«هوس البريستيچ».. كيف تحولت الألقاب المزيفة إلى جرائم؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تزايدت وقائع انتحال الصفة، وادعاء شغل وظائف ومناصب مرموقة، خلال الفترة الأخيرة، سواء على أرض الواقع أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ باتت الظاهرة تثير تساؤلات عديدة حول دوافع مرتكبيها، وحدود المسؤولية الجنائية المترتبة عليها، وكيفية حماية المواطنين من الوقوع ضحايا لهذه الممارسات.

اقرأ أيضا: وزير البترول يبحث مع رئيس «أدنوك للحفر» إقامة شراكات استراتيجية

الأمر لم يعد مجرد ادعاء صفة أو لقب، بل قد يتطور إلى النصب والتزوير والاستيلاء على أموال الغير، بما يشكل تهديدًا لثقة المجتمع وهيبة المؤسسات.

ولعل الواقعة التي شهدتها محكمة شمال القاهرة الابتدائية، عندما انتحل “عاطل” انتحال صفة قاضي، والوصول إلى منصة القضاء، بل وتوثيق ذلك عبر فيديوهات بثت على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلاً تلك الصفة المزعومة في عمليات نصب واحتيال استهدفت المواطنين كذلك ظهور العديد من الدخلاء في مجالات مختلفة كالطب والصيدلة والصحافة والأعلام .

وفي هذا التحقيق، تستعرض «بوابة أخبار اليوم» مع نخبة من المتخصصين، أبرز الدوافع النفسية والاجتماعية وراء انتحال الصفة، والعقوبات التي يقررها القانون المصري لمواجهتها، إلى جانب أهم سبل الوقاية وكيفية التحقق من حقيقة الأشخاص والصفات التي يدّعونها.

 

اقرأ ايضا| القصة الكاملة لانتحال متهم صفة قاض وتصويره داخل قاعة محكمة بالقاهرة

 

وفي هذا السيق، أكدت الدكتورة هند نجيب السيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، على ضرورة تكاتف الجهود المجتمعية والتشريعية لمواجهة هذه الظاهرة التي تمثل مساساً مباشراً بأمن المجتمع وهيبة مؤسساته.

 

◄ ماذا يقول قانون العقوبات؟

 

أوضحت أستاذ القانون الجنائي، أن المشرّع المصري كان سباقاً في التصدي لهذه الجرائم منذ عقود طويلة؛ حيث عالج قانون العقوبات المصري الصادر عام 1937 هذه النوعية من الجرائم بوضوح تام، وتحديداً في المواد من (155) إلى (156)، والتي تضمنت تفصيلات دقيقة تتناول أكثر من أربع أو خمس صور لجريمة انتحال الصفة أو ارتداء زي رسمي دون سند قانوني ممن لا يملكون صفة العمل في جهة أو مكان معين.

وأشارت إلى أن هذه الجرائم تُصنف قانوناً على أنها “جرائم خطر”، نظراً لما تشكله من تهديد جسيم للمجتمع، لما تتضمنه من تضليل للرأي العام، وتحدٍ واعتداء سافر على سيادة الدولة وهيبة مؤسساتها الرسمية، وهو ما استدعى تجريمها بكافة صورها وأشكالها.

وأضافت أنه في كثير من الأحيان تتطور هذه الجرائم لتأخذ منحى أكثر خطورة، وذلك حين يتحول انتحال الصفة الوهمية أو ارتداء الزي الرسمي إلى “جريمة نصب واحتيال متكاملة الأركان”، وذلك عندما يعمد الجاني إلى استخدام الأسماء والصفات الكاذبة لإيهام الضحايا بغرض الاستيلاء على أموالهم أو تحقيق منافع شخصية غير مشروعة.

 

◄ التكنولوجيا الحديثة وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات

 

لفتت الدكتورة هند إلى أن قانون مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات رقم (175) لسنة 2018 قد تطرق بوضوح إلى هذه الممارسات المستحدثة، لاسيما فيما يتعلق بإنشاء حسابات وهمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء بانتحال صفة شخص طبيعي أو شخص اعتباري.

وقد شدد المشرّع العقوبات في حال تم استخدام هذه الحسابات الوهمية للتشهير أو الإساءة، لا سيما إذا وقعت الإساءة ضد جهات حكومية أو أشخاص اعتبارية عامة. وتتضاعف قسوة العقوبات وتشتد خطورتها إذا اقترن هذا المحتوى المصطنع بمواد منافية للآداب، أو تعمُّد واضح للمساس بالاعتبار والشرف.

وفي السياق ذاته، أكدت الخبيرة القانونية أن منصات التواصل الاجتماعي قد سهلت بطبيعتها ارتكاب هذه النوعية من الجرائم، نظراً لما تتيحه من مظلات وهمية تضمن للجناة قدراً كبيراً من التخفي، وصعوبة معرفة أماكن تواجدهم الحقيقية، والتحقق من صحة الأوسمة أو الأزياء الرسمية التي يظهرون بها. كما أن الفضاء الإلكتروني يمنح هؤلاء المحتالين القدرة على الوصول إلى قطاع عريض وعدد أكبر من المستخدمين مقارنة بالوسائل التقليدية.

 

◄ الدوافع المجتمعية والنفسية وراء الظاهرة

 

من الناحية السوسيولوجية والنفسية، استعرضت الدكتورة هند نجيب السيد الأسباب الكامنة وراء لجوء بعض الأفراد لارتكاب هذه الجرائم، مبينة أن هناك دافعين أساسيين:

أولاً دوافع مادية واجتماعية: يسعى بعض الجناة إلى تقمص شخصيات تحظى باحترام وتقدير أكبر في المجتمع، معتقدين أن هذه الصفات المنتحلة ستسهل لهم الحصول على معاملة تفضيلية، أو بناء شبكة معارف واسعة، أو تحقيق مصالح شخصية ومكاسب مادية بطرق غير مشروعة مستغلين الترويج الإلكتروني.

ثانياً دوافع نفسية تعويضية: في بعض الحالات، لا يكون الهدف الرئيسي هو النصب المادي، بل يرجع السلوك إلى اضطرابات أو حالات نفسية يعاني منها الشخص، مثل الإحساس بالدونية أو الرغبة الملحة في الشعور بالقيمة الذاتية. فقد يدفع نقص التحصيل العلمي الفردَ إلى تزييف درجات علمية رفيعة كالدكتوراه والماجستير، أو ادعاء الانتماء لجهات سيادية للحصول على رضا نفسي وهمي يُشبع رغبته في التباهي.

 

◄ الوعي خط الدفاع الأول لمواجهة الجرائم الإلكترونية

 

اختتمت الدكتورة هند نجيب السيد تأكيداتها بالشدد على أن “الوعي الرقمي” هو الحصن الأساسي وركيزة المواجهة الحقيقية لكل الجرائم والمشكلات التي تقع عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

 

اقرأ ايضا| نقابة الصحفيين: نطالب بتشريعًا جديدًا لمواجهة منتحلي الصفة

 

وأوضحت أنه لا يمكن إعفاء مستخدمي منصات التواصل من المسؤولية بحجة أنهم “مواطنون بسطاء”، فكل من يمتلك القدرة على التعامل مع التطبيقات الرقمية، والتفاعل مع المنشورات، والتواصل عبر الفضاء الإلكتروني، لديه بالضرورة قدر ولو بسيط من الفهم والاحتياط العقلي.

وضربت مثالاً بالحالات المتداولة لأشخاص ينتحلون صفة قضاة أو مستشارين، متساءلة عما إذا كانت لغة الحديث أو الأسلوب أو حتى الهيئة المظهرية والمكتبية تتطابق مع حقيقة هذه المكانة الرفيعة، مشددة على وجود علامات واضحة يمكن لأي مواطن إدراكها بالعقل البسيط.

وشددت على ضرورة ألا يتم التعامل مع أي شخصيات عامة أو رسمية عبر الفضاء الإلكتروني بشكل مطلق، فإذا استدعت الضرورة التعامل مع جهة رسمية أو شخصية تم التعرف عليها عبر السوشيال ميديا، فلا بد من اللقاء المباشر “وجهاً لوجه”، والتحقق التام من الأوراق الثبوتية وصحة المهن والصفات على أرض الواقع. وختمت بالتأكيد على أن القاعدة العامة التي يجب أن ترسخ لدى الجميع هي ألا يصدق الإنسان كل ما يراه، وضرورة التحلي باليقظة والحذر المستمر في التعاملات الإلكترونية.

 

◄ حزمة من الجرائم.. القانون بالمرصاد

 

من جانبه أكد المحامي بالنقض والدستورية العليا، محمود البدوي، أن ما يحدث  يشكل حزمة من الجرائم الجنائية التي تعامل معها قانون العقوبات المصري (القانون رقم 58 لسنة 1937) بحزم شديد، مشيراً إلى أن الجريمة تتجاوز مجرد “الانتحال” لتصل إلى “التزوير” و”النصب”.

وأوضح البدوي في تصريحاته أن القانون المصري أفرد الباب العاشر منه لجرائم اختلاس الألقاب والوظائف، مفصلاً العقوبات كالتالي:

انتحال الصفة (المادة 155) والتي  تعاقب بالحبس كل من تدخل في وظيفة عمومية دون صفة رسمية أو أجرى عملاً من مقتضياتها.أما التزيين بالزي الرسمي (المادة 156) فهي تطال كل من لبس علانية كسوة رسمية أو حمل علامات مميزة لوظيفة لا حق له فيها.

اقرأ أيضا: محافظ البحيرة توجه برفع الإشغالات بشارع الروضة بدمنهور لتحقيق الإنضباط 

وأخيراً التحلي بالألقاب والأوسمة (المواد 157، 158، 159)  وتفرض غرامات مالية على من يتقلد ألقاباً أو أوسمة لا يملك حق حملها، مع جواز نشر الحكم كعقوبة أدبية أو تشهيرية بالمجرم.

 

◄ تزوير المحررات.. سلاح المتهم

 

ولفت البدوي إلى أن أي واقعة انتحال الصفة تستدعي البحث في تورط موظفين سهّلوا هذا الاختراق، مشدداً على أن جرائم التزوير في المحررات الرسمية تعتبر “جوهر القضية”، حيث تنص المواد (211، 212، 213، 214) من قانون العقوبات على عقوبات مغلظة تصل إلى السجن المشدد.
 
وفي حالة الموظف العام يعاقب بالسجن المشدد إذا ارتكب تزويراً في سجلات أو وثائق أثناء تأدية وظيفته.أما الشخص العادي  يعاقب بالسجن المشدد بمدة تزيد عن 10 سنوات إذا ارتكب تزويرًا في محررات رسمية. يعاقب كل من استعمل الأوراق المزورة مع علمه بتزويرها بالسجن المشدد من 3 إلى 10 سنوات.

وبحسب البدوي، فإن كافة هذه الأفعال هي “مقدمات إجرامية” انتهت بهدف الحصول على أموال المواطنين بطرق تدليسية، وهو ما يندرج تحت المادة (336) من قانون العقوبات المصري، التي تجرّم النصب والاحتيال الذي يُبنى على مظاهر زائفة توحي بالصدق لخداع الضحايا.

 

◄ دوافع انتحال الصفة

 

أوضحت الدكتورة إيمان عبدالله، استشاري العلاقات الأسرية والنفسية، أن الشخص الذي يُقدم على انتحال صفة أو منصب أو عمل ليس ملكاً له – سواء ادعى أنه قاضٍ، أو طبيب، أو غير ذلك – ينطلق في الغالب من محاولة سد فجوة نفسية عميقة ألا وهي الحاجة الملحة للشعور بالأهمية.

