قبل اكتشاف لقاحات شلل الأطفال، كان فيروس شلل الأطفال (Poliovirus) من أكثر الأمراض التي أثارت الرعب حول العالم، إذ لم يكن يقتصر على إصابة الأطراف بالشلل، بل كان يصل في بعض الحالات إلى عضلات التنفس، فيفقد المريض القدرة على التنفس بصورة طبيعية. وكانت وسيلة النجاة الوحيدة هي جهاز ضخم من المعدن عُرف باسم “الرئة الحديدية” (Iron Lung)، وهو جهاز أنقذ حياة آلاف المرضى، وأتاح لبعضهم أن يعيشوا لعقود كاملة رغم عدم قدرتهم على التنفس بمفردهم.
ووفقًا لما نشرته مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فقد شهدت الولايات المتحدة خلال وباء شلل الأطفال في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي آلاف الحالات التي أصيبت بشلل عضلات التنفس، وكانت المستشفيات تضم أجنحة كاملة تحتوي على صفوف من أجهزة الرئة الحديدية لإنقاذ المرضى، قبل أن يغير اكتشاف لقاح شلل الأطفال مسار المرض عالميًا.
كيف تعمل الرئة الحديدية؟
بحسب المعهد الوطني الأمريكي للصحة (NIH)، فإن الرئة الحديدية ليست جهازًا يضخ الهواء مباشرة إلى الرئتين مثل أجهزة التنفس الحديثة، وإنما تعتمد على الضغط السلبي.
يوضع جسم المريض بالكامل داخل أسطوانة معدنية محكمة الإغلاق، بينما يبقى الرأس خارجها، ويعمل الجهاز على تغيير الضغط داخل الأسطوانة بشكل متكرر، فيتمدد القفص الصدري وينكمش، ما يسمح للرئتين بالشهيق والزفير بصورة تحاكي التنفس الطبيعي.
ويؤكد Cleveland Clinic أن هذه التقنية كانت ثورة طبية في ذلك الوقت، لأنها منحت فرصة للحياة لمرضى لم تكن لديهم أي وسيلة أخرى للتنفس.
لماذا احتاج مرضى شلل الأطفال إلى هذا الجهاز؟
تشير CDC إلى أن أغلب المصابين بفيروس شلل الأطفال لا يعانون من مضاعفات خطيرة، لكن نسبة صغيرة من المرضى يصابون بما يعرف بـ شلل الأطفال البصلي (Bulbar Polio)، حيث يهاجم الفيروس الأعصاب المسئولة عن التحكم في عضلات البلع والتنفس.
وفي هذه الحالات، قد يتوقف المريض عن التنفس تلقائيًا، وهنا تصبح الرئة الحديدية الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حياته حتى يتعافى، أو بشكل دائم إذا لم تستعد عضلات التنفس وظيفتها.
بول ألكسندر.. أشهر من عاش داخل الرئة الحديدية
تعد قصة الأمريكي بول ألكسندر الأشهر عالميًا، إذ أصيب بشلل الأطفال عام 1952 وهو في السادسة من عمره، وأصيب بشلل كامل في عضلات التنفس، ليصبح معتمدًا على الرئة الحديدية.
ووفقًا لتقرير نشرته BBC وThe New York Times، تمكن بول مع مرور السنوات من تعلم تقنية تعرف باسم التنفس الضفدعي (Glossopharyngeal Breathing)، والتي مكنته من البقاء خارج الجهاز لفترات قصيرة.
ورغم ظروفه الصحية، حصل على شهادة في القانون، وعمل محاميًا لسنوات، وأصبح متحدثًا تحفيزيًا، وألف كتابًا عن سيرته الذاتية، وظل يستخدم الرئة الحديدية حتى وفاته عام 2024، بعد أكثر من سبعة عقود من الاعتماد عليها.
مارثا ماسون.. المرض لم يمنعها من التعليم
ومن أشهر القصص أيضًا الأمريكية مارثا ماسون، التي أصيبت بشلل الأطفال وهي في الحادية عشرة من عمرها.
وبحسب كتابها Breath، وتقارير Smithsonian Magazine، عاشت مارثا معظم حياتها داخل الرئة الحديدية، لكنها أكملت تعليمها الجامعي من المنزل، وأصبحت كاتبة معروفة، وسردت في مذكراتها كيف استطاعت التكيف مع الجهاز وممارسة حياتها اليومية رغم الاعتماد عليه لساعات طويلة.
ديان أوديل.. أكثر من 50 عامًا مع الجهاز
كما عاشت الأمريكية ديان أوديل أكثر من خمسين عامًا باستخدام الرئة الحديدية بعد إصابتها بشلل الأطفال في طفولتها.
وذكرت CNN أن أوديل كانت ناشطة في الدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة، لكنها توفيت عام 2008 بعد انقطاع الكهرباء عن جهازها أثناء إعصار، وهو ما سلط الضوء وقتها على اعتماد بعض المرضى الكامل على هذه الأجهزة حتى بعد مرور عقود على اختراعها.
لماذا اختفت الرئة الحديدية؟
بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO) وCDC، أدى إدخال لقاح شلل الأطفال الذي طوره جوناس سالك عام 1955، ثم اللقاح الفموي الذي طوره ألبرت سابين، إلى انخفاض الإصابات بنسبة تجاوزت 99% حول العالم.
ومع تطور أجهزة التنفس الصناعي الحديثة، التي تعمل بالضغط الإيجابي وأصبحت أصغر حجمًا وأكثر كفاءة، توقف استخدام الرئة الحديدية تدريجيًا، ولم يعد يعتمد عليها اليوم سوى عدد نادر جدًا من المرضى.
ويؤكد الخبراء أن قصة الرئة الحديدية تمثل واحدة من أهم المحطات في تاريخ الطب، ليس فقط لأنها أنقذت آلاف الأرواح، بل لأنها تبرز أيضًا القيمة الكبيرة للتطعيمات، التي ساهمت في القضاء على أحد أكثر الأمراض فتكًا بالأطفال في القرن العشرين.

تعليقات