تربية “الشيهم” بدلا من صيده.. هل تكرر ليبيا “التجربة الصينية”؟ | علوم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في الوقت الذي أطلقت فيه منظمة ليبية معنية بالحياة البرية، تحذيرا من أن “الصيد الترفيهي” لحيوان “الشيهم” أو ما يعرف محليا باسم “صيد الليل” أو “النيص”، قد يعرضه لخطر الانقراض، خرجت دراسة لباحثين من جامعة عمر المختار، باقتراح مستمد من التجربة الصينية، وهو دعوة الجهات المعنية بالحفاظ على هذا الحيوان، إلى دراسة إمكانية تحويله من حيوان بري إلى أحد حيوانات المزرعة.

اقرأ أيضا: جدول ترتيب الدوري المصري بعد انتهاء الجولة الأولى 

ويعرف هذا الحيوان علميا باسم “هيستريكس كريستاتا “( Hystrix cristata)، ويعيش في الجحور بمناطق متفرقة من شمال أفريقيا، ومنها ليبيا، وهو حيوان عاشب يتغذى بشكل أساسي على الجذور والدرنات والبصيلات والثمار والأجزاء النباتية، ويميل إلى النشاط ليلا ولا يهاجم البشر، ويشتهر بجسمه المغطى بأشواك طويلة صلبة يستخدمها للدفاع عن نفسه عند الشعور بالخطر.

وتتنوع أسباب صيد هذا الحيوان، فبعض المزارعين يعمدون إلى ذلك حماية للزراعات الخاصة بهم، والتي يتغذى عليها الحيوان، كما يتم استغلاله في بعض المناطق كطعام، وأخيرا، رصدت منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا الصيد الترفيهي للحيوان، كشكل من أشكال التنافس بين البعض على من يصيد أعدادا أكبر باستخدام كلاب صيد صغيرة مدربة تُعرف محليا بـ”كلاب النشنوش”.

وإذا كانت المنظمة الليبية، قد أبدت تسامحا مع الصيد بغرض الطعام، على أن يكون ذلك بحدود، كما تفهمت إقدام بعض المزارعين على صيده حماية لزراعاتهم، ووجهتهم لحلول عملية بديلة، مثل تسييج المحاصيل والاستفادة من كلاب الحراسة، إلا أنها لم تجد أي مبررات للصيد الترفيهي.

واعتبرت المنظمة في بيان على صفحتها بموقع “فيسبوك”، أن تحويل الحياة البرية إلى مسابقة في “من يصيد أكثر” شيء آخر تماما، وقد يؤدي إلى انقراض الحيوان، وهو نفس المصير الذي يتوقعه الدكتور عمر الشيخلي، الأستاذ بكلية العلوم في جامعة بغداد، إذ وجد الاقتراح بتحويل “الشيهم” إلى حيوان مزرعة قبولا.

الصيد الجائر لحيوان
الصيد الجائر لحيوان “الشيهم” يهدد بدخوله خطر الانقراض (منظمة البراري لصون الطبيعة)

إغراء القيمة الغذائية

وخرج هذا الاقتراح من الدراسة الليبية المنشورة بدورية “ليبين ميديكل جورنال” (Libyan Medical Journal)، والتي استخدم فيها الباحثون مجموعة من التقنيات المعملية لإجراء تحليلات القيمة الغذائية للحم الشيهم، مقارنة بلحوم الأغنام والأبقار، حيث استخدموا جهاز كيلدال (Kjeldahl) لقياس محتوى البروتين، وجهاز سوكسليت (Soxhlet) لتحديد نسبة الدهون، إلى جانب تقنية الكروماتوغرافيا السائلة عالية الأداء (HPLC) لتحليل الأحماض الأمينية.

وأظهرت النتائج أن محتوى البروتين في لحم الشيهم كان أعلى من مثيله في لحوم الأغنام والأبقار، كما سجل لحم الشيهم محتوى من الدهون أعلى من اللحوم التي جرت المقارنة بها.

