أونلي ليبانون : فائض القوة.. والمأزق الإسرائيلي | نبيل سالم
أونلي ليبانون : فائض القوة.. والمأزق الإسرائيلي | نبيل سالم
يستخدم مصطلح فائض القوة في العلاقات الدولية لوصف حالة تمتلك فيها دولة قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، تفوق حاجتها لتحقيق أمنها، وبالرغم من أن هذا الفائض في القوة يفترض به أن يمنح هذه الدولة تفوقاً واستقراراً، إلا أن هذا الفائض قد يتحول لأسباب كثيرة إلى مصدر قلق عندما يدفعها إلى الاستمرار في استعمال القوة، ومحاولة توسيع دائرة التهديدات التي تفترض وجودها في محيطها، الأمر الذي يقودها إلى صراعات وحروب لا تنتهي، عندما تتوهم أنها قادرة على تطويع كل ما يعترض طريقها من أجل الهيمنة والسيطرة.
والحقيقة أن هذا هو بالضبط المأزق الاستراتيجي الكبير الذي تعيشه إسرائيل، ولا سيما في ظل حكم اليمين الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه المتطرف.
فمنذ إقامتها في إطار مؤامرة استعمارية على أنقاض الوطن الفلسطيني عام 1948 ترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على نظرية الردع والتفوق، بسبب الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي اللامحدود التي قدمته لها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما أنتج فائض القوة لدى إسرائيل، ما جعلها تبني سياستها في المنطقة من منظور عنصري مرتكزة على عقيدة أمنية تقوم على الردع والتفوق النوعي والحسم السريع، حيث لم تعد القوة مجرد أداة للدفاع، بل لاختراع الحروب، وتضخيم التهديدات التي ترى فيها مبررات لاستخدام ما لديها من فائض قوة من أجل التوسع ومنع أي تطور في المنطقة قد يحدّ أو يقلل من هيمنتها، ولذلك لم تتورع في محاربة أو تدمير أي إنجاز علمي لافت في الدول العربية، ولا سيما المحيطة بفلسطين المحتلة.
لكن اللافت في الأمر هو أنه ورغم كل التفوق العسكري الذي وفره الغرب لإسرائيل لم تستطع من حسم الصراع أو الصراعات التي ولدتها في المنطقة، حيث أثبت الواقع أكثر من مرة في التاريخ أن فائض القوة لا يترجم بالضرورة إلى نصر حاسم، وأن القوة مهما كبرت تبقى نتائجها مؤقتة وغير نهائية، لأن الشعوب التي تستخدم ضدها هذه القوة تتكيف مع متطلبات هذه الحروب غير المتكافئة، وتستطيع تحويلها إلى حروب استنزاف، ناهيك عن استثمار البعد الإعلامي والنفسي الذي يوقع هذه القوى في مآزق سياسية وأخلاقية، لأن فائض القوة لا ينتج أزمات عسكرية فقط، وإنما يخلق أزمة أخلاقية أيضاً.
وبدا ذلك جلياً بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، والأثر الكبير الذي تركته هذه الجرائم في الرأي العام العالمي، الذي أدرك حقيقة إسرائيل كقوة استعمارية عنصرية.
والحقيقة التي تبدو واضحة للعيان هي أن شعور إسرائيل بفائض القوة وتحررها من كل القيم الأخلاقية والإنسانية والقانونية من شأنه أن يشعل المزيد من الحروب في المنطقة، فها هي قوات الاحتلال تتوسع داخل الأراضي اللبنانية، بل وتعلن صراحة أن نهر الليطاني هو خط الحدود مع لبنان، وقبلها كان توسعها داخل الأراضي السورية عقب سقوط النظام السوري السابق، ومع أنه في الوقت الراهن قد تستطيع إسرائيل فرض هيمنتها والتوسع في الأراضي العربية بسبب حالة التشرذم والضعف العربي، إلا أن فائض القوة الذي تمتلكه إسرائيل بدل أن يكون ضمانة لأمنها، سوف يتحول بالتأكيد إلى مأزق حقيقي حين يفقدها القدرة على التكيّف السياسي، لأن التفوق العسكري وحده لم ولن ينتج حسماً، بل يعيد إنتاج الصراع وتكراره بأشكال أكثر تعقيداً. وهكذا، تقف إسرائيل أمام معادلة صعبة، هي أنها مهما امتلكت من القوة لن تستطيع وضع نهاية للصراع، ومهما تعاظمت قوة الردع لديها لن تستطيع فرض السلام حسب رؤيتها، ما يعني أن تفوقها لا يمكن أن يترجم إلى استقرار.
[email protected]
أونلي ليبانون : فائض القوة.. والمأزق الإسرائيلي | نبيل سالم

تعليقات