وتشير التحليلات النفسية إلى أن بعض منتحلي الصفات يعانون من نقص داخلي شديد في القيمة والمكانة، وعجزوا طوال حياتهم عن تحقيق النجاح بالطرق الطبيعية والمشروعة، فاندفعوا نحو الطرق الملتوية. وتقترن هذه الحالة برغبة جامحة في السيطرة والنفوذ، متأثرة أحياناً بجذور تنشئية ترجع إلى مراحل الطفولة المبكرة.

وهؤلاء الأفراد يسعون من وراء أفعالهم إلى تحقيق عدة مكاسب رئيسية، أبرزها:الهيبة المجتمعية والتمتع بعبارات التوقير والتقدير من قبيل: “أهلاً يا باشا”، و”أهلاً يا دكتور، في انتظارك”. والاستعلائية وإصدار الأوامر من خلال ممارسة السلطة الوهمية وكسب ثقة المحيطين وسرعة الاستحواذ على احترامهم.

 

◄ غياب الضمير والاضطرابات الشخصية

 

تؤكد د. إيمان عبدالله أن ارتكاب هذه الجرائم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ ضعف الضمير وانعدام التعاطف، وهما الركيزتان الأساسيتان اللتان تقومان مقام الموجه العصبي السلوكي للإنسان، حيث يمنحانه القدرة على تمييز الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وتجنب إيذاء الآخرين أو سرقتهم أو النصب عليهم. أما المحتال، فتغيب لديه آليات تأنيب الضمير تماماً، إذ يدخل إلى ساحة الجريمة بغرض “الاستحواذ “.

وفي كثير من الأحيان، تتشابك هذه الممارسات مع سمات الشخصية المعادية للمجتمع (السيكوباتية) أو النرجسية، والتي تصاحبها في بعض الحالات اضطرابات ذهنية أو حالات هواء شديدة، تجعل الشخص يؤمن بصحة دوره المفتعل إيماناً راسكاً، لدرجة قد تصل إلى الغضب الشديد إذا تجرأ أحد على التشكيك في هويته المزيفة.

 

◄ كيف يصدق المحتال كذبته؟

 

يمتلك منتحل الصفة مهارات عالية في قراءة نفسيات المحيطين ومعرفة ما يلزم لكسبهم والاحتيال عليهم، وتظهر هذه المهارة في إتقان المظهر الخارجي، وامتلاك لباقة عالية، وارتداء ثوب الشياكة والوقار الذي يتماشى مع طبيعة المنصب المنتحل.

وتشرح استشاري العلاقات الأسرية آلية “خداع الذات” قائلة إن الكذب يُعد السلوك الأكثر شيوعاً لدى هؤلاء الأشخاص؛ فحين يكرر الشخص الكذبة مراراً ويقنع بها نفسه — كأن يردد باستمرار “أنا قاضٍ” أو “أنا طبيب” — فإن عقله يميل شيئاً فشيئاً لتبني هذا الدور والتعايش معه، لتتولد لديه حصانة وهمية تعصيه على الاعتراف بالمشكلة، وينفصل تدريجياً عن واقعه الحقيقي إلى العالم المصطنع الذي بناه لنفسه.

 

◄ صدمة المجتمع وهشاشة الهوية

 

أشارت د. إيمان إلى أن وقوع المجتمع في فخ هؤلاء المحتالين يعود إلى استبعاد الناس فكرة أن يجرؤ أحد على انتحال صفة مناصب رفيعة وحساسة ، نظراً لما تتطلبه هذه الوظائف من دقة وشروط صارمة في الدخول والتعامل. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى وقوع بعض الثغرات في تركيز الضحايا؛ مثل عدم الانتباه للتفاصيل الدقيقة .

اقرأ أيضا: غدًا.. غرفة القاهرة توقع بروتوكولًا مع «الدلتا للأنظمة الإلكترونية»

‫0 تعليق

اترك تعليقاً