أونلي ليبانون : الملاذ الأخير.. الأسواق الأمريكية تعزل نفسها عن صدمات العالم وتترك أوروبا في مهب الريح

أونلي ليبانون : الملاذ الأخير.. الأسواق الأمريكية تعزل نفسها عن صدمات العالم وتترك أوروبا في مهب الريح

أونلي ليبانون : الملاذ الأخير.. الأسواق الأمريكية تعزل نفسها عن صدمات العالم وتترك أوروبا في مهب الريح

زلزال في الأسواق الأمريكية: كيف أطاح اتفاق أبريل ببدائل الاستثمار العالمية؟

​يشهد المشهد الاستثماري العالمي حالياً زلزالاً حقيقياً في التوجهات الكبرى، حيث أدى إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أبريل ألفين وستة وعشرين إلى إعادة إحياء استراتيجية لا بديل عن الأسواق الأمريكية. هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل أطاح تماماً بنظرية وجود بديل حقيقي التي سادت مطلع العام، حين حاول المستثمرون الهروب نحو قارات أخرى بحثاً عن عوائد رخيصة.

​وحسب تقرير لرويترز وتحليلات معاهد الاستثمار الرائدة، فإن إعلان الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل مثّل نقطة التحول المركزية في هذا المسار التاريخي. فمنذ تلك اللحظة الفارقة، تدفقت سيولة نقدية ضخمة قدرت بنحو ثمانية وعشرين مليار دولار مباشرة نحو المحرك الاقتصادي الأول في العالم. وتعكس هذه الأرقام ثقة متجددة في قدرة الولايات المتحدة الفائقة على عزل نفسها تماماً عن تقلبات الطاقة والصدمات.

​لقد سادت في بداية العام الجاري استراتيجية حاول من خلالها مديرو الصناديق البحث عن بدائل حقيقية في أوروبا وآسيا. كان الرهان قائماً على أن ضعف الدولار سيمنح الأسواق الناشئة والمتقدمة خارج الحدود فرصة للتفوق وتحقيق مكاسب استثنائية. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، حيث أثبت الواقع أن القوة الهيكلية للاقتصاد الأمريكي تظل عصية على المنافسة، خاصة في أوقات الأزمات الجيوسياسية الحادة والتحولات الكبرى.

​ويرى الخبراء أن العودة إلى الاستثمار في الولايات المتحدة ليست مجرد عاطفة عابرة بل هي نتاج دراسة عميقة للأرقام والنتائج. فبينما كانت القارات الأخرى تعاني من ضغوط التضخم وتكاليف الطاقة، كانت الشركات الكبرى في نيويورك تحقق هوامش ربح قياسية. هذا الفارق الجوهري في الأداء التشغيلي دفع الصناديق السيادية والمستثمرين الأفراد إلى إعادة توجيه بوصلتهم الاستثمارية نحو الغرب بشكل جماعي ومفاجئ للجميع.

الاستثناء الأمريكي في مواجهة عواصف الطاقة العالمية

​ويضع مايكل براون، الاستراتيجي العالمي في معهد فرانكلين تمبلتون، تفسيراً هيكلياً لهذا الاندفاع الكبير نحو الأسواق الأمريكية في الوقت الراهن. ويرى براون أن العالم واجه مؤخراً صدمته الخارجية الرابعة في غضون ست سنوات فقط، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ الحديث. وبالنظر إلى طبيعة هذه الصدمة، فليس من المستغرب أن يلوذ الجميع بالاقتصاد الذي يحقق أفضل النتائج على المدى الطويل جداً.

​إن الاقتصاد الذي يستثمر بكثافة في المدى القصير ويحقق حزمة متكاملة من النتائج الإيجابية هو الاقتصاد الأمريكي وحده. وقد تجسد هذا الصمود في مؤشر ستاندرد آند بورز الذي تجاوز حاجز السبعة آلاف نقطة في قفزة تاريخية مذهلة. هذا الارتفاع الذي بلغ اثنين في المئة فوق مستويات ما قبل الحرب، يعكس حصانة فريدة ضد الاضطرابات التي عصفت ببورصات لندن وفرانكفورت وطوكيو في آن واحد.

​وفي مقابل هذا الزخم الكبير، بدأت الأسواق الأوروبية والآسيوية تدفع ضريبة قاسية نتيجة ارتهانها للظروف الخارجية الصعبة. فقد شهدت صناديق الأسهم في القارة العجوز نزوحاً ضخماً لرؤوس الأموال بقيمة بلغت أربعة مليارات وسبعمائة مليون دولار. وهذا الرقم يمثل أكبر عملية خروج للأموال منذ عام ألفين وأربعة وعشرين، مما يشير إلى فقدان الثقة في قدرة أوروبا على اللحاق بركب النمو العالمي السريع.

