خطر تحت الجليد.. كيف يتحول «الكربون المحبوس» إلى أزمة مناخية؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تعد تداعيات موجات الحر وحرائق الغابات في القطب الشمالي، تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة وتدمير الغطاء النباتي، إذ باتت تهدد بتسريع ذوبان مساحات واسعة من التربة الصقيعية، التي تختزن كميات هائلة من الكربون قد تتحول، مع استمرار الاحترار، إلى مصدر إضافي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان.

اقرأ أيضا: الدوري المصري يجدد صراع الزمالك والأهلي وبيراميدز بنسخة جديدة

وحذر البروفيسور غوستاف هوغليوس، أستاذ المناخ في مركز بولين لأبحاث المناخ بجامعة ستوكهولم، من أن بعض مناطق التربة الصقيعية بدأت بالفعل تجاوز عتبات يصعب معها عودة النظام إلى حالته السابقة على المدى البشري، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة والحرائق الشديدة قد يسرّعان هذه العملية ويزيدان الضغوط على النظام المناخي العالمي. حسب صحيفة الجارديان البريطانية.

 

◄ خزان ضخم للكربون

 

وأكد التربة الصقيعية هي أراضي تظل متجمدة على مدار العام، وتنتشر بصورة رئيسية في سيبيريا وكندا وألاسكا وأجزاء من أوروبا، وتغطي نحو 20 مليون كيلومتر مربع.

 

اقرأ ايضا| «الرأسمالية المتوحشة» من تدمير البيئة إلى تفاقم أزمة المناخ

 

وأشار «هوغليوس» إلى أن هذه الأراضي تخزن قرابة 1500 جيجا طن من الكربون، أي نحو ثلاثة أضعاف الكمية الموجودة في النباتات الحية على كوكب الأرض، ومع ارتفاع درجات الحرارة، يبدأ الجليد الأرضي في الذوبان، ما يسمح للكائنات الدقيقة بتحليل المواد العضوية القديمة المحبوسة في التربة وإطلاق الكربون إلى الغلاف الجوي.

وأوضح أن نوع الانبعاثات الناتجة يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الأرض بعد الذوبان، ففي البيئات الجافة يميل الكربون إلى التحول إلى ثاني أكسيد الكربون، بينما قد يؤدي تشكل البحيرات والأراضي الرطبة إلى إنتاج الميثان في ظروف تفتقر إلى الأكسجين.

 

 

◄ خطر الحلقة المفرغة

 

تكمن خطورة هذه العملية، بحسب الخبير، في إمكانية تحولها إلى حلقة تغذية راجعة بين الاحترار وذوبان التربة الصقيعية، فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى الذوبان، والذوبان يحرر غازات دفيئة، وهذه الغازات تضيف بدورها مزيدًا من الاحترار إلى النظام المناخي.

وحذر «هوغليوس» من أن ذوبان الجليد الأرضي لا يعني بالضرورة إمكانية إعادة تجميده بسهولة في المستقبل، إذ يمكن أن يؤدي فقدان الجليد إلى انهيار سطح الأرض وتشكّل بحيرات وأراضٍ رطبة وأودية، في تغيرات تُعرف بالتضاريس الكارستية الحرارية.

وبمجرد حدوث هذه التحولات، تتغير الخصائص الهيدرولوجية والحرارية للمنطقة، وقد يستغرق عودة الجليد مئات السنين، ما يجعل بعض التغيرات غير قابلة للعكس على المدى الزمني الذي يمكن للبشر إدراكه.

 

◄ نقاط تحول محلية

 

لا يتوقع «هوغليوس» أن ينهار نظام التربة الصقيعية العالمي دفعة واحدة، نظرًا إلى اتساع نطاقه وتنوع ظروفه الجغرافية والمناخية، لكنه يحذر من حدوث نقاط تحول محلية متتالية مع استمرار الاحترار.

وقال إن بعض المناطق تجاوزت بالفعل عتبات يصعب معها عودة النظام إلى وضعه السابق، بينما قد تتحول التربة الصقيعية بحلول نهاية القرن إلى مصدر مهم للانبعاثات بحد ذاتها.

وقدّر «هوغليوس» أن ذوبان التربة الصقيعية قد يؤدي، في حال ارتفاع متوسط حرارة الأرض إلى ما بين 1.8 و3.6 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، إلى فقدان ما بين 200 و300 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

 

◄ أهمية تحديد حجم الخطر

 

ويكتسب نوع الغاز المنبعث أهمية خاصة في تحديد حجم الخطر، فالخروج في بيئات رطبة أو مغمورة بالمياه قد يؤدي إلى إنتاج الميثان، وهو غاز دفيئة أقوى من ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير، لكنه يبقى في الغلاف الجوي فترة أقصر.

أما ثاني أكسيد الكربون، فعلى الرغم من كونه أقل قوة من الميثان من حيث تأثيره قصير الأجل، فإنه يبقى في الغلاف الجوي لفترات أطول، وبالتالي يضيف ضغطًا مستمرًا على المناخ على مدى عقود وقرون.

 

اقرأ ايضا| أستاذ علوم بيئة: ذوبان الجليد مؤشر خطير يتطلب تحركًا عالميًا عاجلًا

 

ويؤكد «هوغليوس» أن تحديد نسبة الأراضي التي ستصبح أكثر رطوبة أو جفافًا بعد الذوبان لا يزال من أبرز التحديات البحثية، وهو ما يجعل التنبؤ الدقيق بحجم الانبعاثات المستقبلية أمرًا معقدًا.

 

◄ الحرائق وموجات الحر تسرّعان الخطر

 

ومن بين أكثر التطورات إثارة للقلق – وفق الخبير – التزايد الملحوظ في موجات الحر والحرائق الشديدة في مناطق من سيبيريا وكندا، مشيرًا إلى أنه لاحظ منذ رحلاته البحثية الأولى إلى القطب الشمالي الروسي عام 2007 أدلة متزايدة على تسارع ذوبان التربة الصقيعية، لافتًا إلى أن صيفًا حارًا واحدًا قد يتبعه ظهور بحيرات جديدة في السنوات اللاحقة.

اقرأ أيضا: موسم ناري لـ الأندية الإيطالية.. وإنتر يستعد للدفاع عن لقب الكالتشيو 

وتكشف هذه الظاهرة عن العلاقة الوثيقة بين الظواهر المناخية المتطرفة وتغيرات التربة؛ فالحرائق يمكن أن تزيل الغطاء النباتي والطبقات العازلة التي تحمي التربة الصقيعية، بينما تؤدي موجات الحر إلى زيادة الضغط الحراري عليها، ما يسرع عملية الذوبان.

 

◄ خسائر اقتصادية وبنية تحتية مهددة

 

ولا تقتصر تداعيات ذوبان التربة الصقيعية على المناخ، إذ يمكن أن تمتد إلى البنية التحتية والاقتصادات المحلية في المناطق القطبية، حيث حذر «هوغليوس» من أن تغير طبيعة الأرض سيجعل الوصول إلى الموارد واستخراجها أكثر صعوبة وتكلفة، كما يهدد البنية التحتية في مناطق مثل كندا وألاسكا وروسيا.

 

◄ خفض الانبعاثات هو الحل الأهم

 

ولا يرى «هوغليوس» وجود حلول هندسية واسعة النطاق يمكنها منع ذوبان ملايين الكيلومترات المربعة من التربة الصقيعية، مؤكدًا أن الوسيلة الأكثر فاعلية تظل خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وأشار إلى أن الحد من كل درجة مئوية إضافية من الاحترار يمكن أن يحمي ملايين الكيلومترات المربعة من التربة الصقيعية من الذوبان، ما يعني أن تقليل الانبعاثات لا يحد فقط من ارتفاع الحرارة، وإنما يقلل أيضًا من خطر إطلاق الكربون المخزن في الأرض.

ويؤكد أن العلاقة تسير في الاتجاهين: كلما نجح العالم في الحد من الاحترار، أصبح الحفاظ على التربة الصقيعية أسهل، بينما يؤدي استمرار ارتفاع الحرارة إلى زيادة اضطراب النظام المناخي وقدرة الأرض نفسها على إطلاق المزيد من الغازات الدفيئة.

 

◄ تحلل الكربون مع استمرار الذوبان

 

ورغم وضوح الاتجاه العام للخطر، يقر الخبير بوجود مساحة مهمة من عدم اليقين العلمي، خصوصًا فيما يتعلق بسرعة الذوبان وحجم الانبعاثات المستقبلية ونسبة الأراضي التي ستتحول إلى بيئات رطبة أو جافة.

لكن هذا عدم اليقين، في تقديره، لا يعني غياب الخطر؛ فالمعروف علميًا هو أن كميات كبيرة من الكربون ستصبح معرضة للتحلل مع استمرار الذوبان، وأن ارتفاع حرارة القطب الشمالي بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي يزيد من الضغوط على هذه الأنظمة.

 

◄ تحذير يمتد إلى أجيال قادمة

 

وفي ختام رؤيته، لا ينظر هوغليوس إلى ذوبان التربة الصقيعية باعتباره مشكلة تخص العقود المقبلة فقط، بل باعتباره إرثًا مناخيًا قد يمتد تأثيره إلى أجيال متعاقبة، حيث يرى أن الكربون الذي يطلق اليوم نتيجة تغيرات التربة سيؤثر في المناخ لفترات طويلة، وأن تداعيات القرارات الحالية لن تقتصر على جيل واحد، بل قد تتحمل تبعاتها أجيال عديدة.

وبينما لا يتوقع الخبير فناء البشرية بسبب هذه الظاهرة، فإنه يحذر من معاناة واسعة يمكن تجنب جانب كبير منها إذا جرى التعامل مع خفض الانبعاثات باعتباره أولوية عاجلة، فالتربة الصقيعية، التي بدت لقرون جزءًا ثابتًا من طبيعة القطب الشمالي، لم تعد مجرد أرض متجمدة بعيدة عن أعين العالم، وإنما أصبحت أحد المؤشرات الحساسة على مدى قدرة البشرية على وقف سلسلة من التغيرات المناخية التي قد يصعب عكسها.

اقرأ أيضا: 78 عامًا من الحكاية.. تعرف علي تاريخ الدوري المصري وأبطال البطولة 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً