ماذا تعني قضية وسيم الأسد لمسار العدالة الانتقالية في سوريا؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إن حكم الإعدام بحق وسيم الأسد، الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في 18 أغسطس/آب 2026، والذي لا يزال قابلا للطعن بالنقض، يحمل دلالة رمزية كبيرة؛ فقد حوكم أحد أفراد الأسرة الحاكمة السابقة حضوريا، وأدين بجرائم وصفت المحكمة بعضا منها بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

غير أن الثقل الرمزي لهذه اللحظة لا ينبغي أن يحسم السؤال المحوري الذي تطرحه العدالة الانتقالية فعليا، والمتمثل في مدى قدرة هذه المحاكمة على أداء الوظائف المنتظرة من العدالة الانتقالية: إرساء المسؤولية على أسس قانونية، والاعتراف بالضحايا، وتعزيز الثقة بسيادة القانون.

ويكشف الحكم عن التوترات الملازمة لأي مسار جنائي يعقب انهيار نظام سلطوي، ولذلك ينبغي تقييمه في ضوء هذه الاعتبارات، لا في ضوء الصدى السياسي لنتيجته وحده.

بالنسبة إلى الضحايا، تكتسب الإجراءات أهميتها على مستويين ينبغي الفصل بينهما تحليليا: أولهما وظيفة الاعتراف؛ فصدور حكم قضائي علني عن محكمة سورية يقرر المسؤولية الجنائية الفردية بحق شخص وثيق الصلة بالأسرة الحاكمة السابقة يتحدى علنا التصور القائل إن مثل هذا القرب من السلطة يمكن أن يضع المشتبه فيه خارج نطاق القضاء الوطني، أما المستوى الثاني فهو وظيفة جبر الضرر

يدين الحكم، بحسب المحكمة، وسيم الأسد بالقتل العمد، والقتل المقترن بالتعذيب والوحشية، والحرمان من الحرية، وجرائم ذات صلة، وينسب إليه تشكيل مجموعتين مسلحتين رديفتين والإشراف عليهما، كانتا تنشطان في المليحة بالغوطة الشرقية بين عامي 2012 و2014.

المحكمة وصفت بعض الأفعال بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، مع تطبيق عقوبات مقررة بموجب القانون الجنائي السوري الداخلي.

وأمرت المحكمة بتعويض مدني للمدعين الشخصيين الذين قبلت مطالباتهم، وثبتت الحجز على أموال المتهم، وأمرت بمصادرتها لصالح الخزينة العامة بعد تنفيذ الالتزامات المدنية، كما أحالت القرار إلى الهيئة الوطنية للمفقودين فيما يتصل بمواقع دفن أبلغ عنها في بساتين المليحة.

ويثير الاستخدام المبلغ عنه لتوصيفات مستمدة من القانون الدولي، إلى جانب عقوبات مقررة في القانون الداخلي، سؤالا قانونيا: كيف ربطت المحكمة الوقائع الأساسية بالجرائم الداخلية المحددة، وبنمط من أنماط المسؤولية الجنائية الفردية الذي يكفي لإسناد العقوبة المحكوم بها؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلا بالرجوع إلى الحكم المعلل نفسه الذي ما زلنا ننتظر نشره.

بالنسبة إلى الضحايا، تكتسب الإجراءات أهميتها على مستويين ينبغي الفصل بينهما تحليليا: أولهما وظيفة الاعتراف؛ فصدور حكم قضائي علني عن محكمة سورية يقرر المسؤولية الجنائية الفردية بحق شخص وثيق الصلة بالأسرة الحاكمة السابقة يتحدى علنا التصور القائل إن مثل هذا القرب من السلطة يمكن أن يضع المشتبه فيه خارج نطاق القضاء الوطني.

أما المستوى الثاني فهو وظيفة جبر الضرر، وتشمل التدابير المبلغ عنها تعويضا مدنيا للمدعين المقبولين، واستمرار حماية الشهود بعد صدور الحكم، وحفظ هويات الشهود المشمولين بالحماية في ملف سري مختوم، والإحالة إلى الهيئة المعنية بالمفقودين.

وقد تكون لهذه التدابير أهمية مباشرة للضحايا القادرين على المشاركة في القضية وللشهود الذين يتلقون الحماية، إلا أنها لا تشكل بديلا عن برنامج شامل لجبر الضرر.

فالجبر الشامل يشمل الرد، وإعادة التأهيل، والترضية، وإحياء الذكرى، وضمانات عدم التكرار، كما يمتد إلى ضحايا لم يكونوا قط أطرافا في قضية جنائية بعينها.

