في عالم يتغير اقتصاديا بسرعة، لا تأتي الفرص الكبرى دائما في صورة اكتشافات ضخمة أو تدفقات استثمارية هائلة، أحيانا تبدأ من قرار تجاري يبدو فنيا، لكنه يحمل وراءه إمكانات استراتيجية واسعة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب قرار الصين تطبيق معاملة جمركية صفرية على عدد من الصادرات المصرية أهمية تتجاوز كونه مجرد تسهيل تجاري، لأنه يعكس تطورا في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويفتح في الوقت نفسه بابا مهما أمام المنتج المصري في واحدة من أكبر أسواق العالم.
ومعنى هذا القرار ببساطة، أن عددا من المنتجات المصرية سيدخل السوق الصينية دون رسوم جمركية، بما يخفض تكلفة نفاذها إلى هذا السوق العملاق، ويعزز قدرتها على المنافسة، خاصة في قطاعات مثل الحاصلات الزراعية، والأغذية المصنعة، والأسمدة، ومواد البناء، والرخام.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا حدث، بل لماذا حدث؟
في تقديري، القرار يأتي في سياق أوسع من مجرد مجاملة تجارية، فهو يعكس تعمق الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين، كما يرتبط بتحولات أكبر تشهدها التجارة الدولية، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وسعي قوى اقتصادية كبرى لتنويع شركائها ومصادر وارداتها.
كما أن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها شريكا استراتيجيا، ليس فقط كسوق، ولكن كبوابة إقليمية للإنتاج والتجارة في أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يمنح القرار بعدا جيو اقتصاديا وليس تجاريا فقط.
وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قد يرتفع إلى نحو 21 مليار دولار هذا العام، مقابل 19 مليار دولار حاليا، مع توقعات بزيادة الصادرات المصرية إلى الصين بما لا يقل عن 20% بفعل هذا الإعفاء.
لكن الأهم من الأرقام، هو ما يمكن أن ينتج عنها.
فزيادة الصادرات لا تعني فقط بيع سلع أكثر في الخارج، بل تعني زيادة الإنتاج المحلي، وتشغيل مصانع بطاقة أعلى، وتحفيز استثمارات، وتوسيع سلاسل القيمة المرتبطة بالنقل والخدمات والتوريد.
وهنا تظهر المنفعة على الاقتصاد المصري.
زيادة الصادرات تعني تدفقات أكبر من النقد الأجنبي، وهو ما يدعم ميزان المدفوعات، ويخفف الضغط على العملة، ويعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، كما قد يساهم في تقليص جزء من العجز التجاري وتحسين مؤشرات النمو.
لكن ماذا عن المواطن؟
قد يبدو الملف بعيدا عن الحياة اليومية، لكنه ليس كذلك.
حين تزيد الصادرات، تتحرك المصانع، وتزداد فرص التشغيل، وتتوسع الأعمال المرتبطة بالإنتاج، ما يعني دخلا وفرصا أكثر.
وعندما يتحسن تدفق العملة الأجنبية ويخف الضغط على الاقتصاد، ينعكس ذلك، ولو تدريجيا، على الاستقرار الاقتصادي ومستويات الأسعار.
بل إن المكسب الأبعد مدى، هو رفع قيمة المنتج المصري نفسه، وتعزيز مكانة الصناعة الوطنية في أسواق كبرى، وهي مكاسب تمتد آثارها لسنوات.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن الإعفاء الجمركي وحده لا يصنع طفرة.
فالفرصة لن تتحول إلى نجاح إلا إذا رافقها تطوير لجودة المنتج، ودعم للمصدرين، والتوسع في الصناعات الأعلى قيمة مضافة، لأن الأسواق الكبرى لا تكافئ من يدخلها فقط، بل من يستطيع الاستمرار فيها.
في النهاية، ما حدث ليس مجرد خبر عن رسوم جمركية ألغيت.
إنه فرصة اقتصادية، وربما بداية تموضع جديد لمصر في التجارة الدولية إذا أحسن استغلالها.
وفي الاقتصاد، بعض القرارات تكون أهم مما تبدو عليه.
وهذا، في تقديري، واحد منها.

تعليقات