Published On 19/8/2026
|
آخر تحديث: 21:22 (توقيت مكة)
منذ اندلاع الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط 2026، طفقت وسائل الإعلام والجمهور تنظر إلى الصراع، وبوتيرة متزايدة، من منظور شخصي بحت يتجلى في الطموحات الفردية والتوجهات الإستراتيجية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويتجاوز هذا التحول في الرؤية مجرد كونه ولعا صحفيا؛ إذ يدل على أن “الواقعية الأخلاقية” -وهي إطار نظري يُعلي شأن القيادة والحنكة السياسية على حساب الجغرافيا السياسية الباردة- باتت تتوافق مع الواقع الموضوعي على نحو أفضل بكثير مقارنة بنظريات العلاقات الدولية التقليدية.
ولفهم الأسباب، يتعين على المرء إمعان النظر في إخفاقات النظريات السائدة. فلعقود خلت، عَزَت النظريات الجيوسياسية الحرب الحالية في الخليج إلى تحكم مضيق هرمز بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30% من إمدادات النفط العالمية.
أكد وزيرا الخارجية السابقان، هيلاري كلينتون وجون كيري، في وقت سابق أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضت صراحة مطالب نتنياهو. وبدافع من طموح سياسي جامح وغير مسبوق ليصبح “أعظم رئيس أمريكي”، ضرب ترمب بحذر أسلافه عرض الحائط
وتجادل “الليبرالية المؤسسية” بأن الحرب تمخضت عن الصراعات بين الديمقراطيات الغربية والاستبداد الديني في إيران. في غضون ذلك، تشير “الواقعية الهيكلية” إلى أن التفوق العسكري المطلق للولايات المتحدة وإسرائيل من شأنه أن يملي شروط السلام ومآلات الحرب.
ومع ذلك، تعجز هذه النماذج قاطبة عن تفسير إحجام واشنطن وتل أبيب عن خوض غمار حرب شاملة مع طهران طيلة حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها، وحتى بزوغ فجر الولاية الثانية لترمب.
وطوال تلك العقود، ظلت العداوة قائمة لا محالة، وبقيت تدفقات النفط عبر هرمز هائلة، واستقرت الأنظمة السياسية دونما تغيير، واستمر التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي ثابتا.
بعبارة أخرى، شكلت الظروف الجيوسياسية والأنظمة السياسية والتباين العسكري ثوابت راسخة، لا متغيرات، ومن ثم، تقف هذه النظريات عاجزة عن تفسير التحول الكارثي في الخليج.
غير أن “الواقعية الأخلاقية” تفترض أن القادة أو صُناع السياسات يمثلون المتغيرات المستقلة النهائية المحركة للتغيرات الدولية. فلم تكن هذه الحرب حتمية تفرضها الجغرافيا؛ بل اندلعت جراء خروج إدارة ترمب عن عقود من التقاليد الأمريكية، وقبولها بمقترح نتنياهو الممتد منذ زمن بشن ضربة عسكرية ضد إيران.
وقد أكد وزيرا الخارجية السابقان، هيلاري كلينتون وجون كيري، في وقت سابق أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضت صراحة مطالب نتنياهو. وبدافع من طموح سياسي جامح وغير مسبوق ليصبح “أعظم رئيس أمريكي”، ضرب ترمب بحذر أسلافه عرض الحائط، وهو ما بلغ ذروته في توجيه الضربات العسكرية في عامي 2025 و2026.
ويؤكد المسار الحالي للحرب وجاهة إطار “الواقعية الأخلاقية”، كاشفا في الوقت ذاته عن مكامن الخلل في النظريات المنافسة.
فعلى صعيد إخفاق “الليبرالية المؤسسية”: لم تفلح القيم الديمقراطية المشتركة في حشد الغرب، بل وجاهرت العديد من الدول الأوروبية بمعارضتها محور واشنطن تل أبيب.
وعلى النقيض من ذلك، لا تجمع دول مجلس التعاون الخليجي الداعمة للولايات المتحدة أية جذور ديمقراطية معها.
أما عن إخفاق “الواقعية الهيكلية”: فقد عجز التفوق العسكري الساحق عن تحجيم نفوذ إيران الإقليمي. بل على العكس من ذلك، يمكن القول إن الحرب قد أسهمت في تعزيز النفوذ الإستراتيجي الإقليمي لطهران.
اقرأ أيضا: زيزو يسجل الهدف الأول للأهلي أمام برشلونة
من منظور الواقعية الأخلاقية، تعاني إدارتا ترمب ونتنياهو من افتقارهما للمبادئ الأخلاقية الدولية. ففي ظل التداعيات الإنسانية الكارثية في غزة وما لحق بسمعتهما من إرث حافل بالوعود المنكوثة، تفتقر الإدارتان إلى المكانة الإستراتيجية اللازمة لحشد الحلفاء الغربيين أو بلوغ غاية هزيمة إيران
وعلاوة على ذلك، لم تُضْفِ تحالفات أمريكا الرسمية مع دول مجلس التعاون الخليجي أية شرعية أخلاقية أو تحقق اختراقا تكتيكيا؛ بل أحالت تلك الدول إلى أهداف رئيسية للانتقام الإيراني.
ومن منظور الواقعية الأخلاقية، تعاني إدارتا ترمب ونتنياهو من افتقارهما للمبادئ الأخلاقية الدولية. ففي ظل التداعيات الإنسانية الكارثية في غزة وما لحق بسمعتهما من إرث حافل بالوعود المنكوثة، تفتقر الإدارتان إلى المكانة الإستراتيجية اللازمة لحشد الحلفاء الغربيين أو بلوغ غاية هزيمة إيران.
وتأسيسا على ذلك، فإن القادة الأفراد للدول المعنية، وليس توازنات القوى المجردة، هم من سيحددون معالم الأمن الإقليمي خلال ما تبقى من ولاية ترمب.
وفي ظل رفض مجتبى خامنئي في إيران الرضوخ للضربات الأمريكية، وإحجام ترمب عن الإقرار بالهزيمة، يظل خطر توجيه ضربات متبادلة قائما وبقوة.
وسيعتمد أمن كل دولة خليجية في المقام الأول على السياسة التي ينتهجها صُنّاع القرار لديها. وستظل الإمارات العربية المتحدة عُرضة لخطر الرد الإيراني بسبب محافظتها على تعاون عسكري وثيق مع ترمب ونتنياهو.
في حين تواجه المملكة العربية السعودية خطرا أدنى، بفضل التحول الفطن لولي العهد الأمير محمد بن سلمان نحو إرساء شراكات أمنية إستراتيجية مع كل من باكستان وتركيا، مقلصا بذلك عن عمد ارتهان الرياض لواشنطن المتقلبة.
بينما تحظى عُمان، في ظل حكم السلطان هيثم بن طارق، بأدنى مستويات الخطر من نشوب حرب، إثر تفاوضها على إجماع ثنائي مع طهران لإدارة مضيق هرمز.
أما بالنسبة لبقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي، فتكمن السلامة في النأي بالنفس. وسيجد القادة الذين يُحجّمون من تعاونهم مع البيت الأبيض أنفسهم في مأمن أكبر مقارنة بأولئك الذين ينحازون إليه.
وفي نهاية المطاف، يتحدد أمن أية دولة بناء على الخيارات الإستراتيجية لقادتها، لا عبر قوى هيكلية صماء. ومن خلال التمعن في حالة أمن الخليج عبر عدسة الواقعية الأخلاقية، يتسنى لنا رسم صورة أجلى للمشهد الجيوسياسي الحديث الذي يصيغ معالمه صُناع القرار الأفراد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: حسين لبيب: هدفنا التتويج بدوري أبطال إفريقيا
