أخيرا، تغادر حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” منطقة الشرق الأوسط بعد جدل كبير تصاعد الأيام الماضية، لتترك مكانها لشقيقتها التي تحمل اسم رئيس أمريكي سابق آخر هو “جورج واشنطن” وأعلن الجيش الأمريكي، اليوم الخميس، عن وصولها إلى المنطقة.
اقرأ أيضا: مطبخ في بغداد لا يُعرف زواره ولم تنطفئ ناره منذ 7 قرون | أسلوب حياة
وتصاعد الجدل بشأن الحاملة المغادرة، بعدما كشف مشرعون ديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي، قبل أيام، أنها تجاوزت 250 يوما من الإبحار في عرض البحر، منها 200 يوم، دون الرسوّ في أي ميناء، وهي مدة غير مسبوقة في العصر الحديث وفقا لهؤلاء المشرعين.
وفي ظل الضغوط خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليعلن أن “لينكولن” سيتم سحبها وستحل محلها حاملة طائرات أخرى، في إشارة إلى “جورج واشنطن” التي كانت تعمل في المحيط الهادي وتتمركز في اليابان.
لكن يبدو أن تحرك “جورج واشنطن” سيثير أزمة جديدة من نوع آخر، لأن نقلها يعني عدم وجود أي حاملات طائرات أمريكية في تلك المنطقة وهو ما قد يكون مكسبا للصين التي يتعاظم نفوذها هناك.
بداية الرحلة الطويلة
في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، غادرت حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية باتجاه بحر جنوب الصين، لكنها عادت وانتقلت إلى الشرق الأوسط قبل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بداية من 28 فبراير/شباط الماضي.
وبوصولها إلى المنطقة انضمت حاملة الطائرات إلى شقيقتها يو إس إس جيرالد فورد التي تعد الأكبر في العالم والتي اضطرت للمغادرة لاحقا، بعدما تعرضت لمشكلات كان أبرزها اندلاع حريق في غرفة الغسيل الرئيسية في مارس/آذار الماضي، أسفر عن إصابة اثنين من البحارة فضلا عن أضرار مادية.
وبالتزامن مع رحلتها هذه نقلت وسائل إعلام أمريكية معلومات عديدة عن الحاملة “أبراهام لينكولن” أبرزها ما يلي:
- دخلت “لينكولن” الخدمة عام 1989، وهي خامس حاملة طائرات من طراز “نيميتز” ضمن أسطول البحرية الأمريكية الذي يضم 10 حاملات من هذا الطراز.
- يبلغ طول حاملات “نيميتز” نحو 1100 قدم، وتزيد حمولتها على 100 ألف طن (وتُقاس حمولة حاملة الطائرات بكمية المياه التي تزيحها) مما يجعلها من بين أكبر السفن الحربية في العالم، ولا تتفوق عليها في الحجم سوى حاملات الطائرات الأمريكية من طراز “فورد” التي دخلت واحدة منها فقط الخدمة حتى الآن.
- تحتوي “لينكولن” على مفاعلين نوويين يشغلان 4 توربينات بخارية تدير 4 أعمدة للمراوح، مما يمنحها سرعة قصوى تبلغ نحو 35 ميلًا في الساعة.
- تضم الحاملة أكثر من 5 آلاف بحار وأفرادا من أطقم الطيران، وتستوعب نحو 90 طائرة، من بينها مقاتلات وطائرات الحرب الإلكترونية، وطائرات الإنذار المبكر والسيطرة والقيادة المحمولة جوًا، إضافة إلى طائرات النقل والدعم اللوجستي، وأسطول من المروحيات.
- تنطلق الطائرات من الحاملة باستخدام 4 مقاليع بخارية، يمكنها تسريع الطائرات من سرعة صفر إلى 180 ميلًا في الساعة خلال 3 ثوانٍ، على سطح طيران تقترب مساحته من 20 ألف متر.
- تنتج السفينة مياهها العذبة بنفسها، إذ تضم 4 وحدات لتحلية المياه تنتج نحو 400 ألف غالون يوميًا من مياه البحر.
ما الذي جرى؟
بعد أن أكملت شهرها الثامن في البحر، تصاعدت الانتقادات التي تركزت بالأساس على ظروف معيشة البحارة والعسكريين على متن حاملة الطائرات “لينكولن”.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن جوناثان شرودن، مدير الأبحاث في مركز التحليلات البحرية، قوله إنّ مدّة مهمات حاملة الطائرات لا تتجاوز عادة 6 شهور حفاظا على سلامة البحارة، وخشية وقوع “سلسلة من المشاكل التي يتعيّن على البحرية التعامل معها لاحقا” بما في ذلك تكاليف الصيانة.
ولفت شرودن النظر إلى أنه “حتى في وقت السلم، تكون ظروف المعيشة على متن حاملة الطائرات صعبة، وأيام العمل طويلة والطعام ليس جيدا ومن الصعب الحصول على هواء نقي، أو ممارسة الرياضة أو ببساطة النوم بشكل صحيح”.
وقال أيضا “أضف إلى ذلك الضغط الناجم عن العمليات القتالية التي تواجه خلالها السفينة تهديدات مستمرة.. عندها ستدركون مدى صعوبة الحياة للبحّارة على متنها”.
وقد اكتسبت الأزمة بعدا جديدا عندما دعا السيناتور روبن غاليغو إلى إجراء “زيارة رقابية رسمية من جانب وفد في مجلس الشيوخ، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلى حاملة الطائرات لينكولن للتحقيق في الأوضاع المثيرة للقلق التي أُبلغ عنها”.
