أثارت دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية “الآن” في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد التساؤلات بشأن الجهة التي يخاطبها -وهو رئيس البلاد- وهل هناك خلافات داخل النظام تعوق حسم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وإنهاء الصراع؟
اقرأ أيضا: هدفان +90| تعادل مثير بين مودرن والجونة في انطلاق الدوري
ففي الخطاب السياسي، نادرا ما يلجأ رئيس البلاد إلى “الدعوة” حثا لإنهاء حرب قائمة بدلا من توجيه الأوامر أو إعلان القرار، إلا أن الحديث الأخير لبزشكيان ودعوته الصريحة إلى إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة “الآن” فتحت الباب واسعا أمام تفكيك الشفرات المبطنة لخطابه.
ماذا قال مسعود بزشكيان؟
خلال كلمة له في مراسم الاحتفال بيوم الطبيب -الجمعة- في طهران قال بزشكيان “من الأفضل إنهاء الحرب اليوم، بينما نحن في موقع قوة وكرامة، وفيما يقر العالم بأسره بانتصارنا ويؤكد أن أمريكا هاجمت مدارسنا ومستشفياتنا ومنشآتنا في انتهاك لكل التنظيمات، وهي مكروهة عبر العالم”.
ودافع بزشكيان عن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي، مؤكدا أن “ما تحقق خلال المفاوضات كان إنجازا كبيرا صدَّق عليه المجلس الأعلى للأمن القومي”.
وأضاف أنه لا يمكن العثور في مذكرة التفاهم على “بند واحد يشير إلى استسلام، كل الالتزامات تتعلق بالطرف الآخر”.
لكنه أكد أن “هذه المسائل لا تعني أنه إن أرادوا شن اعتداء فعلينا أن نستسلم، هذان أمران مختلفان” مضيفا “لن نرضخ تحت أي ظرف للترهيب، وسنتصدى لهم حتى الرمق الأخير، ونرد عليهم بصورة ساحقة”.
وصرّح بزشكيان بأنه “قد تكون هناك اختلافات في الأذواق والآراء أو بعض الملاحظات، ولكن عندما يتعلق الأمر بالوطن، فسوف نعمل جميعا معا وبصوت واحد من أجل إيران، وسنظل في الميدان حتى الرمق الأخير لرفعة بلادنا”.
وتابع أنه يؤمن بأنه “لا يمكن الاستمرار في الحرب إلى الأبد، ولا بد من اتخاذ قرار في يوم من الأيام لإنقاذ البلاد من حالة لا حرب ولا سلم”.
وأشار إلى أنه في حالة الحرب أو لا حرب ولا سلم، لا تُجذب الاستثمارات إلى البلاد.
وقال “هناك أشخاص يجلسون على الهامش لأنهم لا يعرفون الظروف التي تعمل الحكومة في ظلها”.
وكان بزشكيان قد أشار في تصريحات أخرى إلى أن تداعيات الحرب مع أمريكا وإسرائيل فاقمت المشكلات الاقتصادية في بلاده، مشيرا إلى تراجع عائدات النفط وتدمير عدد من المصانع والمنشآت الصناعية.
خطاب تصعيدي مغاير
تصريحات الرئيس الإيراني بشأن رغبته في إنهاء الحرب جاءت في الوقت الذي يحذر فيه الحرس الثوري من أن أي تهديدات جديدة ستُواجَه برد “ساحق”، فضلا عن تصاعد التصريحات العدائية ضد دول المنطقة.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي -أمس السبت- إن “أي دولة تشارك في فرض قيود اقتصادية على إيران تُعَد عدوا”.
وأضاف رضائي في تصريح للتلفزيون الرسمي “نقول لكل الدول المجاورة وكل دول العالم: لا تنضموا إلى الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة”، وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تشديد العقوبات الاقتصادية الرامية إلى زيادة الضغوط على طهران.
وتابع رضائي “لم نهاجم بعد أي مصلحة اقتصادية أمريكية، وحتى الآن لم نستهدف إلا القواعد العسكرية، لكن إذا أرادوا فرض عقوبات اقتصادية علينا، فإن للولايات المتحدة شركات نفطية واقتصادية بجوار إيران وفي أماكن أخرى، وسنضربها”.
وشدّد على أنه “إذا أقدم ترمب على أي عمل (ضدنا) فستكون مواجهتنا أشبه بزلزال”.
تباين في الموقف التفاوضي
وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد أفادت -قبل أسبوعين- بأن هناك تعقيدات ميدانية وسياسية تعوق حسم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز، وسط مخاوف الوسطاء من تباين المواقف بين الفريق المفاوض في طهران ونفوذ الحرس الثوري داخل الممر المائي الإستراتيجي.
