تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فتح جبهة جديدة في المواجهة مع إيران، وهذه المرة عبر الاقتصاد، مع استعداد واشنطن لفرض حزمة عقوبات جديدة قد تتجاوز طهران لتطال الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تواصل التعامل معها.
اقرأ أيضا: متابعة لحظية من الرئيس السيسي.. أبرز تصريحات «مدبولي» عن إنجاز سد جوليوس نيريري
وتأتي الخطوة في وقت تدخل فيه المواجهة بين البلدين شهرها السادس، وسط صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع أو التوصل إلى اتفاق سياسي ينهي التصعيد.
ويرفع دونالد ترامب سقف التهديدات الاقتصادية، متوعدا بما وصفه بـ«يوم اقتصادي حاسم»، ومهددا الدول التي ستواصل التعامل مع إيران بعواقب اقتصادية «هائلة».
وفي المقابل، تستعد الإدارة الأمريكية للإعلان عن تفاصيل الإجراءات الجديدة، في تحرك يعكس اعتماد واشنطن المتزايد على سلاح العقوبات باعتباره وسيلة للضغط على طهران من دون الانخراط في تصعيد عسكري أوسع.
اقرأ أيضًا| إشارة عدائية لكوريا الشمالية.. لماذا قررت واشنطن تقليص مناوراتها مع سيول؟
بيسنت يحدد موعد الكشف عن العقوبات الجديدة

ولم تعلن الإدارة الأمريكية حتى الآن طبيعة العقوبات التي تعتزم فرضها أو الجهات التي ستستهدفها بشكل تفصيلي، إلا أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قال إن تفاصيل الإجراءات الجديدة سيتم الكشف عنها خلال مؤتمر صحفي مقرر في 24 أغسطس الجاري.
وأوضح بيسنت، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» الأمريكية، أن واشنطن مستعدة لاتخاذ إجراءات ضد أي دولة تساعد إيران اقتصاديا، سواء كانت حليفة للولايات المتحدة أو خصما لها.
وأشار إلى أن الإجراءات المحتملة قد تشمل تحويلات مالية مرتبطة بإيران، وعمليات شراء النفط الإيراني، إلى جانب أنشطة النقل والشحن البحري المرتبطة بطهران، مؤكدا أن الولايات المتحدة ستستخدم كامل أدواتها وقدراتها لفرض العقوبات وملاحقة الجهات التي تساعد الاقتصاد الإيراني.
ترامب يلوّح بعواقب «هائلة»
وتأتي هذه التحركات بعد تهديد مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول التي تواصل التعامل التجاري والمالي مع إيران، إذ حذر من أن التعاون الاقتصادي مع طهران قد يترتب عليه ثمن باهظ بالنسبة لهذه الدول.
ويرى فريق ترامب أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يشكل وسيلة أكثر فاعلية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات، خصوصا مع استمرار تعثر المسار العسكري وعدم وجود تسوية تفاوضية نهائية بين الطرفين.
من جانبه، وصف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس العقوبات بأنها تمثل «مرحلة جديدة» من الصراع، معتبرا أن الضغط الاقتصادي هو إحدى أكثر الأدوات فاعلية التي تمتلكها واشنطن لتحقيق أهدافها تجاه طهران.
عقوبات تمتد إلى ما وراء إيران
ويرجح خبراء أن تعتمد الحزمة الجديدة بدرجة أكبر على ما يعرف بـ«العقوبات الثانوية»، وهي آلية تسمح لواشنطن باستهداف أطراف غير إيرانية بسبب تعاملها مع جهات خاضعة للعقوبات الأمريكية.
ويعني ذلك أن العقوبات المحتملة لن تقتصر على الشركات والمؤسسات الإيرانية، بل قد تمتد إلى شركات أجنبية وبنوك وناقلات ودول تواصل شراء النفط الإيراني أو تسهيل التحويلات المالية والتجارية مع طهران.
وقال المسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية مايكل باركر، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن الاستراتيجية الجديدة قد تستهدف توسيع نطاق التأثير الاقتصادي للعقوبات، من خلال الضغط على الأطراف الثالثة التي تساعد إيران في الوصول إلى النظام المالي الدولي أو نقل الأموال.
ويكتسب هذا النوع من العقوبات أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن، نظرا لاعتماد جزء كبير من التجارة العالمية على الدولار والمؤسسات المالية المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، ما يمنح الولايات المتحدة قدرة على الضغط حتى على جهات لا تخضع مباشرة لولايتها القضائية.
اقرأ أيضًا| ترامب: لم يكن لدي خيار سوى ضرب إيران وهي حالياً في وضع سيئ
إيران تواجه العقوبات بخبرة «الالتفاف»

ورغم اتساع أدوات العقوبات الأمريكية، فإن إيران راكمت على مدار سنوات خبرة كبيرة في التعامل مع القيود الاقتصادية، وتطوير طرق بديلة للحفاظ على صادراتها وعلاقاتها التجارية، بحسب شبكة “سكاي نيوز عربية”.
وتعتمد طهران، وفق الخبراء، على قنوات مالية وتجارية غير تقليدية، إلى جانب شركات وواجهات تجارية جديدة، فضلاً عن استخدام ما يعرف بـ«أسطول الظل» لنقل النفط وتجاوز القيود المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني.
وقال مدير الرقابة على الصادرات والعقوبات في بورصة لندن محمد حمودة لـ«بي بي سي»، إن إيران أثبتت قدرتها على التكيف سريعا مع القيود المفروضة عليها، وتواصل البحث عن طرق ومسارات جديدة للالتفاف على العقوبات.
وبالتالي، فإن نجاح الحملة الأمريكية الجديدة لن يعتمد فقط على شدة العقوبات، وإنما أيضا على قدرة واشنطن على إغلاق المسارات البديلة التي تستخدمها طهران للوصول إلى الأسواق والتمويل الخارجي.
الصين.. الاختبار الأصعب أمام واشنطن
وتبقى الصين واحدة من أبرز العوامل التي قد تحدد مدى فاعلية العقوبات الجديدة، في ظل استمرار العلاقات الاقتصادية والتجارية بينها وبين إيران، ولا سيما في مجال الطاقة.
كما أن موقف عدد من حلفاء واشنطن الذين تربطهم مصالح اقتصادية مع طهران سيكون مهما في تحديد مدى قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ سياسة ضغط واسعة من دون إحداث خلافات مع شركائها.
اقرأ أيضا: خطوات استخراج وثيقة الزواج «أون لاين»
ويرى الخبير في الشؤون الجيوستراتيجية بالمجلس الأطلسي عمران بيومي ــ بحسب شبكة “سكاي نيوز عربية” ــ أن التحرك الأمريكي يعكس محاولة جديدة للعودة إلى الضغط الاقتصادي بعد عدم تحقيق الخيارات الأخرى النتائج التي كانت واشنطن تتوقعها.
لكنه شدد، في تصريحات لـ«بي بي سي»، على أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بفرض العقوبات، وإنما بالاستراتيجية الأمريكية والأهداف النهائية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها.
«الغضب الاقتصادي».. جبهة جديدة في المواجهة
وتأتي العقوبات المرتقبة في إطار ما أطلقت عليه واشنطن خلال الصراع الحالي «عملية الغضب الاقتصادي»، والتي تجمع بين إجراءات تستهدف التدفقات المالية الإيرانية وبين حصار بحري للموانئ الإيرانية.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا المسار إلى تضييق قدرة إيران على الحصول على الإيرادات وتمويل أنشطتها الاقتصادية، بالتوازي مع الضغط على حركة التجارة والنفط.
وتخضع إيران بالفعل لعقوبات أمريكية واسعة منذ عقود، إلا أن الضغوط تصاعدت بصورة كبيرة بعد قرار إدارة ترامب الأولى الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران عام 2018.
وبذلك، تبدو الإدارة الأمريكية أمام محاولة لإعادة استخدام سلاح العقوبات، لكن على نطاق أوسع هذه المرة، مع التركيز ليس فقط على إيران، وإنما على الشبكة الدولية التي تساعدها على بيع النفط وتحويل الأموال والحفاظ على تجارتها الخارجية.
هل تستطيع العقوبات تغيير مسار الحرب؟

ويرى خبراء أن العقوبات قد تزيد الضغط الاقتصادي على طهران، لكنها لن تكون بالضرورة كافية بمفردها لإنهاء المواجهة أو إجبار إيران على قبول شروط واشنطن.
ويقول عمران بيومي إن العقوبات الجديدة قد تمثل محاولة أمريكية لتغيير المعادلة بعد تعثر الخيارات الأخرى، لكنه يشكك في قدرتها على إحداث تغيير طويل الأمد إذا لم تكن جزءا من استراتيجية أمريكية أكثر وضوحا تحدد ما الذي تريد واشنطن الوصول إليه في نهاية المطاف.
وبينما تستعد واشنطن للكشف عن تفاصيل العقوبات الجديدة، تبدو المواجهة مع إيران أمام مرحلة مختلفة، ينتقل فيها الصراع من استهداف المواقع والمنشآت إلى الضغط على شرايين الاقتصاد والتجارة والتمويل، في محاولة لمعرفة أيهما سينهار أولاً: قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات، أم قدرة واشنطن على مواصلة تشديد الخناق.
اقرأ أيضًا| ترامب: نسيطر بالكامل على هرمز وإيران في ورطة كبيرة وجيشها هُزم تماماً
اقرأ أيضا: المولد النبوي.. ذكرى تسكن القلوب وتضيء المساجد بأنوار السيرة