وأغرت هذه النتيجة غير المسبوقة عن القيمة الغذائية، الباحثين للخروج بفكرة وتربيته كحيوان مزرعة بهدف الاستفادة من لحمه والمساهمة في زيادة إنتاج اللحوم محليا، بدلا من الاعتماد على صيده من البرية.

ويقول عمر إن هذا الاقتراح سيعجل بانقراض الشيهم من البرية، إذ أنه سيؤدي إلى تنامي عمليات صيد الأمهات التي يمكن استخدامها لتأسيس قطعان التربية، وإذا زاد الطلب على لحمه، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الصيد بدلا من تقليله.

ويوضح أن تنفيذ مثل هذا الاقتراح يحتاج إلى ضوابط وقوانين صارمة، لسنا مستعدين حاليا في العالم العربي لتنفيذها، إذ ينبغي مثلا كما هو مطبق في الصين، أن تعتمد التربية على نسل مولود في الأسر، مع الاحتفاظ بسجلات النسب والتكاثر وبيانات الأفراد، حتى يمكن عقاب المخالفين، لكن ما سيحدث عندنا هو أنه سيتم صيد الحيوان من البرية، والادعاء أنه مولود في الأسر.

ويضيف أنه أيضا في الصين يتم الاعتماد على حيوانات تعطي نسلا مرتفعا مثل “جرذ الخيزران الصيني”، الذي ينتج تسعة مواليد في عملية الولادة الواحدة، بينما الشيهم يعطي من واحد إلى اثنين فقط، وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على جلب الحيوان من البرية.

حيوانات
حيوانات “الشيهم” النافقة بسبب منافسات الصيد الترفيهي (منظمة البراري لصون الطبيعة)

اقتراح عكس التيار

ويشير عمر إلى نقطة أخرى، وهي أن نقل حيوانات برية إلى المزارع يمكن أن يسمح بانتقال مسببات الأمراض من الحياة البرية إلى الحيوانات المستأنسة أو البشر، والعكس، كما أن تجميع عدد كبير من الحيوانات في مكان واحد قد يغير آليات انتشار الأمراض والطفيليات.

ويقول إن “البعد الصحي أصبح حاضرا وبقوة بعد تفشي كوفيد-19، ووجود شبهات حول انتقاله من الحيوانات إلى البشر، إذ أصبحت الصين تشدد من قيودها على استغلال الحيوانات البرية، وأطلقت إجراءات لإغلاق أو تنظيم الأنشطة التي كانت تعتمد على الحيوانات البرية لأغراض الغذاء، لذلك فإن اقتراح تحويل الشيهم لحيوان مزرعة يبدو عكس التيار، فبينما تسعى الدولة الرائدة في هذا المجال إلى المنع والتنظيم، نسعى نحن لاقتحامه، فهذا يبدو غريبا”.

ويكرر أحمد عجاج، مدير منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا، نفس المخاوف التي أشار إليها عمر، قائلا في تصريحات للجزيرة نت إن “الدراسة التي قدمت الاقتراح، كانت مهمة كبداية لفهم القيمة الغذائية للشيهم، لكنها غير كافية علميا لاقتراح تحويله إلى حيوان مزرعة، لأنها لم تدرس بشكل عام الجدوى الاقتصادية، معدلات التكاثر، الأمراض، الرفق بالحيوان، أو تأثير التربية التجارية على الجماعات البرية، وهذه نقطة مهمة جدا”.

والمقصود بتأثير التربية التجارية على الجماعات البرية، أن الأصول المؤسسة للمزارع أو ما يطلق عليها “الأمهات”، سيتم جمعها من الطبيعة، وهذا سيزيد من الصيد والضغط على الجماعات البرية، فأي مزرعة تريد إنشاء حظيرة خاصة بتربية “الشيهم” ستضطر لشراء الأصول المؤسسة (الذكور والإناث البالغة) من الصيادين الذين يصطادونها من البرية، وبالتالي سيؤدي إلى ضغط متزايد عن طريق الصيد.