​ويشير المحللون إلى حقيقة جيوسياسية جوهرية تمنح التفوق المطلق للولايات المتحدة في هذا الصراع الاقتصادي المحتدم. فبينما تعاني أوروبا واليابان من تبعات اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الوقود، يستفيد الاقتصاد الأمريكي من كونه مصدراً صافياً للطاقة. هذه الحصانة الاستراتيجية جعلت من الأسواق الأمريكية قلعة محصنة لا تتأثر كثيراً بالحرائق المشتعلة في مناطق أخرى من العالم، بل تزداد قوة وتماسكاً مع الوقت.

فجوة الأرباح وتعديلات صندوق النقد الدولي

​وعلى صعيد الأرباح الصافية، تظهر الفجوة بين القارات بوضوح تام لصالح الشركات المدرجة في بورصة وول ستريت الشهيرة. إذ يتوقع لشركات مؤشر ستاندرد آند بورز تحقيق نمو في الأرباح بنسبة تقارب أربعة عشر في المئة خلال العام الجاري. ويعود الفضل في ذلك إلى المرونة الفائقة التي يتمتع بها قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو القطاع الذي يمثل العمود الفقري للنمو العالمي في العصر الرقمي الجديد.

​في المقابل، يقتصر نمو الشركات الأوروبية على نسبة ضئيلة لا تتجاوز أربعة فاصلة اثنين في المئة فقط من الأرباح الإجمالية. والمثير للقلق أن معظم هذا النمو المتواضع يعود حصرياً لقطاع النفط والغاز، مما يعني غياب الابتكار في القطاعات الأخرى. هذا التباين الشاسع جعل كبرى بنوك الاستثمار العالمية ترفع تصنيف الأسواق الأمريكية إلى وزن زائد، معتبرة إياها الوجهة الأكثر أماناً في ظل الصدمات الخارجية المتلاحقة.

​وقد جاءت تقارير صندوق النقد الدولي لتعزز هذه الرؤية المتفائلة لمستقبل الاقتصاد في الولايات المتحدة على حساب القوى الأخرى. فبينما تم خفض توقعات النمو لمنطقة اليورو بشكل ملحوظ لتصل إلى واحد فاصلة واحد في المئة، حافظت واشنطن على زخمها. وتوقع الصندوق أن يحقق الاقتصاد الأمريكي نمواً بنسبة اثنين فاصلة ثلاثة في المئة، وهو فارق كبير يعكس قدرة المحرك الأمريكي على العمل بكفاءة عالية.

​إن المشهد الاستثماري اليوم يتلخص في قناعة راسخة لدى كبار الاستراتيجيين في مختلف العواصم المالية العالمية المؤثرة. فبعد أربع صدمات عالمية كبرى في ست سنوات، من الطبيعي جداً أن تعود الأموال إلى الاقتصاد الذي يثبت دوماً تفوقه. وتظل صدارة الأسواق الأمريكية حقيقة لا يمكن تجاهلها، حيث تثبت يوماً بعد يوم أنها الأكثر قدرة على الاستثمار في المستقبل وضمان العوائد المجزية للمستثمرين الصبورين.

​لقد كانت الأسابيع الماضية بمثابة اختبار حقيقي لقوة التحمل الاقتصادي في مواجهة الأزمات الجيوسياسية المعقدة التي يشهدها كوكبنا. وبينما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية حدوث تراجع، فاجأت الولايات المتحدة العالم بقدرتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص. وهذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة استثمارات ضخمة في البنية التحتية التكنولوجية والطاقة المستقلة التي جعلت الاعتماد على الخارج في أدنى مستوياته التاريخية.

​إن المستثمرين الذين راهنوا على تراجع الدور الأمريكي وجدوا أنفسهم يهرعون للعودة قبل فوات الأوان وضياع الفرص السانحة. فالأرقام لا تكذب، والنمو المسجل في مؤشرات الأسهم الرئيسية يعطي إشارة واضحة بأن المستقبل لا يزال يكتب في نيويورك وسيليكون فالي. ومع استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، يبدو أن هيمنة الدولار وأصوله ستظل هي السمة الغالبة على المشهد المالي العالمي لسنوات طويلة قادمة دون منازع حقيقي.

 


أونلي ليبانون : الملاذ الأخير.. الأسواق الأمريكية تعزل نفسها عن صدمات العالم وتترك أوروبا في مهب الريح