«أعدت له العشاء فأعد لها الموت».. مرافعة النيابة تهز المحكمة في قضية مقتل أم على يد ابنها

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في واحدة من أبشع القضايا التي هزت أرجاء شبرا الخيمة، امتزجت قسوة الجريمة بمرارة العقوق، وتحولت رابطة الأمومة التي طالما كانت عنوانا للحب والأمان إلى مسرح لجريمة مروعة، اتهم فيها ابن بإنهاء حياة والدته في واقعة أثارت صدمة واسعة وكشفت عن مأساة إنسانية تتجاوز حدود الجريمة إلى واحدة من أقسى صور العقوق.

اقرأ أيضا: «التكافل العقاري» في مصر.. حين يتحول المشتري إلى «بنك تمويل» بدون ضمانات!

وتنظر محكمة جنايات شبرا الخيمة، الدائرة الأولى، برئاسة المستشار أيمن فؤاد فهمي، وعضوية المستشارين أيمن حسين حمدان، وحسام همام العادلي، وهيثم حلمي علي، ومحمد علي حمودة، وأمانة سر إيهاب سليمان، القضية رقم 12910 لسنة 2024 جنايات قسم أول شبرا، والمقيدة برقم 2994 لسنة 2024 كلي جنوب بنها، والمعروفة بقضية مقتل السيدة صنعة عبد العزيز محمد على يد نجلها.

وخلال نظر القضية، تقدم المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة جنوب بنها الكلية، تحت إشراف المستشار كريم فرج المحامي العام لنيابة جنوب بنها والمستشار رفعت فيصل رئيس النيابة الكلية بنيابة جنوب بنها الكلية بمرافعة مؤثرة ومطولة أمام هيئة المحكمة، تناول خلالها تفاصيل الواقعة وأدلة الاتهام، مستعرضا مشاهد الجريمة وما حملته أوراق القضية من وقائع تكشف قسوة الاعتداء على المجني عليها، في قضية اجتمع فيها ألم فقدان الأم مع فاجعة أن يكون المتهم في قتلها هو نجلها.

مرافعة النيابة لم تكن مجرد سرد لوقائع القضية، وإنما جاءت في صورة رسالة قوية أمام منصة العدالة، تستعرض ملابسات الجريمة وتضع أمام المحكمة تفاصيل الواقعة وأدلتها، في قضية أصبح فيها السؤال الأشد قسوة: كيف انقلب الابن على من حملته وربته، وانتهى به الأمر متهما بإنهاء حياتها؟

 

◄ بداية المرافعة.. آيات البر في مواجهة جريمة العقوق

 

استهل المستشار مصطفى محمود وكيل النائب العام بنيابة جنوب بنها الكلية مرافعته بتلاوة قول الله تعالى «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما» ثم تساءل ممثل النيابة في كلمات حملت قدرا كبيرا من التأثر فهل بعد قول الله قول وهل بعد حكمه حكم وأكد أن الله كتب على بني الإنسان أن يكون بر الوالدين فرضا وأن يكون العقوق عارا وأن جزاء الإحسان ينبغي أن يكون إحسانا لا طعنة غدر ولا ضربة قهر ولا تعذيبا حتى الموت على يد من كان يفترض أن يكون حصنا وسندا وعونا.

وتابع ممثل النيابة مخاطبا المحكمة قائلا إنهم جاءوا إلى محراب العدالة حيث يجلس الحق مهيبا ويرفع ميزان العدالة صوابا وحيث لا تدفن الصرخات ولا تحجب الدموع ولا تذهب أرواح الأبرياء هدرا واستدعى ممثل النيابة خلال مرافعته صورة البر بالوالدين وما أعده الله للبارين من جزاء ثم وضع أمام المحكمة الصورة المقابلة لما اعتبره واحدا من أبشع صور العقوق، وقال إن القضية المطروحة ليست مجرد واقعة قتل عادية وإنما جريمة تحمل في تفاصيلها خيانة لرابطة الأمومة وعقوقا تجاوز الحدود وواقعة تقشعر لها الجلود إذ لم تأت الضربات من عدو غاشم بل بحسب ما جاء في المرافعة جاءت من الابن الذي كان يفترض أن يكون الأقرب إلى أمه والأكثر رحمة بها.

 

◄ كيف للكلمات أن تصف ما كتبته الدماء

 

وقال ممثل النيابة إنه تردد كثيرا وهو يكتب مرافعته متسائلا كيف يمكن للكلمات أن تصف ما تعجز عن وصفه الحروف وكيف يمكن للحروف أن تنسج قصة كتبتها الدماء ووصف القضية بأنها قصة خطها الألم ورسمها أنين أم قضت ساعتها الأخيرة تحت وطأة الاعتداء والتعذيب بحسب ما انتهت إليه التحقيقات وأدلة الدعوى وأضاف أن النيابة جاءت أمام المحكمة بقضية لا تشبهها قضية وبجريمة لا تمحوها السنوات وبخيانة لا يغفرها عقل ولا دين على حد وصفه وتحدث ممثل النيابة عن المتهم باعتباره ابنا ضل طريق البر واستبدل حياة الأسرة والطريق المستقيم بطريق المخدرات حتى غيبت المواد المخدرة عقله وطمست بصيرته وفق ما جاء بأوراق التحقيقات واعترافاته.

واستشهد بقول الله تعالى «ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة» ثم قال إن الحجارة قد تتفجر منها الأنهار وتخرج منها المياه لكن قلب المتهم لم يخرج منه سوى القسوة والطغيان بحسب ما صاغته المرافعة.

 

◄ الأم التي أفنت عمرها في التربية

 

انتقلت النيابة بعد ذلك إلى الحديث عن المجني عليها صنعة عبد العزيز محمد ووصفتها بأنها امرأة أثقلتها الأيام وأنهكتها الأوجاع لكنها ظلت أملا وصبرا وحنانا امرأة بلغت من العمر مرحلة الضعف لكنها ظلت تواجه ما ابتليت به من تصرفات نجلها وقال ممثل النيابة إن تلك الأم أفنت عمرها في التضحية وسهرت الليالي لتربية أبنائها وكابدت شقاء الأيام ولم تبخل بالعطف أو الدعاء.

 

◄ ثم طرح أمام المحكمة سؤالا حمل الكثير من الألم

 

فأي يد تلك التي امتدت لتطفئ نورها وأي قلب ذاك الذي قسا على من وهبته الحياة
وحدد ممثل النيابة هوية المتهم محمد سعد عبد الحميد وقال إن أوراق القضية رسمت صورة لعلاقة متوترة بينه وبين والدته وأنه بحسب التحقيقات كان يتعاطى المواد المخدرة وأن خلافاته معها كانت تدور حول حصوله على المال وأشار إلى أن المتهم أقر في التحقيقات بتعاطيه مواد مخدرة وبأن خلافات كانت تقع بينه وبين والدته بسبب طلبه المتكرر للأموال.

 

◄ سنوات من الخلافات والاعتداءات

 

بحسب ما عرضته النيابة فإن المجني عليها ظلت لفترات طويلة تتحمل تصرفات نجلها أملا في أن يعود إلى الطريق الصحيح وقال ممثل النيابة إن غريزة الأمومة كانت تدفعها إلى الصبر وإنها لم تيأس منه رغم ما شهدته العلاقة بينهما من خلافات واعتداءات بحسب أقوال الشهود والتحقيقات.

وأضاف أن المتهم كان يطلب المال بصورة متكررة لشراء المخدرات وأن والدته كانت تدفع له في بعض الأحيان خوفا من بطشه لا رضا بما يفعله وتابع ممثل النيابة أن المتهم بحسب تحريات الشرطة وأدلة الدعوى عقد العزم قبل الواقعة على قتل والدته وأنه فكر في الأمر ورتب له قبل تنفيذ الجريمة وقال إن المتهم كان يبحث عن المال بأي وسيلة وإن المأساة بلغت ذروتها عندما أصبح الثمن الذي يدفعه لتحقيق ذلك هو دماء أمه.

