.

 

فالمرأة التي تراها في الشارع قد تكون عادت لتوها من عمل شاق.. والبائعة التي تقف في السوق ربما أمضت الليل وهي تفكر في مصروف أبنائها.. والسيدة التي تبتسم لك ربما أخفت وراء ابتسامتها سنوات من الخوف والفقد والانكسار.. ومع ذلك.. يستمررن.

 

تلك هي الرسالة التي تحملها “أنتِ قوية كده إزاي؟”؛ أن القوة لا تعني أن المرأة لم تنكسر يوما، وإنما تعني أنها عرفت كيف تجمع نفسها وتبدأ من جديد.. وأن الصمود لا يعني غياب الدموع، بل القدرة على مسحها ومواصلة الطريق.

 

اقرأ أيضا: محافظ القاهرة يفتتح معرضى «أهلًا مدارس» بحيى وسط وباب الشعرية

ومن قلب الجمالية، تبدو رسالة المبادرة أكثر وضوحا: هناك نساء لا يحتجن إلى من يخبرهن أنهن قويات.. لأنهن أثبتن ذلك بالفعل.. لكنهن يحتجن فقط إلى من يسمعهن، من يقول لهن إن ما فعلنه طوال السنوات الماضية لم يكن أمرا عاديا.. وأن تربية الأبناء وحدها في مواجهة الظروف بطولة.. وأن العمل في فرن أو الوقوف في الأسواق من أجل لقمة العيش ليس مجرد وظيفة، وإنما فصل من فصول الكفاح.. وأن المرأة التي حافظت على بيتها وأبنائها رغم غياب السند تستحق أن تروى قصتها، لا أن تمر في صمت.

 

وهنا تتجدد الرسالة الإنسانية للسفيرة نبيلة مكرم، من خلال الاقتراب من النساء في أماكنهن، والاستماع إلى أصواتهن، ومنح تجاربهن مساحة تستحقها.. لتصبح الحكاية الفردية رسالة جماعية، ويتحول الألم الذي عاشته امرأة إلى طاقة أمل لامرأة أخرى.. فربما تجلس سيدة اليوم وتظن أنها الوحيدة التي تُركت وحدها.. فتسمع قصة امرأة أخرى وتكتشف أنها ليست وحدها.

 

وربما ترى أم أنه لم يعد لديها ما تقدمه لأبنائها.. فتسمع عن أم عملت في أقسى الظروف حتى كبر أبناؤها، فتقرر أن تبدأ من جديد.. وربما تكون امرأة في لحظة ضعف، فتتذكر تلك الجملة التي قالتها سيدات الجمالية بكل يقين: “ربنا اللي بيقوينا”.. وهكذا، لا تصبح المبادرة مجرد لقاء، ولا تتحول الحكايات إلى كلمات تنتهي بانتهاء الفعالية.. وإنما تترك أثرا أعمق: أن كل امرأة تحمل داخلها قدرة على النجاة قد لا تعرفها إلا عندما تضعها الحياة أمام الاختبار.

 

نساء الجمالية لم يقلن إن الحياة كانت سهلة.. لم يقلن إنهن لم يتألمن.. ولم يقلن إن الطريق كان رحيمًا.. 

قلن فقط: “ربنا اللي بيقوينا”.. وربما لا توجد إجابة أكثر إنسانية، ولا أكثر اختصارا، لسؤال المبادرة كله 

اقرأ أيضا: مسؤولة بـ”التعليم”: مواد الهوية ودعم فلسطين سبب الهجوم على الوزير

‫0 تعليق

اترك تعليقاً