غزة- بين حوار لا يزال في بداياته ومصالح متقاطعة، تتجه الساحة الفلسطينية نحو اصطفافات انتخابية لم تكن مطروحة بهذه الصورة قبل أشهر، مع حديث عن إمكانية تشكيل قائمة موسعة تضم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح الذي يرأسه القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان، إلى جانب فصائل وشخصيات فلسطينية أخرى.
اقرأ أيضا: تنسيق المرحلة الثالثة 2026.. الموعد والكليات المتوقعة لطلاب الأدبي والعلمي
لم تتحول هذه المشاورات إلى تحالف معلن أو قائمة نهائية بعد، لكنّ مشاركة قوى لطالما وقفت في مواقع متباينة من المشهد الفلسطيني تفتح الباب أمام خريطة انتخابية جديدة، خصوصا مع إعلان قوى معارضة لنهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس استعدادها للمشاركة، بدل مقاطعة الاستحقاق المرتقب.
وتأتي هذه التحركات بعد إصدار عباس في 9 يوليو/تموز مرسوما دعا فيه إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في أول انتخابات تشريعية منذ انتخابات يناير/كانون الثاني 2006، التي أفرزت آخر مجلس تشريعي منتخب وفازت حماس بأغلبية مقاعده.
وكان عباس أجرى بمرسوم تعديلات على قانون الانتخابات أثارت اعتراضات فصائلية بسبب تمريرها دون حوار وطني، فيما بدأت لجنة الانتخابات المركزية الإجراءات الخاصة بالاستحقاق، على أن يُفتح باب الترشح في 26 سبتمبر/أيلول لمدة 12 يوما، وتنطلق الدعاية الانتخابية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني.
طريق معقد
وفي الطريق إلى الصناديق، لا يزال المشهد مُحاطا بتعقيدات سياسية وميدانية؛ ففي قطاع غزة تفرض آثار الحرب والنزوح والسيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع نفسها على أي استحقاق انتخابي، بينما لا تزال آليات إجراء الانتخابات في القدس المحتلة غير واضحة في ظل الرفض الإسرائيلي، في حين تواجه الضفة الغربية تصعيدا عسكريا واستيطانيا متواصلا.
تقول حركة حماس إنها حسمت قرارها بالمشاركة، لكنها تفضل خوض الانتخابات ضمن أوسع تكتل وطني ممكن.
وأضاف مسؤول العلاقات الوطنية في الحركة حسام بدران في حديثه للجزيرة نت أن حماس أجرت خلال الفترة الأخيرة لقاءات واتصالات ثنائية وجماعية مع حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية والتيار الإصلاحي في حركة فتح، إلى جانب شخصيات ومكونات شعبية وأهلية.
وأكد أن الحركة لا تضع “فيتو” مسبقا على أي طرف، وأن هدفها الوصول إلى توافق يضم أكبر قدر ممكن من القوى والمكونات الفلسطينية.
وفي مواجهة الحديث عن اعتراض إسرائيلي على مشاركة حماس، قال بدران إن الحركة لا تأخذ قراراتها بناءً على موقف الاحتلال، مضيفا: “نحن لا نحتاج إذنا أو ضمانة من أي طرف للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية، هذا حق أصيل لكل الفصائل”.
وتبدو صيغة الائتلاف بالنسبة لحماس أكثر من مجرد خيار انتخابي؛ فهي تتيح للحركة خوض الاستحقاق ضمن إطار وطني أوسع، في ظل الضغوط الإسرائيلية والأمريكية على مشاركتها.

“فيتو” فتح
في المقابل، تستعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) للمشاركة بقائمة واحدة تمثلها، وفق ما أكده المتحدث باسم الحركة منذر الحايك للجزيرة نت، نافيا وجود قوائم رديفة تمثل الحركة.
وأضاف أن الانتخابات “مصيرية”، وأن هدفها توحيد النظام السياسي الفلسطيني، لكنه أكد أن “القواعد التنظيمية لحركة فتح ترفض المشاركة مع حماس في قائمة واحدة، في حين يظل الباب مفتوحا أمام التحالف مع بقية الفصائل، دون أن تكون طبيعة هذه التحالفات قد حُسمت بعد”.
وينوه الحايك إلى أن الانتخابات تجري ضمن إطار الالتزامات والاتفاقيات القائمة، مشيرا إلى أن السلطة تسعى إلى إظهار قدرة الفلسطينيين على ممارسة الحياة الديمقراطية واختيار ممثليهم.
وبشأن الدعوات إلى حوار وطني يسبق الانتخابات، قال إن عباس شكل لجنة للحوار مع الفصائل بهدف تسهيل إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة.
دحلان يعود
في قلب هذا الحراك، يبرز تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في تحديد شكل أي قائمة ائتلافية محتملة، خصوصا مع اتصالاته بحماس وقوى فلسطينية أخرى.
وكشف أسامة الفرا، القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، للجزيرة نت أن ملف الانتخابات الشاملة التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، إلى جانب متابعة تنفيذ اتفاق شرم الشيخ وخريطة الطريق في ظل ما وصفه بالتعنت الإسرائيلي، كان حاضرا خلال لقاء عُقد الاثنين الماضي بين وفد التيار برئاسة محمد دحلان ووفد حركة حماس برئاسة خليل الحية.
وأكد الفرا أن التيار قرر المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، مشيرا إلى أن خياراته لا تزال قيد الدراسة، وفي مقدمتها تشكيل “تحالف وطني واسع” يضم الفصائل إلى جانب كفاءات وشخصيات وطنية ومجتمعية.
وقال إن أي قائمة يجري التوافق عليها “لن تكون ضد أحد”، معتبرا أن “الأجدر بالرئيس محمود عباس أن يقود جهدا لجمع المكونات الوطنية في مواجهة مخططات التهويد والضم”.

أين البرغوثي؟
وقال الفرا إن اسم الأسير مروان البرغوثي حاضر بقوة في النقاشات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية، لما يمثله من ثقل جماهيري وقدرة على قيادة مشروع وحدوي، رغم صعوبة التواصل المباشر معه لمعرفة موقفه النهائي من الاستحقاق الانتخابي.
وانتقد القيادي في التيار الإصلاحي آلية إصدار المراسيم الانتخابية، معتبرا أنها جاءت “دون توافق وطني” و”تضمنت مخالفات لما جرى الاتفاق عليه سابقا، ولا سيما فيما يتعلق بطريقة اختيار أعضاء المجلس الوطني وتعيين بعضهم بدلا من انتخابهم”.
كما أبدى تحفظا على فصل الانتخابات التشريعية عن الرئاسية وعدم إجرائمها بالتزامن، محذرا من إعادة إنتاج سيناريو عام 2021، حين أُلغيت الانتخابات في اللحظات الأخيرة.
اقرأ أيضا: فايننشال تايمز: طهران لوحت باستهداف مصالح أمريكية في أوروبا | أخبار

قائمة انتخابية أم جبهة سياسية؟
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الطناني أن فكرة القائمة الائتلافية تحظى بأولوية لدى عدد من قوى المعارضة، لكنه يحذر من أن الوصول إليها يتطلب حوارا وطنيا أوسع من المستوى الفصائلي، يشمل الشخصيات الوطنية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني.
ويعتقد الطناني أن نجاح القائمة لن يكون في كونها تحالفا انتخابيا مؤقتا، بل في تحولها إلى “برنامج وطني عريض” لإعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني وتجديد مؤسساته.
ويشير إلى عقبات عدة، أبرزها طبيعة التمثيل؛ فإشراك شخصيات فصائلية معروفة قد يعرضها لعقوبات وضغوط دولية، وهو ما قد يدفع باتجاه قائمة من المهنيين والكفاءات المدعومين من قوى المعارضة، أو صيغة تجمع بين الشخصيات المهنية والفصائلية.
كما يرى أن الفجوات بين القوى لا تزال واسعة، رغم اتفاقها على عناوين عامة، إذ تختلف في القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وحول حل الدولتين والمقاومة المسلحة، فضلا عن شكل إصلاح منظمة التحرير والتمثيل داخلها.
ويعتبر المحلل السياسي أن دعوة عباس إلى انتخابات تشريعية دون انتخابات رئاسية متزامنة تستهدف، في جوهرها، “تجديدا شكليا لشرعية السلطة”، استجابة لضغوط دولية مرتبطة بإصلاح السلطة وتجديد مؤسساتها.
ويضيف أن مشاركة حماس والجبهة الشعبية وتيار دحلان، إلى جانب دراسة قوى أخرى المشاركة، أربكت -وفق تقديره- حسابات كانت تراهن على مقاطعة المعارضة، بما قد يغيّر شكل المنافسة الانتخابية.
أرقام تعيد رسم المشهد
وتأتي هذه التحركات في ظل مؤشرات على تغير في موازين الشعبية؛ إذ يتصدر مروان البرغوثي السباق الرئاسي الافتراضي بنسبة 54% في حال ترشحه، مقابل 26% لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية و14% للرئيس عباس، بينما يرى 28% أن حماس الأحق بتمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني، مقابل 21% لفتح بقيادة عباس.
وتمنح هذه الأرقام، إلى جانب استعداد قوى معارضة للمشاركة، الانتخابات المقبلة وزنا يتجاوز مجرد التنافس على مقاعد المجلس التشريعي، لتصبح اختبارا لخريطة القوى الفلسطينية وقدرتها على إعادة تشكيل النظام السياسي.
وبذلك، لا يبدو السؤال في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني متعلقا فقط بمن يفوز بالمقاعد، بل بمن سيتمكن من إعادة تركيب الخريطة السياسية الفلسطينية.
فبين حماس التي تبحث عن أوسع ائتلاف ممكن، وفتح التي تتمسك بقائمة واحدة وترفض التحالف معها، وتيار دحلان الذي يدرس تحالفا وطنيا أوسع، تتقاطع مصالح انتخابية وسياسية لم تكن تلتقي بسهولة في السابق.
لكنّ تحويل هذا التقاطع إلى قائمة واحدة يظل رهينا بقدرة هذه القوى على تجاوز خلافاتها، والاتفاق على برنامج وشكل تمثيل مشترك، فضلا عن تجاوز العوائق القانونية والسياسية والميدانية التي تحيط بالانتخابات.
اقرأ أيضا: شجاعة الملك تشارلز في مواجهة السرطان.. كاميلا تروي كواليس تشخيصه