 

◄ ثلاثة أيام من التفكير قبل ليلة الجريمة

 

استعرضت المرافعة ما اعتبرته النيابة دليلا على توافر سبق الإصرار حيث أشارت إلى ما ورد بالتحقيقات والتحريات بشأن تفكير المتهم في التخلص من والدته قبل الواقعة ورسم ممثل النيابة صورة درامية للحظات التي سبقت الجريمة وقال إن المتهم جلس يفكر ويرتب ويدبر في كيفية الحصول على المال والتخلص من والدته وأشار إلى أن النيابة تستند في هذا التصور إلى جملة من الوقائع والاعترافات والتحريات من بينها اختيار توقيت الجريمة وطريقة الاعتداء ومحاولة منع وصول الاستغاثات إلى الخارج ثم وصلت المرافعة إلى السابع عشر من يوليو عام 2024 وهي الليلة التي قالت النيابة إنها كانت بداية الفصل الأخير من المأساة.

 

◄ الثانية صباحا.. والناس نيام

 

قال المستشار مصطفى محمود وكيل النائب العام بنيابة جنوب بنها الكلية إن الساعة كانت قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل والناس نيام وفي ذلك الوقت كانت الأم داخل منزلها تعد الطعام لنجلها دون أن تعلم بحسب وصف المرافعة أنها تعد ما يمكن أن يكون آخر وجبة له بينما كان هو يعد لها مصيرا آخر.

وقال ممثل النيابة إن المتهم طلب من والدته مبلغ 500 جنيه ورأت النيابة أن هذا الطلب لم يكن مجرد طلب عابر للمال وإنما كان وفقا لتصورها محاولة للوصول إلى المكان الذي تخفي فيه والدته مدخراتها وأضافت المرافعة أن المتهم صرخ في وجه والدته وأنها شعرت بالخطر خاصة مع تكرار الخلافات السابقة بينهما.

 

◄ العصا.. بداية الاعتداء

 

بحسب أقوال المتهم التي استعرضتها النيابة فإنه أحضر قطعة خشبية واعتدى بها على والدته وجاء في جانب من اعترافه الذي أوردته النيابة أنه توجه إلى والدته وهي في المنزل واعتدى عليها بالخشبة في الرأس والجسد واعتبرت النيابة أن طبيعة الأداة المستخدمة ومواضع الضربات وشدتها تعد من الوقائع التي تكشف عن القصد الجنائي في الدعوى وقالت إن المتهم لم يراع كبر سن والدته أو ضعف جسدها وإنه استمر في الاعتداء عليها وفقا لما أثبتته التحقيقات.

وتحدث ممثل النيابة عن صرخات المجني عليها وآلامها مؤكدا أن ما زاد المشهد قسوة هو ما نسب إلى المتهم من تشغيل آيات من القرآن الكريم عبر التلفاز ورفع الصوت في محاولة لإخفاء صوت الاستغاثة والأنين وتوقف ممثل النيابة طويلا أمام هذه النقطة قائلا إن آيات الرحمة لم توقف الجريمة ولم توقظ الضمير على حد وصفه.

 

◄ سقوط الأم ومحاولة النجاة

 

بحسب ما عرضته النيابة سقطت المجني عليها على الأرض متأثرة بالاعتداءات التي تعرضت لها وظن المتهم في مرحلة من المراحل أنها فارقت الحياة ثم جلس يفكر في كيفية التخلص من جثتها وفقا لما جاء في المرافعة لكن الأم عادت واستعادت قدرا من وعيها بعد فترة وهنا قالت النيابة إن المتهم كان أمام فرصة للتراجع وإنقاذ والدته ونقلها للعلاج لكنه وفقا لما انتهت إليه أوراق القضية لم يفعل ذلك بل نسبت إليه النيابة معاودة الاعتداء عليها مرة أخرى وقالت إن الاعتداء استمر على مدار ساعات وإن المجني عليها ظلت في حالة بالغة الخطورة على الأرض دون تلقي الإسعاف أو العلاج واستندت النيابة في ذلك إلى الأدلة القولية والفنية التي قدمتها أمام المحكمة.

