بغداد- قبل أن تستيقظ بغداد تماما، تكون النيران قد اشتعلت تحت القدور داخل “مطبخ الخيرات” التابع للحضرة القادرية في منطقة باب الشيخ، حيث يقع مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أحد أبرز الشخصيات الصوفية في التاريخ الإسلامي (1077-1166م). ويُعد المطبخ أحد أقدم المطابخ الخيرية في العاصمة العراقية، إذ يواصل عطاءه منذ أكثر من 700 عام، ضمن وقف خيري مفتوح أمام الجميع من دون تمييز.
اقرأ أيضا: بقيادة بنزيما.. الهلال يكتسح الفيحاء في الدوري السعودي
رحلة الإطعام
منذ ساعات الصباح الأولى، تقف أمام المطبخ طوابير من الناس، متعففون ينتظرون وجبتهم، وميسورون يقصدون المكان طلبا للبركة. تتجاور الأيدي الحاملة للأواني، ويتقدم الصغير إلى جانب الكبير، لتبدأ رحلة الإطعام.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
داخل المطبخ، تتوزع المهام بين الطباخين والمتطوعين، وتتصاعد الروائح من القدور الكبيرة استعدادا لموعد التوزيع.
يشرح أبو زهراء -أحد الطباخين المتطوعين في مطبخ الخيرات التابع للحضرة القادرية- للجزيرة نت آلية العمل قائلا: “يقدم المطبخ يوميا عند الساعة العاشرة والنصف صباحا وجبة تتكون من الأرز والمرق واللحوم بأنواعها”.
وعند الساعة الواحدة والنصف ظهرا، يحين موعد وجبة أخرى تُعرف باسم “شوربة الشيخ عبد القادر الجيلاني”، وهي حساء من الأرز واللحم، حيث يأتي المستفيدون بأوانيهم الخاصة، لملئها بالطعام والمغادرة.
ويضيف: “لا تُسجَّل أسماء المستفيدين، ولا تُعرف هوياتهم لدى القائمين على المطبخ، فالمائدة مفتوحة أمام أي شخص”.

مئات الكيلوغرامات يوميا
ويكشف حجم العمل اليومي في مطبخ الخيرات عن اتساع مهمته، إذ يقول مسؤول المطبخ حذيفة عبد الخالق للجزيرة نت إن المطبخ يستهلك في الأيام العادية ما لا يقل عن 100 كيلوغرام من اللحم و60 كيلوغراما من الدجاج، إلى جانب 6 أكياس كبيرة من الأرز وكميات من الزيت والملح ومعجون الطماطم ومختلف المواد الغذائية؛ لتلبية ما تنص عليه الحجة الوقفية من إطعام 600 مسكين يوميا. أما يوم الجمعة، فيُخصَّص للعطلة وصيانة الأجهزة.
لكن هذه الأرقام ترتفع خلال المناسبات الدينية، ففي ذكرى مولد النبي محمد ﷺ على سبيل المثال، وكذلك ذكرى مولد الشيخ عبد القادر الجيلاني ووفاته، تصل كمية اللحم المستخدمة إلى نحو 400 كيلوغرام يوميا.

إطعام يتجاوز حدود بغداد
لا تتوقف مهمة مطبخ الخيرات عند تقديم الوجبات اليومية؛ إذ يمتد نشاطه إلى توزيع المساعدات الغذائية في محافظات أخرى.
يضيف عبد الخالق أن المطبخ يوزع خلال شهر رمضان السلال الغذائية في المحافظات والمناطق التي شهدت أزمات أمنية، ومن بينها مخيمات النازحين، وقد تصل الدفعة الواحدة إلى نحو 5 آلاف سلة غذائية.
أما حجم العمل خلال رمضان، فيعطي صورة أوضح عن اتساع المائدة؛ إذ يؤكد عبد الخالق أن المطبخ وزع خلال رمضان الماضي نحو 675 ألف وجبة إفطار.
تمويل قائم على التبرعات
ويعتمد مطبخ الخيرات في تمويله على التبرعات الواردة من داخل العراق وخارجه، باعتباره وقفا خيريا خاصا، بما في ذلك تبرعات زواره القادمين من الهند وباكستان وأفغانستان وغيرها من البلدان المسلمة. كما يقدم 10% من وارداته إلى ديوان الوقف السني، بحسب مديره.
متطوعون من غير المسلمين
وفي هذا المكان، لا تبدو الخدمة مرتبطة بدين أو طائفة، بل بفكرة بسيطة: أن يصل الخير إلى من يحتاج إليه. ومن بين المتطوعين في مطبخ الخيرات، تشارك المسيحية يوهاد توما في إعداد الطعام للفقراء، في مشهد يختصر كيف يمكن للمائدة أن تجمع ما قد تفرقه الحياة.
وتقول يوهاد توما، وهي موظفة حكومية متقاعدة كانت تعمل في وزارة الصحة العراقية وتتطوع منذ أشهر في خدمة الحضرة القادرية: “أنا أتشرف بخدمة هذا البيت، والإيمان هو الذي جاء بي إلى هنا؛ لأن الإله واحد، ولا فرق بين دين وآخر، وكل هذه بيوت الله”.
اقرأ أيضا: واشنطن تشدد عقوباتها على إيران وتخيّر الحلفاء: إما معنا وإما ضدنا | أخبار
ويمنح وجود يوهاد بين المتطوعين داخل مطبخ خيري تابع لمرقد صوفي في قلب بغداد المكان صورة تتجاوز حدود المائدة؛ فخدمة المحتاج هنا تصبح مساحة للتعايش والسلام في بلد يضم عددا كبيرا من الأديان والقوميات والإثنيات المختلفة.

باب للرحمة والتكافل
أم براء -وهي إحدى المستفيدات من مطبخ الخيرات- توضح للجزيرة نت أنها تأتي يوميا إلى الحضرة القادرية منذ سنوات للحصول على الطعام الذي يسد جزءا كبيرا من حاجتها وحاجة أولادها، حتى باتت تعتمد عليه في معيشتها.
وتلفت إلى أن الحصص التي توزعها الحضرة كانت سندا لها ولأسرتها على مدى 23 عاما، مؤكدة أن استمرار هذا المطبخ الخيري يمثل لها ولعائلات أخرى مصدر عون لا غنى عنه.
وهكذا بين القدور التي تغلي كل يوم، والأيدي التي تتناوب على الطبخ والتوزيع، فإن بعض تقاليد بغداد القديمة لا تزال تجد طريقها عبر طبق ساخن يصل إلى مائدة من يحتاج إليه.

لمحة تاريخية
ويرتبط مطبخ الخيرات أو حتى مساعدة المحتاجين بتاريخ الحضرة القادرية واسم الشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي عاش في القرن السادس الهجري، وكان عالما وفقيها حنبليا وواعظا ومتصوفا، وعُرف في بغداد بمكانته العلمية والروحية.
أسّس الجيلاني مدرسته القادرية التي اكتمل بناؤها نحو 528هـ، وتحولت إلى مؤسسة علمية وتربوية تضم الجامع والمدرسة والسكن والرباط، قبل أن تنتشر الطريقة القادرية لاحقا في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي.
وكانت تعاليمه تركز على الزهد والتوبة والأخلاق والالتزام بالشريعة، ومن أشهر الكتب المنسوبة إليه “الغنية لطالبي طريق الحق” و”الفتح الرباني والفيض الرحماني” و”فتوح الغيب”.
اقرأ أيضا: بيزيرا في طريقه إلى الإمارات.. واللاعب يجهز لخطوة جديدة ضد الزمالك