اقرأ أيضا: تشاهده بعينيك.. خسوف قمري يزين سماء العالم العربي خلال أيام | علوم

ويضيف أنه “بعد التربية، ستظهر مشكلة أخرى وهي التمييز بين الحيوانات المرباة أو الداجنة في الأسر، والحيوانات التي تم صيدها من البرية، فعند تطبيق القوانين أو القرارات، يصعب التمييز، فلو وجدت شخصا ذابحا لحيوان الشيهم وعرضه في محلات الجزارة أو الأسواق، فلن تعرف هل هو بري أم مربى في مزرعة، فهذا الأمر يحتاج إلى نظام تتبع قوي جدا، وعند وجود نظام تتبع ضعيف، فمن المؤكد صعوبة ضمان عدم دخول أفراد برية إلى السوق وبيعها على أنها منتجات مزارع، وهذا تحديدا من المخاطر التي ظهرت في تجارب تربية الشيهم في آسيا”.

ولفت أحمد إلى أمر آخر، وهو أن الدراسة اعتمدت على وجود استهلاك للشيهم في شرق ليبيا، وهذه ممارسة محلية لا تثبت وجود قبول مجتمعي واسع أو سوق تجاري كبير، مشيرا إلى أن أي استبيان علمي في عموم ليبيا سيثبت الرفض المجتمعي الذي يعود إلى عدة أسباب أبرزها أن “الشيهم” يقع تصنيفه ضمن القوارض، وتوجد معلومة خاطئة شائعة في ليبيا وغيرها بأنه من فصيلة الخنازير، كما أن هناك خلافا فقهيا في حكم أكله.

ويختم أحمد بأن” الأولوية لدينا حاليا هي الحفاظ على الحيوان من خطر الانقراض، عبر تقييم حالته في الطبيعة وحجم الصيد قبل التفكير في خلق أسواق جديدة للحمة”.

التربية من أجل الإنقاذ

وبينما يبدو هذا النمط من التربية لأغراض غذائية “غير مقبول”، فإن هناك نمطا آخر يشجعه عمر، وهو الذي تنفذه الجهات البيئية الحكومية، ويستخدم كأداة لحفظ الأنواع وإعادتها إلى البرية، لكن الخوف على انقراض حيوان الشيهم لم يصل في تقديره، إلى الحد الذي يدفع لهذا التدخل.

ومن التجارب الرائدة في هذا المجال، التجربة السعودية، حيث كانت أعداد الغزلان العربية والرملية قد تراجعت بشدة بسبب الصيد المكثف وتدهور الموائل، وتم إنشاء برامج للتربية في الأسر ثم إعادة إطلاق الحيوانات في المحميات.

وتُظهر دراسة نشرتها دورية “بايولوجيكل كونسرفيشن” (Biological Conservation)، أن التربية في الأسر كانت مفيدة جدا للحفاظ على النوع، حيث أُعيد إطلاق 240 غزالا رمليا و73 غزلا عربيا في محمية عروق بني معارض جنوب المملكة، وذلك بعد إكثارها في الأسر، وأظهرت متابعة بعد نحو 20 عاما أن المجموعات أعادت تأسيس تجمعات مستقرة في المحمية.

وعلى ذلك، يخلص الخبيران إلى أن اقتراح تحويل “الشيهم” من حيوان بري إلى أحد حيوانات المزرعة، يبدو خارج السياق، إذ لا تكفي القيمة الغذائية لتمريره، وإلا لكان الأولى أن تستثمر السعودية في لحم الغزال، الذي سيجد قبولا لدى قطاع عريض من المستهلكين، بينما “الشيهم” قد يتقبله فئة محدودة من سكان شرق ليبيا، ولا يجد قبولا في باقي المناطق.

اقرأ أيضا: القومي للاتصالات يفتح باب التسجيل في برنامج «سفراء الذكاء الاصطناعي» 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً