صعود مثير.. 7 أسباب تقف وراء القفزة السياسية للمسلمين الأمريكيين | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تأبى شمس أغسطس/آب الحارة في أمريكا أن تغيب، إلا بعد أن تلقي ضوءها على إنجاز مميز آخر للتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. فقد فازت عائشة وهاب، أفغانية الأصل، في الانتخابات الخاصة بالدائرة الرابعة عشرة في كاليفورنيا، متغلبة على ميليسا هيرنانديز، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني تُنتخب لعضوية الكونغرس.

اقرأ أيضا: بعد عمرو دياب وأحمد سعد.. روبي تغني مع ابنتها طيبة في الساحل الشمالي

وبهذا الفوز، تلحق وهاب بعبدول السيد في ولاية ميشيغان، الذي فاز في الرابع من الشهر الجاري، بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ، بعد منافسة شديدة مع النائبة هيلي ستيفنز.

وإضافة إلى هذا الفوز المهم واللافت، الذي يجمع بينهما، هناك عوامل أخرى مشتركة يلتقيان فيها؛ من بينها أن كليهما يمثل التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وأنهما حققا انتصارا على مرشحين يحظيان بدعم التيار التقليدي والمؤسسة الديمقراطية العميقة في الحزب.

وهناك عامل آخر أكثر أهمية ودلالة، أن كليهما من المسلمين الأمريكيين، ولهذا الأمر -لو تعلمون- شأن عظيم.

فكيف حدث هذا؟ ولماذا الآن؟

لم يبدأ حضور المسلمين في الولايات المتحدة مع صعود أسماء سياسية معاصرة إلى الواجهة، بل تعود جذوره إلى تاريخ أقدم بكثير، ارتبط في مراحله الأولى بالمسلمين الأفارقة الذين وصل بعضهم إلى الأراضي الأمريكية قسرا في ظل تجارة الرقيق، ثم تواصل لاحقا عبر موجات الهجرة من العالمين العربي والإسلامي؛ لأسباب سياسية واقتصادية وغيرها.

وخلال هذا التاريخ الطويل، مرّ المجتمع المسلم الأمريكي بتحولات عميقة، لم تكن بعيدة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الولايات المتحدة نفسها. ومع مرور الوقت، انتقل المسلمون الأمريكيون من مجرد وجود ديني واجتماعي على الهامش إلى محاولة بناء حضور مدني وسياسي أكثر تنظيما، سواء من خلال التصويت، أو المشاركة في الحملات الانتخابية أو الترشح للمناصب العامة.

واللافت أن هذا الحضور السياسي لم يعد محصورا في حزب واحد؛ فالمسلمون الأمريكيون، مثل غيرهم من الأمريكيين، موزعون بين الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين، وإن كانت القضايا والأولويات السياسية تختلف بينهم باختلاف الأصول العرقية والاجتماعية والمناطق التي يعيشون فيها، وتأثرت توجهاتهم السياسية بالأحداث المحلية والخارجية بشكل كبير.

لم يكن نجاح إليسون مجرد فوز انتخابي عابر؛ فقد مثّل كسرا لحاجز نفسي وسياسي أمام مسلمي الولايات المتحدة، وأثبت أن الوصول إلى أعلى مستويات الحياة السياسية الأمريكية لم يعد أمرا مستبعدا بالنسبة إلى مرشح مسلم

البدايات

منذ بداية التسعينيات بدأ صعود المسلمين، في محطة تاريخية تمثلت بأول فوز لمسلم بمنصب عمدة في مدينة أمريكية.

وبعد نحو خمسة عشر عاما، جاءت محطة أكثر أهمية على المستوى الوطني؛ ففي عام 2006، انتُخب كيث إليسون عن ولاية مينيسوتا، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية الكونغرس الأمريكي قبل أن يبدأ خدمته في مجلس النواب عام 2007.

لم يكن نجاح إليسون مجرد فوز انتخابي عابر؛ فقد مثّل كسرا لحاجز نفسي وسياسي أمام مسلمي الولايات المتحدة، وأثبت أن الوصول إلى أعلى مستويات الحياة السياسية الأمريكية لم يعد أمرا مستبعدا بالنسبة إلى مرشح مسلم.

ومن هنا بدأ مسار جديد؛ فالنجاح -وإن كان صعبا- يولد نجاحا، والنموذج الناجح يفتح الطريق أمام نماذج أخرى.

لماذا ازداد الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين؟

يمكن فهم هذا التحول من خلال عدة عوامل:

أولا: التركيبة الديمغرافية للمجتمع المسلم الأمريكي

فهذا المجتمع شديد التنوع من الناحية العرقية والثقافية، ويضم أمريكيين من أصول أفريقية وعربية وجنوب آسيوية وآسيوية وغيرها، إلى جانب أجيال جديدة ولدت ونشأت داخل الولايات المتحدة.

وهذا التنوع لا يعني غياب الهوية المشتركة، بل على العكس؛ فقد أسهمت الخبرة الدينية والاجتماعية المشتركة في خلق مساحة من المصالح المشتركة، خصوصا في قضايا الحقوق المدنية والهجرة والتمييز والحريات الدينية.

ثانيا: استقرار المجتمعات المهاجرة

فموجات الهجرة القادمة من دول عربية وإسلامية، خصوصا خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أدت إلى نشوء تجمعات مسلمة كبيرة في ولايات مثل ميشيغان، ومينيسوتا، ونيويورك، ونيوجيرسي، وكاليفورنيا، وإلينوي، وتكساس.

ومع الاستقرار، لم تعد القضية مجرد الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية، بل ظهرت الحاجة إلى بناء مؤسسات ومدارس ومنظمات مدنية وشبكات اجتماعية، وهي كلها عناصر تتحول مع الوقت إلى قاعدة للمشاركة السياسية.

ثالثا: الجيل الجديد من الهوية إلى المشاركة

هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ظهور أجيال من المسلمين الأمريكيين الذين يجمعون بين جذورهم العائلية والثقافية، وبين التجربة الأمريكية الحياتية.

فالمواطن المسلم الذي ولد في الولايات المتحدة أو حصل على جنسيتها لا ينظر إلى السياسة الأمريكية باعتبارها شأنا بعيدا عنه، بل باعتبارها جزءا مباشرا من حياته ومستقبله.

ومع توسع قاعدة المواطنين المسلمين المؤهلين للتصويت، بدأت الحملات الانتخابية تنظر بصورة أكبر إلى أصواتهم، خصوصا في الولايات والدوائر التي تتمتع فيها التجمعات المسلمة بوزن انتخابي يمكن أن يكون مؤثرا في الانتخابات المتقاربة.

لكن التأثير لا يرتبط دائما بالعدد وحده؛ ففي الانتخابات الأمريكية، قد تكون مجموعة انتخابية صغيرة نسبيا قادرة على إحداث فارق إذا كانت منظمة، ونشطة ومتركزة جغرافيا، وقادرة على بناء تحالفات مع مجموعات أخرى.

تحولت السياسة بالنسبة إلى جزء من المسلمين الأمريكيين من مساحة اختيارية إلى وسيلة للدفاع عن الذات والمجتمع، ومحاولة للتأثير في السياسات التي تمس حياتهم بصورة مباشرة

رابعا: 11 سبتمبر/أيلول نقطة تحول سياسية

كان هجوم 11 سبتمبر/أيلول 2001 نقطة تحول في علاقة كثير من المسلمين الأمريكيين بالحياة العامة.

فبعد الهجمات، واجه المسلمون الأمريكيون موجة من الخوف والشك والصور النمطية والتمييز، الأمر الذي دفع قطاعات منهم إلى إدراك أن الابتعاد عن المجال السياسي لن يحميهم بالضرورة من السياسات التي تؤثر في حياتهم.

ومن هنا تصاعدت الدعوات إلى المشاركة المدنية، وتسجيل الناخبين، والانخراط في المنظمات الحقوقية والسياسية، والدفاع عن الحريات الدينية والمدنية.

بعبارة أخرى، تحولت السياسة بالنسبة إلى جزء من المسلمين الأمريكيين من مساحة اختيارية إلى وسيلة للدفاع عن الذات والمجتمع، ومحاولة للتأثير في السياسات التي تمس حياتهم بصورة مباشرة. ‏ودعت إلى إعادة النظر في اتجاهات التصويت وتحولها لدى الكثير من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي.

خامسا: السياسة الخارجية تدخل صندوق الاقتراع

ومع الحروب والأزمات المتتالية في الشرق الأوسط، ازدادت أهمية السياسة الخارجية بالنسبة إلى قطاعات من الناخبين المسلمين، ولا سيما الأمريكيين من أصول عربية؛ بسبب الروابط العائلية والاجتماعية مع البلدان الأم.

الحرب في غزة وما رافقها من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، وتعرضهم لإبادة جماعية من قبل إسرائيل، إلى جانب الحرب في لبنان وغيرها من أزمات المنطقة، أعادت هذه القضايا إلى صدارة النقاش داخل قطاعات واسعة من الجالية.

وبالنسبة إلى مواطن أمريكي مسلم له أقارب أو امتدادات عائلية في المنطقة، فإن السياسة الخارجية الأمريكية قد لا تكون قضية بعيدة أو مجرد بند في برنامج انتخابي، بل قضية شخصية تمس عائلته وذكرياته ومصالحه.

ومن هنا ازدادت أهمية وجود ممثلين منتخبين يستطيعون نقل هذه القضايا إلى المؤسسات السياسية الأمريكية، والمشاركة في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية والمساعدات الأمريكية.

سادسا: خارطة الطريق من المحلي إلى الوطني

ربما كان من أهم الدروس التي تعلمها المسلمون الأمريكيون خلال العقود الماضية أن التأثير السياسي لا يبدأ بالضرورة من واشنطن،

الطريق يبدأ غالبا من المجالس المحلية، ومجالس المدارس، والبلديات، ثم المجالس التشريعية في الولايات، قبل الانتقال إلى المناصب الوطنية.

وهذه ليست مجرد نظرية؛ فالتجربة لعدد من السياسيين المسلمين، أظهرت أن كسر الحاجز الأول قد يكون أهم خطوة في الطريق الطويل.

فالمرشح المسلم الذي ينجح في انتخابات محلية لا يفوز بمنصب فقط، وإنما يقدم نموذجا لجيل كامل يرى أن الوصول إلى السلطة السياسية ممكن، وأن الهوية الدينية لا تمنع صاحبها من تمثيل جميع المواطنين.

سابعا: التحالفات

لكن المجتمع المسلم الأمريكي، بتنوعه العرقي والثقافي والسياسي، يدرك أيضا أن الاعتماد على الصوت المسلم وحده لن يكون كافيا لصناعة نفوذ سياسي مستدام.

ولهذا أصبحت التحالفات عنصرا أساسيا في العمل السياسي.

التحالف مع جماعات أخرى في قضايا الحقوق المدنية، والهجرة، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والحريات الدينية، وغيرها من الملفات، يمنح المسلمين فرصة للانتقال من كونهم جماعة تطالب بحقوقها إلى جزء من ائتلاف سياسي أوسع تتشابك فيه المصالح والأهداف.

اقرأ أيضا: مميزات شهادة البكالوريا لطلاب الثانوية العامة.. التطبيق العام المقبل

وهنا تحديدا تكمن إحدى نقاط القوة في التجربة الأمريكية؛ فالتأثير السياسي لا يتطلب دائما أن تكون الجماعة هي الكبرى، وإنما أن تكون قادرة على تنظيم مصالحها، وبناء شراكات مع آخرين.

القصة ليست قصة أقلية وصلت إلى السلطة، ولا قصة جماعة تسعى إلى السيطرة على النظام السياسي الأمريكي؛ إنها قصة مجتمع بدأ من مواقع متواضعة، ثم تعلم تدريجيا قواعد اللعبة السياسية، وبدأ يحول وجوده الديمغرافي والاجتماعي إلى حضور انتخابي وتمثيل سياسي

ميراث النجاح

منذ أول تجربتين، توالت أسماء أخرى أصبحت جزءا من المشهد السياسي الأمريكي، من بينها رشيدة طليب وإلهان عمر، ثم برزت تجارب سياسية أخرى على مستوى الولايات والمدن منها ممداني عمدة نيويورك. وفي أغسطس/آب 2022، جاءت محطات جديدة تؤكد استمرار هذا المسار.

ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ميشيغان، فاز عبدول السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، ليصبح مرشح الحزب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

وبعد ذلك بأيام، حققت عائشة وهاب محطة تاريخية بفوزها في الانتخابات الخاصة بالدائرة الرابعة عشرة في كاليفورنيا، لتصبح أول أمريكية أفغانية تخدم في الكونغرس.

هذه النجاحات لا تعني أن الطريق أصبح سهلا، لكنها تشير إلى أن الحاجز النفسي الذي كان يجعل وصول المسلم إلى منصب سياسي رفيع أمرا استثنائيا بدأ يتراجع.

نجاح محدود العدد وأمل سياسي كبير

ومع ذلك، فإن الحديث عن الصعود السياسي للمسلمين الأمريكيين يجب ألا يتحول إلى مبالغة في تقدير حجمهم الذي ما زال ينمو.

وبحسب تقديرات تستند إلى تعداد الأديان الأمريكي لعام 2020، يبلغ عدد المسلمين في الولايات المتحدة نحو 4.5 ملايين نسمة، أي نسبة محدودة من إجمالي السكان حوالي 1.5%.

وفي ميشيغان، إحدى الولايات التي تضم أكبر التجمعات المسلمة في الولايات المتحدة، تشير تقديرات إلى وجود أكثر من 241 ألف مسلم 2.4%.

وهذه الأرقام مهمة لأنها تضع النقاش في سياقه الصحيح؛ فالمسلمون الأمريكيون ليسوا كتلة سكانية ضخمة تسيطر على الخريطة الانتخابية الأمريكية، وإنما أقلية دينية وعرقية شديدة التنوع استطاعت، في بعض الدوائر والولايات، أن تحول وزنها الانتخابي المحدود إلى حضور سياسي يفوق حجمها العددي والاستفادة من إيجابيات النظام السياسي، وتتعلم وتحاول أن تتجاوز سلبياته.

الطريق لم ينتهِ

وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في تجربة المسلمين الأمريكيين.

فكلما ارتفع عدد السياسيين المسلمين المنتخبين، ازداد حضورهم ونجاحهم في النقاش العام، لكن ازداد في المقابل الجدل حول هذا الحضور أيضا. وفي بعض الخطابات السياسية والإعلامية، يُقدّم صعودهم أحيانا باعتباره محاولة للسيطرة على الحياة السياسية الأمريكية، أو تغيير طبيعة المجتمع. لكن الأرقام لا تدعم فكرة وجود قوة انتخابية مسلمة قادرة على السيطرة على السياسة الأمريكية.

ما يحدث أقرب إلى شيء آخر: أقلية لها انتماء ديني مشترك -شأنها شأن عقليات أخرى كثيرة في الولايات المتحدة- ومجموعات صغيرة نسبيا تعلمت، خلال عقود ولو مضطرة، كيف تنظم نفسها، وكيف تصوت، وكيف تبني التحالفات، وكيف تدخل الانتخابات، وكيف تحول بعض القضايا التي تهمها إلى أوراق سياسية قابلة للتفاوض والتأثير؟

وهنا تكمن أهمية تجربة المسلمين الأمريكيين.

فالقصة ليست قصة أقلية وصلت إلى السلطة، ولا قصة جماعة تسعى إلى السيطرة على النظام السياسي الأمريكي؛ إنها قصة مجتمع بدأ من مواقع متواضعة، ثم تعلم تدريجيا قواعد اللعبة السياسية، وبدأ يحول وجوده الديمغرافي والاجتماعي إلى حضور انتخابي وتمثيل سياسي.

وإذا كانت التجارب الأولى، قد مهدت الطريق إلى الكونغرس، فإن الأسماء التي جاءت بعدها تؤكد أن الباب الذي فُتح قبل عقود لم يعد من السهل إغلاقه.

لكن الطريق إلى التأثير الحقيقي لا يزال طويلا؛ فالفوز في الانتخابات ليس نهاية الرحلة، وإنما بداية الاختبار الأصعب: هل يستطيع المسلمون الأمريكيون تحويل الحضور الانتخابي إلى تأثير سياسي مستدام، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتهم على تمثيل جميع المواطنين، لا أبناء جاليتهم وحدهم، أو تغيير أمريكا كما يتهمهم البعض؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: 13 لجنة تستقبل طلاب الثانوية العامة بقنا لأداء امتحانات الدور الثاني

‫0 تعليق

اترك تعليقاً