ونقلت الصحيفة عن وسطاء عرب في المفاوضات بين طهران وواشنطن أنهم يخشون ألا يملك الدبلوماسيون الإيرانيون النفوذ الكافي لضمان الالتزام بالاتفاق في حال التوصل إليه.
ونقلت الصحيفة أنه حتى بعد أن وزع الوسطاء مسودة اتفاق، واصل الحرس الثوري الضغط للحصول على الحق في فرض رسوم على عمليات العبور والمطالبة بضمانات أكثر صراحة بأن ترفع الولايات المتحدة حصارها وعقوباتها المفروضة على مبيعات النفط الإيراني.
وذكرت أن المفاوضين الإيرانيين يتحدثون بصراحة أكبر عن حدود قدرتهم على التأثير في مآلات المفاوضات، وأشاروا إلى أنهم يواجهون ضغوطا شديدة لتحقيق مكاسب مالية فورية من الاتفاقات التي يبرمونها.
ويرى محللون ودبلوماسيون عرب -بحسب الصحيفة- أن الانقسامات بين الفريق المفاوض والحرس الثوري تفاقمت بسبب الغياب التام للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، بينما كان والده علي خامنئي -الذي قُتل في الضربات الأولى للحرب- يرى نفسه حكما بين السلطات داخل البلاد.
لقاء بزشكيان وخامنئي
وقبل أيام، كشفت صحيفة تايمز البريطانية أن الانقسامات داخل النظام الإيراني حالت دون التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، رغم عقد بزشكيان اجتماعا نادرا مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي استمر 7 ساعات.
وحسب الصحيفة، كان بزشكيان قد هدد بالاستقالة إذا لم يُسمح له بلقاء خامنئي، سعيا للحصول على دعمه وتوضيح موقفه من مستقبل المواجهة مع واشنطن، وجاء ذلك في ظل خلاف متصاعد بين جناح رئاسي يميل إلى إنهاء الحرب، ومعسكر من “المتشددين” داخل الحرس الثوري الإيراني يدفع باتجاه استئناف العمليات العسكرية.
وأشارت الصحيفة إلى أن اللقاء الأول بين بزشكيان وخامنئي جرى في سيارة ذات نوافذ معتمة، حيث طُلب من الرئيس الإيراني إبقاء الحديث قصيرا وعدم لمس الرجل الجالس إلى جواره. وبعد انتهاء اللقاء، شك بزشكيان في أن الشخص الذي كان يجلس بجانبه هو بالفعل المرشد الأعلى، وطالب باجتماع ثان استمر -وفق روايته- 7 ساعات.
لكن الاجتماع لم ينجح في إنهاء الخلافات التي انتقلت لاحقا إلى العلن، ونقلت تايمز عن مفاوضين إيرانيين إبلاغهم وسطاء بأنهم عاجزون عن الموافقة على اتفاق جديد، بسبب رفض “المتشددين” تقديم تنازلات.
وتتمثل مطالب الحرس الثوري -وفق الصحيفة- في الاحتفاظ بالبرنامج النووي، واستعادة مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، والحصول على حق فرض رسوم عبور في مضيق هرمز.
وفي هذا الإطار، أكد مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان -في لقاء على الجزيرة- على أهمية اللقاء بين بزشكيان والمرشد الذي تزامن مع تعيين محسن رضائي أمينا عاما لمجلس الأمن القومي الإيراني، حيث إن الأخير يتناغم- بحسب صدقيان- مع بزشكيان وفريق التفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان) ووزير الخارجية عباس عراقجي.
ويرى صدقيان أنه مع هذا التناغم وهذا الفريق “قد نرى تحولات إيجابية قريبا تحرك هذا الجمود في الموقف الإيراني”، مستشهدا بتذمر بزشكيان من أنه لا يستطيع لقاء المرشد، ومن ثم بعد لقائه مع المرشد حصل على أجوبة لكل أسئلته.
خطابان متباينان في إيران
وبينما يصف بزشكيان اللحظة الراهنة بأنها “أفضل وقت للتوصل إلى اتفاق”، يتمسك الحرس الثوري بإبقاء مضيق هرمز مغلقا حتى تقبل الولايات المتحدة شروط طهران.
اقرأ أيضا: “قاع الهامور”.. ما قصة “سبونج بوب” الذي تحول إلى مجتمع مصري افتراضي؟ | أخبار
وتكشف أحدث التصريحات الإيرانية تباينا واضحا في اللغة والأولويات، لكنها لا تثبت بالضرورة وجود قرارين متناقضين. فالرئيس والحرس يلتقيان عند اشتراط تنفيذ واشنطن التزاماتها، لكنهما يختلفان في تقديم الطريق إلى ذلك: بزشكيان يضع الحوار في المقدمة، بينما يضع الحرس القوة والسيطرة الميدانية على المضيق في الصدارة.