وإن إسهام القضية في مسار العدالة الانتقالية يتوقف على ما إذا كان الحكم المعلل، والسجل الإثباتي، ومآل الطعن بالنقض ستتاح، مع مراعاة القيود الضرورية لحماية الشهود، بصيغة تمكن الإجراءات المستقبلية ضد متهمين آخرين من البناء عليها، ومن دون ذلك، يرجح أن تظل القضية حالة محدودة من المساءلة الفردية، بدلا من أن توفر أساسا موثوقا لمسار متماسك.

أما سلامة الإجراءات من الناحية القانونية، فهي الموضع الذي تبلغ فيه الرهانات النظرية ذروتها، فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1969، وتحصر المادة 6 (2) عقوبة الإعدام في “أشد الجرائم خطورة”، وهو تعبير تفسره اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تفسيرا ضيقا ليشمل الجرائم بالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمد، على أن تفرض العقوبة بموجب قانون كان نافذا وقت ارتكاب الجريمة، وبناء على حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.

اقرأ أيضا: زيزو يسجل هدف التعادل للأهلي أمام الشرقية إنبي

إن الدلالة النهائية لهذه القضية بالنسبة إلى مسار العدالة الانتقالية في سوريا ستتوقف بدرجة أقل على شدة العقوبة التي نطق بها في 18 أغسطس/آب 2026، وبدرجة أكبر على نزاهة الإجراءات، وجودة الحكم المعلل، وعدالة مراجعة النقض، وتوفير سبل انتصاف ذات معنى للضحايا

ويقرر التعليق العام رقم 36 كذلك أن انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 يجعل أي حكم بالإعدام ناتج عنه تعسفيا ومخالفا للمادة 6.

ولا يقتصر النقاش على استيفاء الحد الأدنى من الضمانات الإجرائية، بل يمتد أيضا إلى التساؤل عما إذا كانت عقوبة الإعدام لازمة أصلاً لتحقيق المساءلة عن أشد الجرائم جسامة.

فالمحكمة الجنائية الدولية، المختصة بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، لا تجيز بموجب المادة 77 من نظام روما الأساسي سوى عقوبات السجن، بما فيها السجن المؤبد في ظروف استثنائية، إلى جانب الغرامات والمصادرة.

ولا يعني ذلك أن سوريا، بوصفها دولة غير طرف في البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ممنوعة من الإبقاء على عقوبة الإعدام في قانونها الداخلي، كما أن المادة 80 من نظام روما الأساسي لا تمس تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القوانين الوطنية.

غير أن ذلك يبين أن المساءلة عن أفدح الجرائم يمكن أن تتحقق من دون اللجوء إلى الإعدام، وأن شرعية العملية الانتقالية لا تقاس بصرامة العقوبة، بل بقدرتها على إثبات المسؤولية الجنائية الفردية في إطار محاكمة عادلة، وصون حقوق الدفاع، وتمكين الضحايا من المشاركة والحصول على جبر ذي معنى.

ويعزز هذا التوجه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 79/179، الذي دعا الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام إلى وقف تنفيذها وتقليص نطاق تطبيقها، وإن ظل القرار غير ملزم قانونا.

أما الأطروحة النظرية التي تنتظم حولها هذه الملاحظات فهي أن صدور حكم بالإعدام بحق شخص قريب من الأسرة الحاكمة السابقة لا يفي، في مضمونه أو رمزيته، بالتزامات الدولة في مجال العدالة الانتقالية.

فهذه الالتزامات إجرائية بقدر ما هي موضوعية، وأي إجراء لا يصمد أمام فحص مستقل لأساسه الإثباتي، وضمانات حقوق الدفاع، وتعليله القانوني، يخاطر بإضعاف الادعاءات المرتبطة بسيادة القانون في إطار العدالة الانتقالية بدلا من تعزيزها.

ومن ثم، فإن الدلالة النهائية لهذه القضية بالنسبة إلى مسار العدالة الانتقالية في سوريا ستتوقف بدرجة أقل على شدة العقوبة التي نطق بها في 18 أغسطس/آب 2026، وبدرجة أكبر على نزاهة الإجراءات، وجودة الحكم المعلل، وعدالة مراجعة النقض، وتوفير سبل انتصاف ذات معنى للضحايا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: «الإعلاميين»: لم نعرض على الإعلامي شريف عامر عضوية النقابة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً