السليمانيون.. جماعة دينية تركية بين مساكن الطلاب ودهاليز السياسة | موسوعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

جماعة دينية واجتماعية سنية في تركيا، ذات جذور من الطريقة النقشبندية، أسسها عالم الدين سليمان حلمي توناهان لتعليم القرآن والعلوم الدينية في فترة اتسمت بالتشديد على الجماعات الإسلامية. وتوسعت لاحقا عبر شبكة من الجمعيات ودورات تعليم القرآن والمساكن الطلابية داخل تركيا وخارجها، ولا سيما في أوروبا.

اقرأ أيضا: وزيرة الإسكان تتابع موقف مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي بالمحافظات

عرفت الجماعة بمحدودية حضورها الإعلامي وانضباطها الداخلي، مما دفع وسائل إعلام وباحثين إلى وصفها بأنها “صندوق مغلق”. كما ارتبط اسم مساكن منسوبة إليها بحوادث وفاة وإساءة معاملة، ووجه تقرير مسرب منسوب إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية انتقادات إلى عدد من أفكارها وممارساتها.

وعادت الجماعة إلى الواجهة في أغسطس/آب 2026، بعد عملية أمنية ومالية استهدفت زعيمها علي خان كوريش وأشخاصا وشركات مرتبطة به. وقررت محكمة تركية حبسه احتياطيا مع عشرات المشتبه بهم على ذمة اتهامات تشمل قيادة تنظيم إجرامي وغسل عائدات الجريمة والاحتيال ومخالفة قانون الإجراءات الضريبية، وهي اتهامات أنكرها كوريش ولم يصدر فيها حكم نهائي.

الاسم والنشأة

استمد السليمانيون اسمهم من سليمان حلمي توناهان، المولود عام 1888 في سيليسترا الواقعة ضمن حدود بلغاريا الحالية. ويرى أتباع الجماعة أن هذه التسمية أطلقها عليهم الآخرون وتحمل طابعا انتقاصيا، لذا يفضلون تقديم أنفسهم باسم “طلاب سليمان أفندي”.

نشأ توناهان عالما دينيا وشيخا ضمن الفرع المجددي من الطريقة النقشبندية، بعدما تلقى في شبابه تعليما صوفيا على يد والده. لكن البنية التي تشكلت بعد وفاته لم تعمل بوصفها سلسلة صوفية بالمعنى التقليدي، إذ لم يعين خليفة روحيا له، وتولى القادة الذين جاؤوا بعده إدارة شبكتها الاجتماعية والإدارية.

ومن ثم، يمكن تعريف السليمانيين بأنهم جماعة ذات جذور صوفية، تستند قوتها الأساسية إلى التعليم الديني والمساكن الطلابية وشبكات التضامن، ولا تصف نفسها بأنها طريقة صوفية.

زعيم جماعة السليمانيين التركية، عليهان كوريش، وسط عدد من أتباع الجماعة في صورة متداولة
زعيم جماعة السليمانيين التركية علي خان كوريش وسط عدد من أتباع الجماعة (الصحافة التركية)

التأسيس

تلقى توناهان تعليمه في المدارس الدينية أواخر العهد العثماني، وتخرج عام 1919 في قسم التفسير والحديث، ثم عمل في تدريس القرآن والعلوم الدينية.

بدأ التشكل الفعلي للجماعة عقب صدور قانون توحيد التدريس عام 1924، الذي أدى إلى إغلاق المدارس الدينية؛ فغادر توناهان التعليم الرسمي، وعمل في الزراعة مدة بعد رفض طلبه تدريس العلوم الإسلامية بصورة تطوعية، لكنه واصل الدعوة إلى استمرار التعليم الديني.

وفي عام 1938، بدأ العمل واعظا في إسطنبول، وقدم إلى جانب مواعظه دروسا سرية داخل المساجد والمنازل. وعرضته هذه الأنشطة للملاحقة والتوقيف، كما سحبت منه صلاحية الوعظ عام 1943.

ومع توفير أساس قانوني لدورات القرآن عام 1949 وتخفيف القيود على التعليم الديني بعد تغير السلطة عام 1950، استعاد توناهان صلاحية الوعظ ووسع نشاطه. وفي العام التالي افتتح أول دورة رسمية للجماعة لتعليم القرآن في منطقة تشامليجا، قبل أن ينتشر طلابه في مناطق مختلفة من تركيا لتأسيس دورات مماثلة.

واستمدت الجماعة حضورها الأول من قدرتها على تأهيل معلمي القرآن والعاملين في الخدمات الدينية، رغم استمرار تعرض بعض حلقاتها الدراسية للمداهمة والملاحقة.

وفي تلك الفترة أنشئت مدارس الأئمة والخطباء لكن توناهان اتخذ موقفا متحفظا منها إذ رأى أنها لا تقدم تعليما دينيا كافيا، فتجنب إرسال طلابه إليها. وواصلت الجماعة هذا النهج بعده، وطورت نموذجا تعليميا يعتمد على دورات القرآن وشبكتها الطلابية بدلا من مؤسسات الدولة.

القيادة والتحول المؤسسي

توفي توناهان عام 1959 من دون تعيين خليفة واضح، حتى برز صهره كمال كاجار زعيما فعليا للجماعة، وقاد تحولها إلى تنظيم مركزي يعتمد على الجمعيات، ويوسع نشاطه داخل تركيا وخارجها، ويقيم علاقات سياسية مباشرة.

وفي عام 1965، فرض قانون تنظيم رئاسة الشؤون الدينية مؤهلات رسمية لشغل وظائف الخدمات الدينية، مما صعّب توظيف خريجي دورات الجماعة؛ فردّت الجماعة بتأسيس اتحاد لجمعيات دورات القرآن عام 1966.

ومع صدور ترتيبات جديدة بشأن مباني دورات القرآن عام 1971، اتجهت الجمعيات نحو تقديم السكن والمنح للطلاب في مختلف المراحل التعليمية، وأصبحت المساكن الداخلية ودور الإقامة مجال نشاطها الأساسي ووسيلتها للتواصل مع الأجيال الجديدة.

وشكّل انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980 اختبارا صعبا للجماعة، إذ حوكمت شخصيات بارزة فيها، بينها كاجار وعلي آق، بتهم السعي لإقامة نظام قائم على الشريعة وافتتاح دورات تعليمية غير قانونية.

وصدرت بحقهم أحكام بالسجن، كما أغلقت مقار الجمعيات وختمت بالشمع الأحمر. لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلا، إذ ألغيت الأحكام بعد عام، واستأنفت الجماعة أنشطتها.

الهيكلية والتمويل

تجمع مؤسسات الجماعة بين إسكان الطلاب وتقديم الطعام والمنح وتعليم القرآن، إلى جانب بناء شبكات تضامن تستمر بعد التخرج. وأسهم نقص المساكن العامة، ولا سيما في المناطق الفقيرة والريفية، في توسيع تأثيرها.

وتشير تقديرات أوردتها تقارير تركية إلى ارتباط مئات الجمعيات وأكثر من ألف مسكن طلابي بالجماعة، لكن لا تتوفر إحصاءات رسمية حديثة تثبت حجم شبكتها.

واعتمدت إيرادات الجماعة في البداية على اشتراكات الأعضاء والتبرعات التي تجمع لتمويل دورات تعليم القرآن وخدمات المساكن الطلابية.

وتوسعت أنشطتها التجارية خلال الأعوام اللاحقة، وأصبحت شركات مرتبطة بها أو محسوبة عليها تعمل في قطاعات مختلفة، منها الأغذية والصحة والسياحة والمنسوجات والإنشاءات والعقارات.

وذكر تقرير نُسب إلى رئاسة الشؤون الدينية وتداولته الصحافة عام 2019 أن الشركات التابعة للجماعة والتبرعات التي تجمع من المواطنين تمول شبكتها التعليمية وأنشطتها.

تغيرات القيادة والصراع الداخلي

تولى عارف أحمد دنيز أولغون، حفيد توناهان وأحد أقارب كاجار، إدارة الجماعة عقب وفاة كاجار مطلع الألفية، واستمر في قيادتها حتى وفاته عام 2016.

وانتقلت القيادة بعد ذلك إلى علي خان كوريش، إلا أن قيادته أثارت خلافات واسعة داخل الجماعة، ووصف النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية فاتح سليمان دنيز أولغون عهده بأنه “مرحلة فتنة” وزعم أن الإدارة استولت على الجماعة من خلال الشبهات والارتباطات بمنظمات إجرامية.

كما وجه أولغون عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتهامات إلى كوريش، وحمّله مسؤولية وفاة عمه عارف أحمد دنيز أولغون، ودعا المطلعين على الأسرار الخاصة للجماعة إلى الإدلاء بما لديهم. وفي مايو/أيار 2025، فتحت النيابة العامة في بيكوز تحقيقا على خلفية هذه الادعاءات.

حشد من المشاركين في جنازة الزعيم السابق للجماعة عارف أحمد دنيز أولغون
حشد من المشاركين في جنازة الزعيم السابق للجماعة عارف أحمد دنيز أولغون (الأناضول)

الانتشار خارج تركيا

بدأ السليمانيون التوسع في أوروبا مع هجرة العمال الأتراك منذ ستينيات القرن العشرين، فأنشؤوا دورات لتعليم القرآن ومراكز دينية وثقافية، ولا سيما في ألمانيا.

وفي عام 1973، تأسس مركز الثقافة الإسلامية في كولونيا، قبل أن يحصل على تصريح ألماني لتقديم التعليم الديني للعمال الأتراك. واتخذ نشاط الجماعة لاحقا طابعا مؤسسيا تحت مظلة “اتحاد مراكز الثقافة الإسلامية” المعروف باسم “فيكز” الذي يقدم نفسه بوصفه جماعة دينية مستقلة وفوق حزبية ومنظمة مجتمع مدني.

وتجمع مراكز الجماعة في أوروبا بين المساجد ودورات القرآن والمساكن الطلابية والأنشطة الثقافية. كما توسعت شبكتها منذ تسعينيات القرن العشرين إلى آسيا الوسطى وروسيا وأفريقيا، مما عزز حضورها في مجالات التعليم والنشر والتبرعات.

وذكر التقرير المسرب لرئاسة الشؤون الدينية أن علاقة مؤسسات السليمانيين بالاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية “ديتيب” شهدت تنافسا وتوترا، واتهمت أوساط الجماعة الاتحاد بعرقلة استقلال الجماعات التركية الإسلامية في أوروبا.

الجماعة والسياسة

اتسمت علاقة السليمانيين بالسياسة بالمرونة، وتركزت مدة طويلة على أحزاب يمين الوسط التي أتاحت للجماعة مساحة لمواصلة أنشطتها التعليمية وإدارة مساكنها الطلابية.

دعمت الجماعة الحزب الديمقراطي في عهد توناهان، ثم اتجهت إلى حزب الأمة في انتخابات عام 1957. واتخذت علاقتها بالسياسة لاحقا شكل تمثيل برلماني مباشر، إذ انتُخب زعيمها كاجار نائبا 3 دورات بين عامي 1965 و1977، كما مثلها في البرلمان شخصيات من بينها حلمي تركمان وعلي آقين.

وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، تقاربت الجماعة مع أحزاب الديمقراطية القومية والوطن الأم والطريق القويم.

وفي عام 1995، انتُخب دنيز أولغون نائبا عن حزب الرفاه، ثم تولى وزارة النقل. كما انخرط أفراد من عائلته في حزب العدالة والتنمية، بينهم شقيقه محمد بيازيد دنيز أولغون، وابن شقيقه فاتح سليمان دنيز أولغون.

وبعد عام 2009، اتبعت الجماعة إستراتيجية انتخابية أكثر مرونة، وتداولت الأوساط العامة ادعاءات عن دعمها حزب الحركة القومية عام 2011، والحزب الجيد عام 2018، ثم تقاربها مع المعارضة في انتخابات أعوام 2019 و2023 و2024.

وذكر التقرير المسرب لرئاسة الشؤون الدينية أن سياسيين تدخلوا لحماية موظفين ينتمون إلى الجماعة من إجراءات تأديبية. كما أورد ادعاءات صحفية بشأن صدور تعليمات إلى الولاة، بحماية دورات السليمانيين ومساكنهم.

اقرأ أيضا: لوموند: صراع الخلافة يهدد تماسك معسكر حفتر | سياسة

حافلة تقل الموقوفين من جماعة السليمانيين أمام محكمة أنقرة (الأناضول-2026)
حافلة تقل الموقوفين من جماعة السليمانيين أمام محكمة أنقرة (الأناضول-2026)

اتهامات وانتقادات

تداولت الصحافة التركية عام 2019 تقريرا مسربا منسوبا إلى المجلس الأعلى للشؤون الدينية، حمل عنوان “التشكيلات الدينية والاجتماعية والتكوينات الدينية والثقافية التقليدية والتيارات الدينية الجديدة”، وعرف إعلاميا باسم “التقرير السري عن الطرق الصوفية”.

وصف التقرير السليمانيين بأنهم من أقدم الجماعات الدينية والاجتماعية وأكثرها انتشارا في تركيا، لكنه انتقد طبيعة تنظيمهم المغلقة وفهمهم للقيادة وموقفهم من رئاسة الشؤون الدينية.

كما زعم أن الجماعة تتبنى أفكارا وخطابات “لا مكان لها في الفهم الإسلامي الصحيح”، وتتخذ في مناطق نفوذها موقفا سلبيا من المؤسسات العاملة في مجالات مشابهة.

واستندت أبرز الادعاءات الواردة في تقرير رئاسة الشؤون الدينية إلى روايات أعضاء سابقين، ومذكرات ومقابلات وتقارير صحفية قديمة.

وشملت هذه الادعاءات وجود تنظيم هرمي إقليمي داخل الجماعة، وسعي بعض أعضائها إلى النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وإقامة علاقات مع أجهزة أمنية واستخباراتية محلية وأجنبية، إلى جانب اتباع ممارسات صارمة تتعلق بالقسم والسرية.

ودعا التقرير إلى دراسة القوة المالية والمؤسسية التي تقف خلف الجماعة وأنشطتها حول العالم بصورة أكثر تفصيلا.

حوادث المساكن والجدل بشأن الرقابة

ارتبط اسم مساكن طلابية قيل إن لها صلة بالجماعة بحوادث وفاة واعتداءات أثارت جدلا بشأن مستوى الرقابة عليها ومسؤولية مؤسسات الدولة عنها.

وفي عام 1986، أنهى فتى يبلغ 14 عاما حياته داخل دار إقامة في ولاية دنيزلي، وقالت عائلته إن الضغوط التي تعرض لها في المسكن أسهمت في وفاته.

كما أدى انفجار ناجم عن تسرب الغاز في مسكن طلابي بقونية عام 2008 إلى مقتل 18 شخصا وإصابة 29 آخرين، وصدرت لاحقا أحكام بالسجن بحق 3 متهمين.

وفي عام 2016، أدى حريق في مسكن للطالبات بمنطقة ألاداغ إلى مقتل 11 طفلة وإحدى العاملات وإصابة 22 شخصا، وصدرت أحكام بالسجن بحق 8 متهمين.

وأشار تقرير رئاسة الشؤون الدينية إلى ادعاءات أخرى بشأن تعرض طلاب للضرب، ومحاولات فرار، وحالات انتحار ووفيات مشبوهة. وأبقت هذه الوقائع الرقابة على مساكن الجماعة ومصادر تمويلها وبنيتها الإدارية موضع نقاش.

التحقيق المالي واعتقال قائد الجماعة

في أغسطس/آب 2026، بدأت النيابة العامة في أنقرة تحقيقا ماليا بحق قائد السليمانيين كوريش وأشخاص وشركات مرتبطة به، بتهم شملت تأسيس منظمة إجرامية وإدارتها، وغسل الأموال، والاحتيال على مؤسسات عامة، ومخالفة قانون الإجراءات الضريبية.

وأصدرت النيابة أوامر بتوقيف 49 مشتبها بهم، بينهم كوريش، خلال عمليات متزامنة شملت تفتيش ومصادرة ممتلكات مرتبطة بـ33 شركة.

ووفقا لتقرير مجلس التحقيق في الجرائم المالية “ماساك”، تجاوزت التحويلات المالية التي جرت عبر أشخاص وشركات مشمولة بالقضية 100 مليار ليرة، مع الاشتباه في إخراج أموال إلى خارج تركيا. كما فرضت السلطات تحفظات قانونية على أصول المشتبه بهم وممتلكاتهم وحساباتهم.

وأثارت التحقيقات مقارنات في بعض الأوساط الإعلامية التركية بين بنية السليمانيين وتنظيم جماعة غولن، في ظل الاشتباه في امتلاكها شبكة مالية واسعة وتنظيما داخليا مغلقا.

كما أفادت تقارير صحفية بأن جهات التحقيق تدرس ادعاءات عن تواصل بعض مسؤولي الجماعة مع جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني “بي إن دي” (BND)، من دون صدور نتائج قضائية تثبت طبيعة هذه الاتصالات أو صحة الادعاءات بشأنها.

من جهته أنكر كوريش الاتهامات ووصفها بأنها تستهدف سمعته، وقال إنه لم يصدر أوامر تتعلق بالأفعال المنسوبة إليه.

اقرأ أيضا: البنك المركزي يعلن موعد إجازة المولد النبوي في البنوك

‫0 تعليق

اترك تعليقاً