حكاية أقدم عائلة في سوهاج تخصصت في تجارة العصا منذ 120 عاماً |صور وفيديو

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في قلب قيسارية سوهاج التاريخية، أقدم المناطق التجارية بالمحافظة، تتوارى حكايات الزمن القديم بين الأزقة الضيقة والمحلات والورش التي ما زالت تحتفظ بملامح الماضي. وعلى بُعد خطوات من مسجد ومقام العارف بالله، تنتشر روائح العطارة والمسك والبخور، بينما تحجب الأسقف الخشبية والأقمشة أشعة الشمس عن المارة.

اقرأ أيضا: الزمالك في معسكر مغلق اليوم استعدادًا لمواجهة الاتحاد السكندري

اقرأ أيضاً | محافظ سوهاج يدشن مبادرة “قرية صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة” بالصلعا

وبين أروقة القيسارية القديمة، التي لا يتجاوز عرض بعض شوارعها أربعة أمتار، يقع أحد أقدم المحال المتخصصة في بيع العصا والشوم والنبوت والخيزران، حيث يجلس عم عبدالرؤوف محمد خلف، 75 عامًا، أمام متجره ممسكًا بإحدى عصا الخيزران، بينما تحيط به أنواع مختلفة من العصا، وبجواره حفيده سيف مختار الذي يساعده في العمل.

 

يروي عم عبدالرؤوف حكاية عائلته مع هذه المهنة، مؤكدًا أنه ورثها عن والده الذي قدم إلى القيسارية عام 1930، وافتتح أول محل لتجارة العصا والشوم في سوهاج.

ويقول: «كنت وقتها طفلًا صغيرًا عمري حوالي 8 سنوات، واشتغلت مع والدي في المهنة، ومن وقتها وأنا مستمر فيها حتى اليوم».

ويضيف أن لديه ثلاثة أبناء وبنتًا، حيث يعمل أحد أبنائه في تجارة العصا بمدينة جرجا، بينما يعمل ابنه الآخر معه في محل القيسارية، مؤكدًا أن المهنة انتقلت داخل العائلة من جيل إلى آخر.

التحطيب.. الزبون الأبرز

وأوضح عم عبدالرؤوف أن أغلب زبائن المحل يأتون من مختلف مراكز وقرى سوهاج، خاصة لشراء عصا الخيزران المستخدمة في لعبة التحطيب، التي تنتشر بشكل كبير في الأفراح والموالد، مشيرًا إلى أن الشباب هم الأكثر إقبالًا عليها.

ولفت إلى أن تجارة العصا تراجعت خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالماضي، إلا أن العمد والمشايخ وكبار العائلات ما زالوا يحرصون على اقتناء العصا الأنيقة ذات المقابض المميزة، كما توجد أنواع محلية وأخرى مستوردة من دول مثل إندونيسيا ومالطا.

وتتراوح أسعار العصا، بحسب نوعها وجودتها، من نحو 100 إلى 150 جنيهًا، فيما تصل بعض الأنواع إلى 200 جنيه.

ولا تقتصر أعمال عم عبدالرؤوف على تجارة العصا، إذ يعمل أيضًا في صناعة وصيانة شماسي الأندية والفيلات والمصايف.

من الوجاهة إلى الحماية

ويؤكد أن العصا لم تكن في الماضي مجرد أداة للاستخدام، وإنما ارتبطت بعادات وتقاليد مختلفة، فالبعض كان يستخدمها للاتكاء عليها مع التقدم في العمر أو المرض، وآخرون كانوا يحملونها باعتبارها جزءًا من الوجاهة والأناقة، بينما ارتبط استخدامها قديمًا أيضًا بالسير ليلًا وتأمين الطريق.

ويستعيد عم عبدالرؤوف ذكريات والده قائلًا إن والده كان من «الفتوات» وكان يحرص على شراء النبوت والخرزان، وكان يعتبرهما من أدوات الرجال التي يستخدمونها في الليل والنهار، كما كانت العصا رفيقًا لا غنى عنه عند الذهاب إلى الأفراح، حيث تنتشر لعبة التحطيب.

ويشرح أن للعصا أنواعًا متعددة، من بينها الشوم والنبوت والزان والخيزران، ولكل نوع خصائصه واستخداماته، مشيرًا إلى أن الخيزران يحظى بإقبال كبير في التحطيب لأنه لا ينكسر بسهولة، وإنما قد يتعرض للشرخ، وهو ما يجعله مناسبًا للعبة.

اقرأ أيضا: «معلومات الوزراء» يستعرض أهمية اقتصاد الفضاء

ويشير إلى أن أهالي سوهاج، وخاصة أبناء مركزي جرجا والبلينا، ارتبطوا منذ زمن طويل بالعصا والتحطيب، إذ لا تزال العصا حاضرة في العديد من المناسبات، خصوصًا الأفراح والزراعات ليلًا.

لكل مناسبة عصا

ويؤكد عم عبدالرؤوف أن لكل مناسبة العصا التي تناسبها، موضحًا أن الذهاب لأداء واجب عزاء يكون بعصا رفيعة وخفيفة من الخشب الأبيض، بينما ترتبط الأفراح ولعبة التحطيب بعصا الخيزران والشوم.

وبينما يتأمل أنواع العصا المنتشرة داخل محله، يقول إن المهنة بالنسبة له ليست مجرد تجارة، وإنما جزء من تراث سوهاج وذاكرة القيسارية التي عاش فيها أكثر من ستة عقود.

ويحكي: «أنا جيت المنطقة دي مع أبويا وأنا صبي صغير، وكنت أقف مكانه وأريحه شوية. ورثت أولادي التجارة، وعشنا كل تطورات القيسارية؛ من أيام ما كانت زرع وبيوت ومحلات وورش يدوية قليلة وعربات كارو وحنطور، لحد ما أصبحت عروس التجارة في الصعيد».

ويضيف أن القيسارية تغيرت كثيرًا على مدار العقود، بعدما كانت تمتد حولها الأراضي الزراعية، وكان آلاف زوار مسجد ومقام العارف بالله يقصدون المنطقة لشراء احتياجاتهم، خاصة مستلزمات جهاز العرائس، قبل أن تتحول إلى واحدة من أهم المناطق التجارية في الصعيد، وتنتشر بها المحلات وورش الذهب والمباني الحديثة.

وفي ختام حديثه، يبتسم عم عبدالرؤوف وهو يشير إلى حفيده سيف، قائلًا: «أنا وأبويا حافظنا على المهنة، والسؤال دلوقتي: هل أحفادي هيكملوا رحلتنا مع العصا والنبوت في السنوات الجاية؟».
 

اقرأ أيضا: اليوم.. انطلاق منافسات دوري المحترفين موسم 2026-2027

‫0 تعليق

اترك تعليقاً