كما أعرب السناتور ريتشارد بلومنتال عن قلقه من مثل هذه المهمة الطويلة، مشيرا إلى “انتشار تقارير عن نقص في الإمدادات الأساسية، وتلوث في المياه، ومشكلات في تمديدات السباكة، وتدهور في الصحة النفسية، ومخاوف تتعلق بسلامة سطح السفينة” وغيرها.

محاولات انتحار
أما صحيفة “نافي تايمز” (Navy Times) المتخصّصة، فقد أشعلت الأجواء عندما أكدت أنّ اثنين من أفراد طاقم “أبراهام لينكولن” حاولا الانتحار بالقفز في البحر.
وفي الأثناء، ذكرت شبكة “إم إس ناو” أن أفرادا من عائلات العسكريين العاملين على متن “لينكولن” تجادلوا كلاميا خلال اجتماعين عقدا مؤخرا، مع قادة في البحرية الأميركية بسبب الظروف الصعبة التي يواجهها نحو 5 آلاف بحار وعنصر من مشاة البحرية على متن حاملة الطائرات تلك، بما يشمل نقص الغذاء.
وإزاء تصاعد الانتقادات، اضطرت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إلى الرد، حيث أكدت قبل أسبوع أنّه “لم تقع أي حالات وفاة بين أفراد الخدمة على متن الحاملة، كما تم إنقاذ البحار الوحيد الذي سقط في البحر بتاريخ الثالث من أغسطس/آب بسرعة وأمان”.
وأضافت قيادة “سنتكوم” أن البحارة ومشاة البحرية في مجموعة أبراهام لينكولن القتالية الضاربة يحافظون على “صمودهم وعزيمتهم الراسخة بعد أكثر من 260 يوما في عرض البحر”.
بدوره، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر الأحد الماضي إن الزيارة التي قام بها في الآونة الأخيرة لحاملة الطائرات لينكولن كانت “ملهمة” وأشاد بما وصفه “صمود” طاقمها بعد ورود تقارير عن مخاوف بشأن صحتهم النفسية وتدهور الأوضاع على متن الحاملة.
اقرأ أيضا: بقيادة بنزيما.. الهلال يكتسح الفيحاء في الدوري السعودي
وإزاء ضغط مشرعين ديمقراطيين من أجل محاسبة البنتاغون بشأن هذا الوضع، خرج وزير الحرب الأمريكي بيث هيغسيث ليرد بحدة على الانتقادات قائلا إن التقارير التي تحدثت عن سوء الأوضاع على متن حاملة الطائرات لينكولن في الشرق الأوسط كانت “تقدم صورة مغلوطة تماما”.
وشدد هيغسيث على أن الجيش يحرص على أن “يوفر لكل سفينة وطاقمها وقائدها كل ما يمكننا توفيره لهم، في كل لحظة” مشيدا في الوقت نفسه بالبحارة قائلا إن ما يقومون به في أعالي البحار، في تلك الظروف الصعبة مع قلة مرات توقفهم في الموانئ “أمر مذهل.”
وجاء الدور على الرئيس ترمب ليحاول تحسين الصورة من جانبه، حيث تحدث الجمعة الماضية مستبعدا المخاوف بشأن الأثر السلبي على البحارة بعد أكثر من 260 يوما في عرض البحر دون رسو على أي ميناء.
ورفض ترمب وصف هذه الفترة بأنها طويلة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن قرب استبدالها بحاملة طائرات أخرى.

المهمة اقتضت ذلك
وفي تقرير خاص عن هذه القضية، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” تضم على متنها 5 قساوسة، واختصاصيا نفسيا، وأخصائيا اجتماعيا، و”منسقا للوقاية” وكلبا مدربا “لدعم أفراد الطاقم معنويا ونفسيا”.
ونقلت الوكالة عن القائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو أنه “تم التعامل مع عدد ضئيل من الحالات المرتبطة بالصحة الذهنية من دون خسائر في الأرواح” متّهما وسائل الإعلام بـ”السعي إلى تصوير أفراد قواتنا على أنهم ضحايا”.
وبرر كاو تمديد انتشار “لينكولن” قائلا إن المهمة اقتضت ذلك، مضيفا أن نجاح القوات يعتمد على قدرتها على التكيف، مع إقراره بأن التكيّف مع الحياة في البحر يمكن أن يكون أمرا صعبا.
وانتهى الأمر برحيل “لينكولن” لتعود إلى الشرق الأوسط حاملة الطائرات يو إس إس جورج واشنطن، بينما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أمريكي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، تأكيده أن هذه الخطوة كانت مخططة مسبقا.
وحسب موقع “سي إن إن” الأمريكي فقد زارت “جورج واشنطن” ميناء بفيتنام في الخامس من أغسطس/الجاري، قبل أن تعلن القيادة المركزية الأمريكية عن عبورها بحر العرب، وأنها باتت منذ الأمس في نطاق منطقة عمليات القيادة.
وتشهد المنطقة تصعيدا للتوتر الذي لم يتوقف منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/الماضي والتي تقلبت بين مراحل من التصعيد والهدنة، فضلا عن مذكرة تفاهم تم توقيعها في 18 يونيو/حزيران الماضي وتعثرت مؤخرا بسبب خلافات بين الجانبين حول مضيق هرمز.
اقرأ أيضا: واشنطن تشدد عقوباتها على إيران وتخيّر الحلفاء: إما معنا وإما ضدنا | أخبار