سر الضريح المنسي في درب اللبانة.. من هو الشريف المهدي؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في أحد أزقة القاهرة القديمة، وتحديدًا في درب اللبانة بمنطقة القلعة، لا تحتاج الحكاية إلى قبة ضخمة أو مئذنة شاهقة حتى تكتشف أنك أمام أثر ديني مختلف. هنا، اختبأ مقام صغير داخل بيت سكني، وتوارى ضريح صاحبه خلف طبقات من الزمن والإهمال، حتى كاد أن يختفي تمامًا.

اقرأ أيضا: رسائل بالنار لأنقرة.. أين تتجه المغامرة الإسرائيلية في سوريا؟ | أخبار

إنها حكاية الشريف المهدي، الصوفي الذي لا تزال المعلومات المتاحة عنه محدودة، لكن مقامه الباقي داخل أحد بيوت درب اللبانة يفتح بابًا على طبقة من تاريخ القاهرة ارتبطت بالأولياء والمتصوفة والبيوت القديمة، وعلى حكاية إنسانية امتدت عبر ثلاثة أجيال من أسرة قررت ألا تترك المقام يندثر.

 

◄ البداية من درب اللبانة

 

يقع درب اللبانة في منطقة القلعة بحي الخليفة، وهي واحدة من المناطق التي تختزن طبقات متراكمة من تاريخ القاهرة.

وتشير محافظة القاهرة إلى أن تسمية الدرب يُرجح ارتباطها بعائلة كانت تعمل في تجارة الألبان ومنتجاتها، بينما يتميز المكان بطابع معماري تاريخي، ويقع في محيط قلعة صلاح الدين الأيوبي، ومدرسة السلطان حسن، ومسجد الرفاعي وغيرها من أهم آثار القاهرة التاريخية.

واللافت أن درب اللبانة نفسه أقدم من كثير من صورته الحالية؛ فبوابة الدرب مسجلة ضمن آثار القاهرة الإسلامية، وترجع إلى العصر المملوكي البحري في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.

وبين هذه العمارة التاريخية ظهر بيت أصبح لاحقًا معروفًا باسم بيت المعمار المصري، وهو أحد أشهر مباني الدرب، لكن بعيدًا عن البيت المعروف، كانت هناك حكاية أخرى تختبئ في المكان.

 

◄ مقام داخل بيت

 

في المنزل الذي يحمل رقم 4 بدرب اللبانة، ظلت بقايا ضريح متهدم موجودة داخل المبنى.

وبحسب الرواية التي في تحقيق عن المكان، لم تكن الأسرة تعرف في البداية هوية صاحب المقام، كان الموجود مجرد ضريح قديم، متهدم ومغطى بالإهمال والمخلفات، بينما ظل السؤال معلقًا: من صاحب هذا المقام؟
وهنا تبدأ واحدة من أكثر حلقات الحكاية غرابة.

تقول صاحبة البيت، عزة عبد العزيز، إن ثلاث نساء من الأسرة ارتبطت حياتهن بالمكان: جدتها صديقة، ثم والدتها، ثم هي نفسها.

وكانت الجدة صديقة قد تمسكت ببقاء المقام بعدما كان هناك توجه قديم لإزالته، وفق الرواية المنشورة، بعد أن رأت في منامها صاحب المقام، وهو ما دفعها إلى الإبقاء عليه وعدم هدمه.

وهذه الجزئية تحديدًا ينبغي التعامل معها باعتبارها رواية عائلية وليست واقعة تاريخية يمكن إثباتها بالمصادر الأثرية.

 

◄ من كان صاحب الضريح؟

 

ظل اسم صاحب المقام مجهولًا لسنوات طويلة، وبحسب رواية الأسرة، استعانت عزة بأحد المهتمين بالبحث في تاريخ الأولياء والأضرحة، واختفى الرجل لعدة أشهر يبحث عن إجابة، قبل أن يعود إليها بمعلومة مفادها أن المقام يعود إلى الشريف المهدي.

والرواية المتداولة عنه أنه كان صوفيًا قدم من بلاد فارس، واختار منطقة جبل القاهرة مكانًا للخلوة والعبادة، وعاش فيها متعبدًا حتى وفاته.

 

◄ لكن هنا تظهر أهم نقطة في الحكاية كلها

 

المعلومات المنشورة عن الشريف المهدي قليلة جدًا، ولا تتوافر حتى الآن سيرة مفصلة له مثل تلك الموجودة لكثير من أولياء القاهرة المعروفين.

وتقول الرواية الصحفية إن الباحث الذي حاول الوصول إلى أصل الحكاية لم يجد عن المهدي أكثر من إشارة في كتاب المقريزي «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».

وبالبحث في النسخ الإلكترونية المتاحة من كتاب المقريزي، يمكن التأكد من أهمية الكتاب كمصدر أساسي لتاريخ القاهرة وخططها وآثارها، لكنني لم أجد في النتائج المتاحة نصًا واضحًا يمكنني أن أنسبه بثقة إلى المقريزي عن الشريف المهدي نفسه. لذلك لا يصح أن نضع اقتباسًا مباشرًا باسمه من دون الرجوع إلى نسخة محققة وفهرس مواضع الأسماء.

 

اقرأ ايضا| «بوابة أخبار اليوم» رصدت الأزمة من البداية.. رحلة إنقاذ «قبة أبي اليزيد البسطامي»

 

لماذا أصبح الضريح تحت العمارة؟ هنا تتداخل طبقات القاهرة القديمة. فالمقام لم يبقَ في مبنى ديني مستقل، وإنما أصبح جزءًا من منزل سكني، وهي صورة تكشف طبيعة القاهرة التاريخية التي تراكمت فيها المباني والاستخدامات فوق بعضها عبر قرون.

وتوضح الرواية المنشورة عن المنزل أن الضريح كان قد تهدم إلى حد كبير، وتحولت المنطقة المحيطة به إلى مكان تتراكم فيه المخلفات، وعندما قررت عزة البدء في ترميم البيت، كان هدفها في البداية إصلاح السطح والاستفادة منه في أنشطة ثقافية مرتبطة بالتراث، لكن المقاول الذي استعانت به لاحظ وجود المقام، فبدأ العمل منه.

وبحسب الرواية، أخرجت عملية تنظيف المكان أكوامًا من المخلفات التي تراكمت داخله، ثم جرى تنظيف الضريح وإقامة راية عليه.

وهكذا لم يكن الترميم مجرد إصلاح لبيت قديم، بل أصبح أيضًا عملية إنقاذ لمقام كان يمكن أن يختفي بالكامل.

 

◄ من ضريح منسي إلى «خان صديقة»

 

بعد ترميم المنزل، أطلقت عزة عبد العزيز عليه اسم «خان صديقة» تخليدًا لجدتها التي ارتبطت قصتها بالمكان، والبيت الذي كان يحمل ذاكرة عائلية ومقامًا منسيًا بدأ يتحول إلى مساحة تستضيف فعاليات ثقافية وتراثية.

وكانت من أوائل الفعاليات معرضًا عن تراث الأفراح الشعبية في مصر، ثم استضاف المكان فعاليات مجتمعية وثقافية أخرى.

كما شهدت المساحة فعاليات للإنشاد والذكر في مناسبات دينية، مع توجه لاستخدام المنزل في أنشطة ثقافية ومجتمعية تخدم سكان المنطقة.

وهكذا تغيرت وظيفة المكان أكثر من مرة: «مقام صوفي – بيت سكني – مقام منسي داخل البيت – منزل يتم ترميمه – مساحة ثقافية تحمل اسم «خان صديقة».

 

◄ لكن ما علاقة المكان بتاريخ درب اللبانة؟

 

لكي نفهم قيمة الحكاية، يجب أن ننظر إلى الدرب نفسه، فدرب اللبانة ليس مجرد حارة قديمة؛ المنطقة تقع في قلب المشهد الأثري المحيط بالقلعة، وتجاور مجموعة استثنائية من آثار القاهرة، ومن أبرز معالمه منزل علي لبيب، الذي أصبح اليوم مقرًا لبيت المعمار المصري.

وتشير وزارة السياحة والآثار إلى أن المنزل من أفضل المنازل الباقية التي تمثل العمارة السكنية في العصر العثماني، وأنه أُنشئ في العصر العثماني ثم انتقلت ملكيته إلى عمر الملاطيلي وشقيقه إبراهيم، وعُرف لاحقًا باسم علي لبيب نسبة إلى المشرف على المنزل.

كما أصبح البيت معروفًا باسم «بيت الفنانين» بعدما أقام فيه عدد من كبار الفنانين، ومن بينهم راغب عياد وشادي عبد السلام وحسن فتحي. أي أن درب اللبانة جمع عبر تاريخه بين العمارة السكنية التاريخية، والفن، والتصوف، والآثار، والحياة الشعبية. وفي هذا السياق تصبح حكاية مقام الشريف المهدي جزءًا من صورة أكبر للقاهرة القديمة.

 

◄ «مدينة فوق مدينة»

 

أكثر ما يلفت النظر في قصة المقام أن الإنسان الذي يسير اليوم في درب اللبانة قد يرى بيتًا عاديًا من الخارج، بينما تختبئ داخله طبقة أخرى من التاريخ.

وهذه واحدة من خصائص القاهرة التاريخية: أحيانًا لا يكون الأثر في مبنى منفصل، وإنما يكون جزءًا من مبنى استمر استخدامه وتغيرت وظائفه عبر الزمن.

وفي حالة الشريف المهدي، أصبح المقام جزءًا من ذاكرة بيت، ثم تحول البيت نفسه إلى شاهد على كيفية انتقال التراث من جيل إلى جيل.

 

◄ قصة ثلاثة أجيال

 

الحكاية لا تتوقف عند الشريف المهدي، فاللافت فيها أن ثلاث نساء من أسرة واحدة حافظن على خيط المكان.

اقرأ أيضا: سؤال وجواب حول التحويلات وتقليل الاغتراب لطلاب المرحلة الأولي والثانية

الجدة صديقة ارتبطت بالمقام ورفضت أن يختفي، ثم ابنتها، ثم الحفيدة عزة التي عادت إلى البيت بعد سنوات، واشترت حصص بقية الورثة حتى أصبح ملكًا لها، قبل أن تبدأ رحلة ترميمه وإعادة إحيائه.

لم يعد السؤال فقط: «من صاحب الضريح؟»، بل أصبح: «كيف يمكن إنقاذ ذاكرة مكان بالكامل قبل أن تختفي؟».

 

◄ من الإهمال إلى الإحياء

 

تأتي قصة الشريف المهدي في وقت تشهد فيه منطقة درب اللبانة نفسها اهتمامًا متزايدًا بإعادة إحياء القاهرة التاريخية.
وفي السنوات الأخيرة شهد الدرب مشروعات لتطوير المنطقة وإعادة توظيف بعض المساحات، كما أُعيد تأهيل موقع كان يستخدم سابقًا كمقلب للقمامة وتحويله إلى مساحة عامة.

وفي مارس 2026 تناولت تقارير صحفية أعمال تطوير الدرب وإعادة تقديمه كوجهة تاريخية وثقافية حية، بما يعكس عودة الاهتمام بهذه المنطقة التي ظلت لسنوات بعيدة عن دائرة الضوء.

ومن هنا تبدو قصة الضريح أكثر أهمية؛ لأن إنقاذ مقام صغير داخل بيت قديم ليس مجرد حكاية عن ولي مجهول، وإنما جزء من استعادة ذاكرة القاهرة نفسها.

 

◄ ماذا نعرف يقينًا.. وماذا لا نعرف؟

 

حتى الآن يمكن تثبيت مجموعة من المعلومات:

– المقام موجود في منزل يقع في 4 درب اللبانة بمنطقة القلعة.

– كان المقام متهدمًا ومهملاً، بحسب الرواية المنشورة عن المكان.

– ارتبط المنزل بثلاثة أجيال من أسرة عزة عبد العزيز.

– الأسرة لم تكن تعرف في البداية صاحب المقام.

– البحث الذي قامت به الأسرة انتهى إلى نسبته إلى الشريف المهدي.

– الرواية المتداولة تصفه بصوفي قدم من بلاد فارس وأقام للعبادة في جبل القاهرة.

نُسبت هذه المعلومة إلى بحث في كتاب المقريزي، لكن لم أتمكن من العثور على نص أصلي واضح في النسخ الإلكترونية المتاحة يؤكد التفاصيل كاملة، وجرى تنظيف المقام وترميمه مع إعادة إحياء المنزل، وتحول المنزل لاحقًا إلى مساحة عُرفت باسم «خان صديقة» واستضاف فعاليات ثقافية وتراثية.

أما تاريخ الشريف المهدي بالتحديد، وسنة قدومه إلى مصر، وسنة وفاته، ونسبه الكامل، وتاريخ إنشاء الضريح، ومن شيد المقام، وهل هو أثر مسجل رسميًا أم لا؛ فهذه نقاط لا أرى أنه من الآمن الجزم بها اعتمادًا على المصادر المنشورة حاليًا.

 

◄ سر الحكاية

 

ربما يكون هذا هو الجزء الأكثر إثارة في القصة، في القاهرة التي اعتادت أن تكشف أسرارها تحت طبقات الجدران، لم يكن كنز الشريف المهدي ذهبًا ولا تمثالًا ولا مخطوطًا، كان مقامًا صغيرًا نسي الناس صاحبه.

ثم جاء بيت، وسكنت فيه أسرة، وتعاقبت ثلاثة أجيال، وبقي الضريح في مكانه، حتى جاءت لحظة كان يمكن أن يهدم فيها أو يختفي إلى الأبد، لكن قرار الحفاظ عليه جعل المقام يستعيد حضوره من جديد.

ومن هنا تبدو حكاية الشريف المهدي واحدة من تلك القصص التي تجعل القاهرة القديمة مختلفة عن أي مدينة أخرى: قد تدخل بيتًا بحثًا عن تاريخ العمارة، فتجد ضريحًا، وتبحث عن صاحب الضريح، فتجد صوفيًا غامضًا، وتبحث عن الصوفي، فتجد المقريزي.

فبعض آثار القاهرة لا تزال تنتظر من يكتشفها، ليس تحت الرمال، وإنما تحت البيوت، وخلف الأبواب، وفي ذاكرة أهلها، المصادر الأهم التي اعتمدت عليها: رواية «خان صديقة» .

اقرأ أيضا: تواجد حمدي فتحي.. قطر ضيفًا على الوكرة بمستهل مشواره في الدوري القطري

‫0 تعليق

اترك تعليقاً