 

◄ عشر ساعات من العذاب

 

وصفت النيابة الساعات التي قضتها المجني عليها بعد الاعتداء بأنها ساعات من الجحيم وقالت إن الأم بقيت مصابة وتعاني من آثار الضربات بينما لم يقدم لها المتهم المساعدة اللازمة بحسب ما جاء في التحقيقات وأضاف ممثل النيابة أن المتهم أقر بأنه ترك والدته بعد الاعتداء عليها وأنها كانت تطلب النجدة ثم دخل غرفته وشغل القرآن ونام وفقا لما ورد باعترافه في التحقيقات واعتبرت النيابة أن ترك المجني عليها دون إسعاف يمثل واحدا من الأدلة التي تدعم تصورها بشأن القصد الجنائي في الواقعة.

وفي الوقت الذي كان المتهم يفكر فيه في إخفاء آثار جريمته بحسب تصور النيابة حدث ما لم يكن في حساباته.

وصوت ابنته المجني عليها وشقيقة المتهم دعاء تنادي على والدتها وتطلب منها فتح الباب لكن المتهم رد عليها من داخل المنزل وطلب منها المغادرة وهددها بحسب ما شهدت به في التحقيقات ونقلت النيابة عن الشاهدة قولها إنها كانت تطرق الباب وتنادي على والدتها إلا أن شقيقها رد عليها قائلا لها «امشي دلوقتي يا دعاء عشان مموتكيش».

لكن ابنة المجني عليها شعرت بأن أمرا خطيرا قد حدث داخل المنزل ثم جاء الصوت الذي غير كل شيء صوت ضعيف متحشرج خرج من داخل المكان صوت الأم وهي تستغيث بابنتها طالبة إنقاذها ونقلها إلى المستشفى.

وقالت النيابة إن المجني عليها نادت على ابنتها «الحقيني يا دعاء أنا بموت وديني المستشفى» كان الصوت ضعيفا لكنه كان كافيا لكشف ما حدث خلف الباب.

 

◄ الاستغاثة والجيران والشرطة

 

حاولت الابنة الدخول وطرقت الباب بقوة واستغاثت بالجيران ثم طلبت النجدة وبعد ذلك وصلت قوات الشرطة إلى مكان الواقعة وقالت النيابة إن رجال الشرطة عثروا على المجني عليها مصابة بإصابات بالغة في أنحاء متفرقة من جسدها.

واستعرض ممثل النيابة شهادة الابنة التي وصفت ما شاهدته بعد دخول المنزل وقالت إنها وجدت والدتها مصابة بشدة وأن وجهها ورأسها وجسدها يحمل آثار اعتداءات وإصابات متعددة وتم نقل المجني عليها إلى المستشفى لتلقي العلاج.

 

◄ الأم تتحدث قبل الوفاة

 

كان من أبرز ما توقفت أمامه النيابة خلال المرافعة أقوال المجني عليها التي أدلت بها عقب نقلها إلى المستشفى فالأم التي كانت في لحظات بالغة الصعوبة لم تتحدث بحسب ما عرضته النيابة عن أي شيء سوى ما تعرضت له ومن اعتدى عليها وقالت المجني عليها في التحقيقات إن نجلها طلب منها مبلغ 500 جنيه لشراء مخدرات وإنه هددها بالحصول على المال بالقوة ثم أحضر أدوات واعتدى عليها في أنحاء جسدها كما نسبت إليه الاستيلاء على مبلغ مالي كان بحوزتها واعتبرت النيابة أقوال المجني عليها دليلا مهما في القضية خاصة أنها صدرت عقب الواقعة وقبل وفاتها.

وفي واحدة من أكثر فقرات المرافعة تأثيرا قال ممثل النيابة إن المجني عليها بعد نقلها للمستشفى وسؤالها لم يكن لها طلب أخير ولا وصية أخيرة سوى أن تحكي عن قاتلها نطقت بما تعرضت له ثم فارقت الحياة متأثرة بإصاباتها.

وصاغ ممثل النيابة في مرافعته حديثا أدبيا متخيلا على لسان الأم تسأل فيه نجلها لماذا يا ولدي هل ضاق صدرك بأمك ألم يعد لي بداخلك مكان، ثم قال كنت أرجو أن تكون عكازي حين تخور قوتي فكيف أصبحت اليد التي أوقعت بي كل هذا الألم.

ووجه ممثل النيابة حديثه إلى المحكمة قائلا إن هذه الصورة المأساوية تجسد الفارق بين ما تمنحه الأم لولدها وما انتهت إليه هذه العلاقة في تلك القضية.

 

◄ اعترافات المتهم أمام جهات التحقيق

 

بعد ضبط المتهم، بدأت التحقيقات في كشف جانب آخر من تفاصيل الواقعة وقالت النيابة إن المتهم أقر بتعاطي مواد مخدرة وإنه تعرف على رفقاء سوء علموه تعاطي البودرة والحشيش بحسب ما ورد في أقواله كما أقر بوجود خلافات متكررة مع والدته بسبب المال، ونقلت النيابة عنه قوله إن والدته كانت تمنحه الأموال التي يطلبها في أوقات سابقة وإنه كان يستخدم تلك الأموال في شراء المخدرات.

وعن واقعة الاعتداء استعرضت النيابة اعتراف المتهم بأنه أحضر خشبة واعتدى بها على والدته في الرأس والجسد وفي موضع آخر من التحقيقات سألته النيابة عما إذا كان باستطاعته الاستمرار في الاعتداء عليها فأجاب وفقا لما أوردته المرافعة بأنه كان سيواصل الاعتداء حتى تتوقف عن الحركة أو الصوت واعتبرت النيابة هذه الأقوال من أبرز الأدلة التي تستند إليها في إثبات نية القتل.

 

◄ أقل من متر بين الجاني وضحيته

 

توقفت النيابة كذلك أمام المسافة التي فصلت المتهم عن والدته أثناء الاعتداء وقالت إنه أقر بأن المسافة كانت أقل من متر واحد ورأت النيابة أن قرب المسافة مع استخدام أداة صلبة وتوجيه الضربات إلى الرأس والوجه وأماكن متعددة من الجسد يكشف عن خطورة الاعتداء كما توقفت أمام ما اعتبرته امتناعا من المتهم عن إنقاذ والدته رغم علمه بحالتها الخطيرة وقالت إنه لم يسعفها ولم ينقلها إلى المستشفى وتركها بعد سقوطها.

اقرأ أيضا: وزير الدفاع الإسرائيلي: الانتقاد الأمريكي للضربة على سوريا «حافل بالمغالطات»

 

◄ شهادة الابنة.. تهديد خلف الباب

 

استعرضت النيابة شهادة دعاء ابنة المجني عليها وشقيقة المتهم والتي قالت إنها ذهبت إلى المنزل للاطمئنان على والدتها لكنها فوجئت بمنعها من الدخول وأوضحت في أقوالها أن شقيقها هددها عندما حاولت الوصول إلى والدتها ثم سمعت صوت الأم تستغيث بها وتطلب إنقاذها وقالت النيابة إن هذه الشهادة تتوافق مع باقي الأدلة في الدعوى.

كما عرضت النيابة شهادة سارة أحمد إبراهيم الصواف والتي أكدت بحسب ما جاء في المرافعة أنها سمعت ما وقع من مشادة أمام المنزل ووصول الاستغاثات ثم دخول الشرطة وقالت النيابة إن الشاهدة رأت المجني عليها مصابة بإصابات بالغة وغير قادرة على الحركة وتم نقلها للعلاج.

أما الشاهد جميل فتحي ناشد عوض فقد استعرضت النيابة شهادته باعتباره جارا للمجني عليها والمتهم وقال إنه قرر سماع أنين المجني عليها طوال الليل وإنه حاول مطالبة المتهم بالتوقف عن الاعتداء عليها إلا أن المتهم لم يستجب وفقا لما ورد في أقواله كما تحدث الشاهد عن اعتياد المتهم على تعاطي المواد المخدرة بحسب ما أثبتته شهادته.

 

◄ تحريات المباحث

 

وقدمت النيابة كذلك تحريات النقيب أحمد خليل عبد الوهاب أحمد معاون مباحث قسم أول شبرا الخيمة ووفقا لما استعرضته المرافعة توصلت التحريات إلى أن الواقعة جاءت على خلفية خلافات بين المتهم ووالدته بسبب طلبه المال لشراء المواد المخدرة وأضافت التحريات بحسب ما عرضته النيابة أن المتهم عقد العزم قبل الواقعة على قتل والدته وانتظر الوقت الذي تقل فيه حركة الناس كما أشارت التحريات إلى استخدام المتهم للتلفاز ورفع الصوت لإخفاء استغاثات المجني عليها ثم اعتدائه عليها بالعصا في أنحاء متفرقة من جسدها.

وفي جانب الأدلة المادية قالت النيابة إنه تم العثور على الأداة الخشبية المستخدمة في الواقعة وأوضحت أن العصا كانت تحمل آثار دماء وخصلتين من الشعر ووفقا للدليل الفني الذي استعرضته النيابة فإن الآثار تخص المجني عليها كما أشارت النيابة إلى إجراء معاينة تصويرية قام خلالها المتهم بتمثيل كيفية ارتكاب الواقعة وطريقة الاعتداء على والدته على نحو يتفق مع ما جاء في إقراره وأقوال الشهود بحسب ما ذكرته المرافعة.

 

◄ تقرير الطب الشرعي يحسم سبب الوفاة

 

وفي الأدلة الفنية استندت النيابة إلى تقرير الصفة التشريحية لجثمان المجني عليها وأوضحت أن التقرير أثبت وجود إصابات متعددة من بينها جروح في الرأس وكدمات وإصابات في أماكن مختلفة من الجسم وخلص التقرير بحسب ما أوردته النيابة إلى أن الإصابات حدثت نتيجة المصادمة بجسم صلب راض وجائزة الحدوث من مثل العصا التي تم إرسالها للفحص.

كما عزى التقرير سبب الوفاة إلى إصابة الرأس ومضاعفاتها وما صاحبها من إصابات أخرى أضعفت مقاومة المجني عليها واعتبرت النيابة أن التقرير الفني جاء متفقا مع الأدلة القولية والمادية واعترافات المتهم.

انتقلت النيابة بعد استعراض الوقائع والأدلة إلى الحديث عن التكييف القانوني للجريمة وقال ممثل النيابة إنه يدرك أنه يقف أمام قضاة هم أهل القانون وصناعه وأن حديث القانون أمامهم ليس شرحا لما هو مجهول وإنما عرض لما تستند إليه النيابة في طلبها.

وأكدت النيابة أن جريمة القتل العمد تقوم على اتجاه إرادة الجاني إلى إزهاق روح المجني عليه وأن نية القتل تستخلص من ظروف الواقعة وملابساتها والأداة المستخدمة ومواضع الإصابات وطريقة الاعتداء.

وقالت إن تلك العناصر توافرت في الدعوى من وجهة نظرها واستندت النيابة إلى وجود خلافات سابقة وإلى اختيار المتهم مواضع خطرة للاعتداء وإلى تكرار الضربات وإلى ترك المجني عليها دون علاج أو إنقاذ.

 

◄ شواهد تؤكد توافر سبق الإصرار

 

وضعت النيابة عدة شواهد قالت إنها تؤكد توافر سبق الإصرار في الواقعة أولها ما وصفته بتخطيط المتهم للجريمة واختياره وقتا متأخرا من الليل وثانيها طلبه مبلغ المال وما اعتبرته النيابة محاولة للوصول إلى مكان مدخرات والدته وثالثها تجهيز الأداة الخشبية واستخدامها في الاعتداء.

كما أشارت إلى تشغيل التلفاز ورفع الصوت في محاولة لإخفاء صوت الاستغاثات واعتبرت النيابة أن هذه الوقائع مجتمعة تدل على أن الأمر لم يكن مجرد اعتداء عارض نشأ في لحظته وإنما سبقته فترة من التفكير والتدبير وفقا لتصورها المستند إلى أوراق القضية.

 

◄ ممثل النيابة يوجه حديثا مباشرًا إلى المتهم 

 

وفي الجزء الأخير من المرافعة وجه ممثل النيابة حديثا مباشرا إلى المتهم وقال يا محمد هذا حصاد تفكيرك هذا حصاد استسلامك إلى شيطانك هذا حصاد تعاطيك لسمومك وتساءل كيف يمكن لإنسان أن تمتد يده إلى أمه التي حملته وربته وأفنت عمرها من أجله وقال إن ما حدث يمثل لحظة انهار فيها كل معنى للرحمة وكل ما يفترض أن يكون بين الابن وأمه من بر وإحسان، وأضاف أن المال الذي سعى إليه المتهم بحسب ما نسبته إليه النيابة لم يكن يستحق قطرة واحدة من دم والدته.

ولم تقتصر المرافعة على حديثها عن المتهم وحده فقد وجه ممثل النيابة رسالة إلى المجتمع والأسر قائلا “ربوا أولادكم” وأكد أن الأم ليست مجرد شخص يقدم الخدمات داخل المنزل وليست مجرد جسد ينجب وإنما هي حياة تبذل وقلب يفنى وحنان لا ينضب ودعا الأبناء إلى بر أمهاتهم قبل أن يأتي اليوم الذي يتحول فيه الحنين إلى ندم ولا يعود أمام الإنسان سوى قبر بارد وذكريات لا يمكن استعادتها وقال إن كثيرا من الناس قد لا يدركون قيمة الأم إلا بعد فقدانها وإن الفرص التي تضيع في الحياة لا يمكن دائما تعويضها.

وفي حديثه عن البر والعقوق قال ممثل النيابة إن من أراد البركة والنجاة فعليه أن يعرف قدر والديه وأن طريق الخير يبدأ بالإحسان إليهما وحذر من السير في طريق القسوة والجحود واعتبر أن ما انتهت إليه هذه القضية يجب أن يكون رسالة لكل من يستهين ببر الوالدين أو يسمح لنفسه بأن تتحول الخلافات الأسرية إلى عنف.

◄ النيابة تطالب بأقصى عقوبة

 

وفي ختام المرافعة أكد المستشار مصطفى محمود وكيل النائب العام بنيابة جنوب بنها الكلية أنها تنظر إلى الواقعة باعتبارها جريمة بالغة الخطورة لا تقف آثارها عند حدود أسرة واحدة وقالت إن خطورة مثل هذه الجرائم تكمن في أنها تمس رابطة من أقدس الروابط الإنسانية وهي رابطة الابن بأمه وحذرت من أن المجتمع لا يمكن أن يقبل بأن تصبح الأم هدفا للعنف داخل بيتها وعلى يد من حملته وربته ثم تقدمت النيابة بطلبها النهائي بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم وهي الإعدام شنقا عما نسب إليه وأكد ممثل النيابة أن هذا الطلب يأتي بحسب ما تراه النيابة جزاء لما ارتكبه المتهم ولتحقيق الردع العام وحماية المجتمع.

واختتم مرافعته بالتأكيد على ثقته في عدالة المحكمة وفي قدرتها على وزن الأدلة وتحقيق العدالة وقال إن النيابة جاءت إلى المحكمة تحمل أدلة قولية ومادية وفنية ترى أنها اكتملت وتساندت لتكشف حقيقة ما جرى في تلك الليلة ليظل المشهد الأكثر إيلاما في هذه القضية هو ذلك التناقض القاسي الذي رسمته كلمات المرافعة أم كانت تعد الطعام لابنها في منتصف الليل بينما كان هو وفقا لما نسبته إليه النيابة يعد لها الموت، وبين يد كانت تمنح الحياة وأخرى امتدت بالعصا، وبين قلب أم ظل يرجو الهداية وقلب قالت النيابة إن المخدرات والقسوة أطفأتا فيه الرحمة.

وقفت القضية أمام محراب العدالة لتقول النيابة كلمتها الأخيرة إن دم الأم لا يذهب هدرا وإن العقوق حين يتحول إلى جريمة قتل فإن العدالة هي الكلمة الفاصلة والفصل الأخير يبقى دائما في يد القضاء.

اقرأ أيضا: عمال تنزانيون: مشروع «جوليوس نيريري» غيّر حياتنا وأسهم في تنمية البلاد

‫0 تعليق

اترك تعليقاً