وقال بزشكيان -في تصريحات قبل أيام- إن الظروف الحالية توفر فرصة مناسبة للتوصل إلى اتفاق، مستندا إلى ما وصفها بحالة التماسك والقوة والوحدة داخل البلاد.
وأضاف أن إيران تستطيع في هذه الظروف متابعة حقوقها ومطالبها عبر الحوار، مؤكدا أن القضايا القائمة “لا تُحل بالحرب وحدها”، وأن حكومته تحاول التحرك باتجاه السلام وفقا للبنود الواردة في مذكرة التفاهم السابقة.
في المقابل، يتمسك الحرس الثوري بخطاب أكثر صرامة بشأن المضيق. وقال المتحدث باسمه حسين محبي إن فتح المضيق غير مرتبط بالمفاوضات الإيرانية العمانية، في إشارة إلى أن التوصل إلى اتفاق بشأن مسارات الملاحة الجديدة لن يكون كافيا وحده لاستئناف الحركة الطبيعية للسفن.
وسبق للحرس أن أعلن أن المضيق لا يمكن إعادة فتحه ما دامت التهديدات الأمريكية والتدخلات في حركة الملاحة مستمرة، مؤكدا أن قواته البحرية تسيطر عليه ولن تسمح لقوة قادمة من خارج المنطقة بالتدخل في إدارته.
كما حذر الدول التي تساعد الولايات المتحدة من مواجهة “رد قاس” إذا لم تغير سلوكها، معتبرا أن استمرار التهديدات والتدخلات الأمريكية يجعل الوضع في المضيق أكثر صعوبة وتعقيدا.
تحذير من الانقسام الداخلي
ويتعرض بزشكيان لانتقادات من تيارات تعتبر التفاوض تفريطا في مكاسب الحرب، في حين يحذر الرئيس من أن الدعوة المستمرة إلى القتال تخدم هدف إسرائيل في إطالة أمد المواجهة.
وفي يونيو/حزيران الماضي، ربط بزشكيان بين الخلاف الداخلي وما وصفها بمصلحة “العدو”، قائلا إن أي رسالة تفوح منها رائحة التفرقة تسير في الاتجاه الذي يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه). كما قال إنه يستطيع الرد على بعض الكلام، لكنه يفضل الصمت لأن الوحدة في هذه المرحلة أهم من الرد، وذلك في كلمة منشورة على موقع الرئاسة الإيرانية.
وتبدو تحذيرات بزشكيان مرتبطة بحسابين متداخلين: حساب اقتصادي داخلي يريد تحويل التفاهم إلى متنفس للمعيشة، وحساب سياسي تفاوضي يخشى أن تستغل أمريكا أي شرخ داخلي للضغط على طهران.
وتكشف المعطيات تباينات واضحة داخل قاعدة السلطة بشأن التفاهم، بعضها خرج إلى العلن، وبعضها يمكن استنتاجه من إصرار بزشكيان على تكرار التحذير من الانقسام الداخلي ودعوته المستمرة إلى إنهاء الحرب.
من يملك الكلمة الأخيرة؟
وفقا للمادة 176 من الدستور الإيراني، يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يحدد السياسات الدفاعية والأمنية وينسق الأنشطة السياسية والعسكرية والاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي.
ويضم المجلس رؤساء السلطات وقادة القوات المسلحة (الجيش والحرس الثوري) ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات والدفاع وممثلين عن المرشد، لكن قراراته لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المرشد.
كما تمنح المادة 110 المرشد القيادة العليا للقوات المسلحة وصلاحية إعلان الحرب والسلام وتعبئة القوات. وبذلك، لا يملك بزشكيان منفردا قرار التسوية، كما لا يستطيع الحرس وحده تقرير استمرار الحرب أو رفض الاتفاق النهائي.
ويضيف تعيين محسن رضائي -وهو القائد الأسبق للحرس الثوري- أمينا لمجلس الأمن القومي وممثلا للمرشد فيه ثقلا عسكريا واضحا إلى مركز صناعة القرار الأمني، لكنه لا ينقل القرار إلى الحرس وحده، إذ يبقى المجلس مؤسسة جماعية يرأسها بزشكيان، وتحتاج قراراتها إلى موافقة المرشد.
اقرأ أيضا: التشكيل الرسمي للشرقية إنبي لمواجهة الأهلي بالدوري