أونلي ليبانون : سباق الهيمنة.. الجيش الأمريكي يعيد صياغة حروب المستقبل بالذكاء الاصطناعي والدفاع الفرط صوتي

أونلي ليبانون : سباق الهيمنة.. الجيش الأمريكي يعيد صياغة حروب المستقبل بالذكاء الاصطناعي والدفاع الفرط صوتي

أونلي ليبانون : سباق الهيمنة.. الجيش الأمريكي يعيد صياغة حروب المستقبل بالذكاء الاصطناعي والدفاع الفرط صوتي

تشهد أروقة وزارة الدفاع وميادين الاختبارات الجوية تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية التي يتبناها الجيش الأمريكي لمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين المتصاعدة. وتتجلى هذه الرؤية في الدمج العميق للذكاء الاصطناعي ضمن أساطيل الطيران، وتشييد درع صاروخي منيع قادر على سحق الابتكارات الهجومية للخصوم. إنها قصة صراع تكنولوجي محموم يهدف إلى ضمان السيادة المطلقة فوق السحاب وفي طبقات الجو العليا، حيث تصبح السرعة والذكاء هما معيار النصر الوحيد.

وحسب تقرير لموقع “دي فينس نيوز” المتخصص في الشؤون العسكرية، فقد نفذت وحدة تابعة للقوات الجوية اختبارات ميدانية مكثفة لطائرة قتالية مسيرة من طراز “YFQ-44A”. وجرت هذه العمليات في قاعدة إدواردز الجوية بولاية كاليفورنيا، حيث تسعى واشنطن من خلالها لتعزيز برنامج الطائرات القتالية التعاونية المعروف اختصاراً باسم “CCA”.

 وتأتي هذه الخطوة لترسيخ مفاهيم نظام اقتناء القدرات القتالية الجديد الذي يعتمد على السرعة الفائقة في التنفيذ والقدرة العالية على المناورة التشغيلية.

تعتبر طائرة “YFQ-44A” التي تطورها شركة “أندوريل إندستريز” نقلة نوعية في عالم المسيرات شبه ذاتية التشغيل التي يعول عليها الجيش الأمريكي مستقبلاً. وأوضح جيسون ليفين، نائب رئيس الهندسة في الشركة، أن التصاميم الجديدة تخلت عن المفهوم التقليدي الذي يتطلب وجود مشغل بشري يتحكم في كل حركة. الهدف هو إيجاد طائرة قادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية ذكية في ميدان المعركة، مما يقلل العبء على العنصر البشري ويزيد من كفاءة العمليات الجوية المعقدة.

وكشف مارك شوشنار، نائب رئيس أنظمة القوة الجوية الذاتية، عن تفاصيل الاختبارات التي أجريت مؤخراً بنجاح باهر في الميدان الجوي بساحة كاليفورنيا. وشملت التدريبات عمليات إطلاق واستعادة الطائرة وتدويرها بين الطلعات الجوية بسرعة قياسية، مما يمنح القوات قدرة على الاستجابة الفورية للتهديدات. كما تدرب الفنيون على إجراءات الفحص الدقيق قبل وبعد التحليق، بالإضافة إلى عمليات تحميل وتفريغ الذخائر بكفاءة عالية تعكس جاهزية النظام للدخول في الخدمة الفعلية قريباً.

ثورة المسيرات في برنامج الطائرات التعاونية

استخدم المشغلون خلال التمرين حواسيب محمولة معززة لتحميل خطط المهام المعقدة وبدء عمليات الإقلاع والتحرك الذاتي للطائرة دون تدخل يدوي مباشر. وألغى هذا الأسلوب المبتكر الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة أو قواعد جوية ثابتة ومكلفة، مما يسهل نشر الطائرات في بيئات قتالية قاسية ومناطق نائية. إن هذه المرونة التشغيلية هي العمود الفقري لاستراتيجية الانتشار السريع التي يخطط لها الجيش الأمريكي لضمان التفوق في أي نزاع مسلح محتمل حول العالم.

صممت طائرة “فوري” لتكون سهلة الصيانة عبر طاقم صغير جداً مقارنة بالمنصات التقليدية التي تتطلب جيشاً من المهندسين والفنيين لكل طائرة. وأثبتت الاختبارات أن عدداً محدوداً من الأفراد تمكنوا، بعد تدريب بسيط استغرق أياماً قليلة، من تجهيز الطائرة للتحليق مجدداً في وقت قياسي.

ويعكس هذا التوجه رغبة القادة العسكريين في تسريع وتيرة العمليات القتالية وتقليل التكاليف اللوجستية المرتبطة بصيانة الطائرات المسيرة المتطورة في الخطوط الأمامية للمواجهة.

تؤكد القوات الجوية أن دمج مشغلي وحدة العمليات الهندسية مع مختصي الاقتناء يخلق حلقة تغذية راجعة تتيح معالجة الثغرات الفنية بشكل فوري ومباشر. وقال العقيد تيموثي هيلفريتش إن هذا التعاون يوازن بين المخاطر التشغيلية في الميدان ومخاطر التطوير الهندسي، مما يضمن خروج منتج نهائي يلبي طموحات المقاتلين. ويهدف هذا التنسيق الوثيق إلى تحسين إجراءات استدامة الطائرات القتالية في البيئات المتنازع عليها، حيث تكون الاتصالات والخدمات اللوجستية معرضة لاستهداف العدو الدائم.

استثمارات ضخمة لردع التهديدات فرط الصوتية

في سياق متصل، منحت وكالة الدفاع الصاروخي شركة “نورثروب جرومان” تعديلاً مالياً ضخماً بقيمة 475 مليون دولار لتطوير برنامج “GPI” الدفاعي المتطور. ويرفع هذا التعديل القيمة الإجمالية للاتفاقية إلى 1.3 مليار دولار، مما يعكس الأهمية القصوى التي يوليها الجيش الأمريكي لتطوير قدرات اعتراض الصواريخ. ويهدف البرنامج لردع الصواريخ فرط الصوتية التي تطورها القوى الكبرى، والتي باتت تشكل التهديد الأكثر تعقيداً للأنظمة الدفاعية التقليدية الموجودة حالياً في الخدمة.

يستهدف نظام “GPI” معالجة المشكلة التقنية المستعصية المتمثلة في إسقاط الصواريخ خلال طور الانزلاق، وهي المرحلة التي تلي الانفصال عن صاروخ الدفع. وتعتبر هذه المرحلة تحديداً هي الثغرة التي تحاول واشنطن سدها، حيث تطير الصواريخ المعادية بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت مع قدرة هائلة على المناورة. وبسبب هذه الخصائص، يصعب على الرادارات التقليدية تتبع مسارها، مما يجعل الصواريخ الباليستية القديمة تبدو وكأنها أهداف سهلة مقارنة بهذه الوحوش الجوية الجديدة.

تعمل شركة “نورثروب جرومان” على تصميم مفهوم مبتكر لنظام الاعتراض منذ عام 2022، مع التركيز على دقة الإصابة في طبقات الجو العليا. ورغم وجود أنظمة دفاعية مثل “ثاد” المخصص للمراحل النهائية، إلا أنها لا تستطيع التعامل مع الأهداف التي تكتفي بالمناورة الأفقية السريعة.

 ومن هنا تأتي أهمية النظام الجديد الذي يسعى الجيش الأمريكي لامتلاكه لملء الفجوة الدفاعية بين أنظمة الاعتراض الفضائي وأنظمة الدفاع الجوي الميدانية القريبة من سطح الأرض والمواقع الحيوية.

سباق التسلح العالمي والمواجهة التكنولوجية

تأتي هذه التحركات الدفاعية رداً على نشر روسيا لمركبات “أفانغارد” الانزلاقية، وعرض الصين لصاروخ “دي إف 17” القادر على حمل رؤوس نووية وتقليدية. وقد استثمرت موسكو وبكين مليارات الدولارات في هذه التقنيات التي صُممت خصيصاً لاختراق الدروع الصاروخية التي تفتخر بها القوات الغربية منذ عقود طويلة. 

كما دخلت كوريا الشمالية على خط المواجهة باختبار صواريخ تزعم أنها فرط صوتية، مما وضع ضغوطاً إضافية على المخططين العسكريين في واشنطن لسرعة التحرك.

تعتبر وكالة الدفاع الصاروخي أن برنامج “GPI” يمثل أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم. ومع تحديد عام 2028 موعداً نهائياً لإتمام المرحلة الحالية، يسابق المهندسون الزمن للانتقال نحو الإنتاج الضخم وتجهيز البطاريات الدفاعية الأولى للنشر الميداني. 

ويعكس هذا الجدول الزمني حالة الاستنفار داخل وزارة الدفاع الأمريكية لمواكبة القفزات التكنولوجية التي حققها الخصوم في مجال المحركات النفاثة التضاغطية والمواد المقاومة للحرارة العالية.

على جبهة أخرى، يسعى سلاح الجو لامتلاك أسطول يضم ألف طائرة “CCA” على الأقل للعمل جنباً إلى جنب مع المقاتلات المأهولة المتطورة. وستقوم هذه المسيرات بمهام الحماية والاستطلاع والضربات الجوية، مما يوفر غطاءً أمنياً لطائرات “إف 22″ و”إف 35” في سيناريوهات الحروب الكبرى. ويخطط القادة لإشراك هذه المسيرات في عمليات قتالية معقدة، حيث تعمل كـ “زميل مخلص” للطيار البشري، مما يضاعف القوة النيرانية دون تعريض حياة الطيارين لمخاطر إضافية غير ضرورية.

آفاق المستقبل وبناء القوة الرادعة

بدأت شركة “أندوريل” بالفعل في إنتاج طائرة “YFQ-44A فيوري” ضمن برنامج الاقتناء السريع، متفوقة في بعض الجوانب الجدولية على منافستها “جنرال أتوميكس”. ومن المتوقع أن يتخذ الجيش الأمريكي قراراً حاسماً خلال العام الجاري باختيار شركة واحدة لتولي مهام الإنتاج الواسع النطاق لهذه الطائرات المستقبلية الذكية. 

ويعتمد هذا القرار على نتائج الاختبارات الميدانية ومدى قدرة الطائرات على الاندماج في نظام القيادة والسيطرة الموحد الذي يربط كافة القطاعات العسكرية ببعضها البعض.

في الوقت ذاته، يستمر مكتب البحوث البحرية في دعوة الشركات لتقديم عروض تقنية لدعم تطوير هياكل طيران تتحمل الضغوط الهائلة للسرعات فرط الصوتية.

 ويشمل ذلك برنامج “فلاش” الذي يهدف لإنتاج صواريخ بمواد تقليدية وتكلفة أقل، لضمان قدرة واشنطن على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد إذا لزم الأمر. إن الهدف النهائي هو بناء قوة ردع متكاملة تجمع بين الهجوم الكاسح والدفاع المستميت، مما يجعل أي فكرة للاعتداء على المصالح الأمريكية مغامرة غير محسوبة العواقب.

إن تكامل هذه البرامج، من المسيرات الذكية إلى الدروع الصاروخية الفرط صوتية، يرسم ملامح القوة العسكرية في العقد القادم حيث السيادة للتكنولوجيا والذكاء. 

وبينما تراقب العواصم العالمية هذه التطورات، يواصل المهندسون في كلفورنيا وفرجينيا العمل بصمت لتطوير أدوات الحرب التي لن تحتاج يوماً لطيار يجلس داخل قمرة القيادة. وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على قدرة الابتكار الأمريكي في الحفاظ على ميزان القوى العالمي ومنع نشوب صراعات كبرى عبر امتلاك أدوات الردع الأكثر فتكاً وتطوراً.


أونلي ليبانون : سباق الهيمنة.. الجيش الأمريكي يعيد صياغة حروب المستقبل بالذكاء الاصطناعي والدفاع الفرط صوتي