دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» بدار الإفتاء تناقش التأصيل الأصولي وتراث الفتاوى

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 تواصلت فعاليات دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» لمجموعة من الدارسين الماليزيين من خلال ثلاث محاضرات تناولت عددًا من الجوانب العلمية والمنهجية المرتبطة بصناعة الفتوى والبحث الفقهي، في ضوء توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد -مفتي الجمهورية- رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اقرأ أيضا: «القطرية» تشغل أول «بوينج 787-9» بخدمة Starlink

وجاءت المحاضرة الأولى بعنوان «القواعد الأصولية الضابطة للفتوى» وحاضر فيها فضيلة الأستاذ الدكتور محمود حامد عثمان، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر الشريف وعميد كلية الشريعة والقانون السابق بطنطا.

 

وحملت المحاضرة الثانية عنوان «برنامج تراث الفتاوى بدار الإفتاء المصرية» وقدمها فضيلة الشيخ حازم داود، مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية، فيما جاءت المحاضرة الثالثة بعنوان «مهارات البحث الفقهي» وحاضر فيها فضيلة الدكتور أحمد ممدوح، عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي، وركزت المحاضرات على التأصيل الأصولي للمفتي، وأهمية التراث الإفتائي في العمل المعاصر، والمهارات العلمية والمنهجية اللازمة للباحث في المجال الفقهي.

 

وقد أكد الأستاذ الدكتور محمود حامد عثمان أهمية التأصيل الأصولي في تكوين المفتي، موضحًا أن طالب العلم لا بد أن يتعلم كيفية الوصول إلى مظان العلوم والمصادر المتخصصة، بحيث يبحث كل مسألة في العلم الذي تتعلق به، فيبحث عن أسباب النزول في كتب التفسير وعلوم القرآن، وعن مباحث التصور والتصديق في علم المنطق، بما يعين على بناء مَلكة علمية متكاملة. كما عرض ما يمكن تسميته بـ«الشجرة الأصولية»، مبينًا أن علم أصول الفقه يدور حول ثلاثة مباحث رئيسية، هي: الأدلة الشرعية ومتعلقاتها، والتعارض والترجيح، والاجتهاد والإفتاء، وأن الأدلة الشرعية تمثل الموضوع الرئيس لعلم أصول الفقه، ولهذا العلم مباحث وقواعد محددة، بخلاف علم الفقه الذي تتجدد مسائله بتجدد الوقائع والنوازل.

 

كما استعرض أستاذ أصول الفقه عددًا من الأدلة والقواعد الأصولية التي يحتاج إليها المفتي في عمله، ومن أبرزها الاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف، حيث تبرز أهمية العرف لما له من حضور واسع في الوقائع والمعاملات المختلفة، كما أن كثيرًا من القضايا الطبية والاقتصادية المعاصرة تحتاج إلى النظر في المصالح المرسلة، وأن اعتبار المصلحة عند الإمام أبي حامد الغزالي يرتبط بكونها ضرورية وكلية وقطعية. وتطرق في هذا السياق إلى مراتب الإدراك الأربع، وهي: العلم والظن والشك والوهم، مبينًا أن المفتي يتحرك في كثير من مسائل الفروع بين العلم والظن، وأن الظن المعتبر هو إدراك الطرف الراجح في المسألة، وهو ما يستلزم التثبت والتحقق وعدم بناء الأحكام على مجرد التوهم، إلى جانب فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، فلا بد للمفتي من إدراك المآلات والموازنة بين ما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد، فخلع السن أو الضرس مثلًا، يترتب عليه ألم في ظاهره، لكنه يحقق مصلحة أكبر تتمثل في إزالة الضرر أو دفع الألم.

 

وبيَّن عميد كلية الشريعة والقانون السابق أهمية القياس باعتباره من أهم الأدوات التي يحتاج إليها المفتي في التعامل مع الوقائع التي لا نص فيها، حيث يقوم على إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لاشتراكهما في علة الحكم، كما أن الاستحسان يتمثل في إعطاء المسألة حكمًا يخالف حكم نظائرها لدليل أو سبب أو علة أو حكمة تقتضي ذلك، وليس اتباعًا للهوى أو مجرد اختيار شخصي. ولفت إلى أهمية إتقان المفتي للغة العربية ومباحث دلالات الألفاظ، مع الاستفادة من عدد من القواعد الأصولية، ومنها قاعدة «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وقاعدة أن النهي المجرد عن القرينة يفيد التحريم. كما تناول مبحث التعارض والترجيح، موضحًا أن التعارض الحقيقي لا يوجد في نصوص الشريعة في الواقع ونفس الأمر، وإنما قد يظهر للمجتهد نتيجة اختلاف الروايات أو أوجه الدلالة، إلى جانب مباحث الاجتهاد والتقليد والإفتاء، حيث تبرز أهمية التثبت وعدم التسرع في إصدار الأحكام، ومعرفة حال المستفتي ومراعاة مستواه العلمي وحاجته، فطالب العلم قد يحتاج إلى معرفة الدليل ووجه الاستدلال، بينما قد يكتفي العامي ببيان الحكم الشرعي بصورة واضحة وميسرة.

 

من جانبه، أوضح الدكتور أحمد ممدوح مفهوم المهارة وأنها قدرة مكتسبة تنمو بالتعلم والممارسة والخبرة والتراكم العلمي، موضحًا أن المداومة على التعلم والممارسة قد تجعل صاحب الذكاء المتوسط متفوقًا في مجال معين على من يفوقه في القدرات الذهنية، وهو ما عبَّر عنه بأهمية المواظبة والتراكم في صناعة الباحث، مؤكدًا أن «الممارس يغلب الفارس»، وضاربًا مثالًا بالإمام ابن حجر الهيتمي وما مر به في بداية طلبه للعلم من صعوبة في التحصيل، حتى كانت له حادثة رأى فيها أثر المداومة والاستمرار، فكانت دافعًا له على مواصلة طلب العلم حتى صار من كبار علماء الفقه. كما عرَّف البحث الفقهي بأنه البحث الذي يكون مجاله علم الفقه، وأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، موضحًا أن العلوم الشرعية الأصلية تتمثل في التفسير والحديث والفقه، إلى جانب العلوم الآلية التي تعين على تحصيلها، ومنها النحو والصرف والبلاغة والمنطق.

 

وشدد عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي على أن الباحث في المجال الفقهي ينبغي أن يمتلك أدوات النظر، وأن التخصص لا يعني مجرد الحصول على شهادة جامعية، وإنما امتلاك القدرة على الفهم والتكييف، وتحرير محل النزاع، ومعرفة المذاهب والأقوال والخلافات الفقهية، والعزو والتوثيق، وربط الفروع بأصولها، واستخلاص النتائج من المقدمات. مؤكدًا على ضرورة الدقة في فهم اصطلاحات الفقهاء، ومحذرًا من إسقاط المعاني المعاصرة على المصطلحات الفقهية القديمة دون تحقق، وضاربًا مثالًا بلفظ «الحقنة» عند الفقهاء، الذي قد يراد به الحقنة الشرجية وليس بالضرورة الحقنة الطبية بالمعنى المتداول حاليًّا، كما حذر من بناء البحث على تخريجات غير صحيحة من كتب الفقه، ومنوهًا بضرورة التحقق من النصوص وسياقاتها وعدم الاكتفاء بمجرد تشابه الألفاظ أو الصور، إلى جانب أهمية الموضوعية في البحث، بحيث يكون الباحث قاصدًا الحقيقة والنتيجة التي تقود إليها الأدلة، لا أن يبدأ بنتيجة مسبقة ثم يبحث عما يؤيدها.

 

وتطرق عضو الهيئة الاستشارية العليا إلى الحديث عن مقاصد البحث والتأليف الفقهي، ومنها الإبداع والتمام والبيان والاختصار والجمع والترتيب وإصلاح الخلل، موضحًا صور هذه المقاصد وأمثلتها، كما عرض مناهج البحث والتأليف، مبينًا أن البحث قد يسلك المنهج الوصفي أو التحليلي أو النقدي؛ فالمنهج الوصفي يركز على تصوير المسألة وعرضها ونقل تاريخها وأقوال العلماء فيها، بينما يتجاوز المنهج التحليلي مجرد عرض الأقوال إلى دراسة ما وراءها من أدلة وموازنات وعلل ونتائج، أما المنهج النقدي فيقوم على الفحص والتمييز والتصحيح وفرز الأقوال وتمييز ما يصح منها مما لا يصح وفق المعايير العلمية. محذرًا من بعض النقائص التي تخدش البحث الفقهي، ومنها نقل الأقوال دون التمييز بين الصحيح والضعيف، والنقل بالمعنى دون حاجة، والاعتماد على المختصرات مع إمكانية الرجوع إلى المصادر الأصلية، وتوثيق مذهب من مصدر ينتمي إلى مذهب آخر دون التحقق من المصدر المعتمد داخل المذهب، والإغراق في التعريفات، والانشغال بالبحث في المسائل القطعية الواضحة التي لا تحتاج إلى هذا القدر من البحث، فضلًا عن التكلف في اختيار الأمثلة الفقهية.

 

اقرأ أيضا: مترو القاهرة يفتح باب التقديم لوظائف جديدة.. اعرف الشروط وموعد التقديم

بدوره ، أشار الشيخ حازم داود إلي أهمية تراث الفتاوى في فهم تاريخ الإفتاء في مصر والاستفادة منه في تطوير العمل الإفتائي المعاصر، مستعرضًا نماذج من أعلام المفتين وتطور منصب مفتي الديار المصرية، ومن بينهم الشيخ محمد المهدي العباسي، الذي كان من أوائل من حمل لقب «أمين الفتوى»، وتولى منصب مفتي الديار المصرية في سن مبكرة واستمر في المنصب زهاء أربعين سنة، كما عرض تاريخ تعيين الشيخ حسونة النواوي مفتيًا للديار المصرية بقرار من الخديوي عباس حلمي الثاني في 12 نوفمبر 1895م، موضحًا أن عدد من تولوا منصب مفتي الديار المصرية بلغ عشرين مفتيًا، إضافة إلى عدد من النواب، مع الإشارة إلى واقعة الشيخ عبد القادر الرافعي الذي لم يستمر في المنصب إلا مدة وجيزة، حيث توفي أثناء توجهه لتولي مهام منصبه.

 

وأشار مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية إلى التراث الإفتائي للدار، وما يضمه من سجلات ووثائق قديمة تتضمن فتاوى عدد من كبار المفتين، ومنهم الشيخ حسونة النواوي والشيخ محمد عبده، وصولًا إلى فتاوى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب خلال فترة توليه منصب مفتي الديار المصرية، مبينًا أن الاهتمام المؤسسي بالحفاظ على تراث دار الإفتاء المصرية بدأ بصورة أكثر تنظيمًا منذ عام 2006، من خلال جمع الفتاوى القديمة وحفظها وتوثيقها، ثم تطوير المشروع تدريجيًّا ليصبح منظومة متكاملة لأرشفة التراث الإفتائي. موضحًا للمتدربين آلية العمل داخل برنامج أرشفة الفتاوى، وكيفية توثيق الفتوى وإدخال بياناتها وآليات البحث والاسترجاع، حيث لم يعد المشروع مقتصرًا على جمع الفتاوى وحفظها، وإنما تطور ليشمل مجموعة من الخدمات العلمية، من بينها تخريج الآيات والأحاديث المرتبطة بالفتاوى، والتعريف ببعض الألفاظ والمصطلحات والأعلام الذين ترد أسماؤهم فيها، بما يتيح للباحث الوصول إلى المعلومات المرتبطة بالفتوى من خلال أكثر من مدخل، ويعزز القيمة العلمية للتراث المؤرشف.

 

وأضاف مدير إدارة التدقيق اللغوي أن تراث الفتاوى يمثل جزءًا أساسيًّا من عملية إصدار الفتوى، إذ تساعد دراسة الفتاوى السابقة المفتي على فهم كيفية تعامل العلماء مع الوقائع المختلفة، واستحضار الظروف والأحوال والأشخاص والبيئات التي أحاطت بالفتوى، بما يعين على حسن التصور والتكييف والاستفادة من الخبرة الإفتائية المتراكمة. كما عرض جهود دار الإفتاء المصرية في إخراج تراثها الإفتائي في صورة منشورات علمية، حيث تم طباعة 54 مجلدًا من فتاوى دار الإفتاء المصرية، مع استمرار العمل على إعداد وإضافة مجلدات جديدة، واختتم حديثه بالإشارة إلى ضخامة حجم التراث الإفتائي لدار الإفتاء المصرية، الذي يزيد على 115 ألف فتوى، مع اختلاف طبيعة هذه الفتاوى، فمنها ما يتكرر، ومنها ما ارتبط بظروف وملابسات تاريخية معينة قد لا تكون مناسبة للنشر في الوقت الحاضر نتيجة تغير الأحوال والظروف.

 

واختتمت المحاضرات الثلاث بالتأكيد على أهمية التكامل بين التأصيل الأصولي، والحفاظ على التراث الإفتائي، وتنمية مهارات البحث الفقهي في إعداد الكوادر المؤهلة للتعامل مع قضايا الإفتاء بصورة علمية ومنهجية، حيث تمثل هذه الجوانب مجتمعة ركائز أساسية في بناء المَلكة العلمية للمشتغل بالفتوى والباحث في المجال الفقهي، بما يعينه على فهم النصوص الشرعية، وإدراك دلالاتها، وتكييف الوقائع، والاستفادة من الاجتهادات والخبرات الإفتائية المتراكمة، مع مراعاة ما تقتضيه طبيعة القضايا المستجدة من بحث وتحقق ودقة في التوثيق والعزو، بما يسهم في تطوير أدوات العمل الإفتائي، وتعزيز قدرته على التعامل مع النوازل المعاصرة، وإنتاج بحوث فقهية رصينة تجمع بين سلامة التأصيل ودقة المنهج وحسن الإفادة من التراث.

اقرأ أيضا: مدبولي: الدولة داعمة لأوائل الثانوية العامة.. وتوجيهات رئاسية برعاية الموهوبين والمتفوقين

‫0 تعليق

اترك تعليقاً