يعيش الشارع المصري والعربي في الآونة الأخيرة حالة استثنائية من الزخم والمشاعر الوطنية الجياشة، يمتزج فيها الفرح بالترقب والأمل، وهم يتابعون بشغف أداء منتخبهم الوطني في منافسات مونديال 2026. وفي الوقت الذي تتوحد فيه مشاعر الملايين خلف راية الوطن، وتتفاعل الشعوب العربية بقلب واحد مع هذا المحفل العالمي، اختارت أبواق الجماعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي التغريد خارج السرب. وبدت منصات التواصل الاجتماعي ساحة لصب غضبهم وتوجيه سهام النقد الممنهج لتشويه هذا الاحتفاء الشعبي والرسمي. الباحث في شؤون الحركات المتطرفة عماد عبد الحافظ، يعطينا تفسير لتفكك أبعاد وخلفيات الموقف الإخواني المتوجس من كرة القدم، كاشفًا عن توظيف الجماعة للرياضة في صراعاتها السياسية والأيديولوجية ومحاولاتها المستمرة لتكدير السلم النفسي للمجتمعات.
تفكيك الفكر الأيديولوجي
يوضح “عبد الحافظ” أن موقف عناصر التيار الإخواني من كرة القدم يتفاوت ظاهرياً؛ فالبعض يقبلها بحدود ضيقة كنشاط فردي عابر لا يعطل عن العبادة، لكن الغالبية تصطدم مع اللعبة بمجرد تحولها إلى “منظومة متكاملة” من مسابقات وجماهير وميزانيات. ويرتكز هذا الرفض الأيديولوجي على الفهم المشوه لمبدأ “الولاء والبراء”، حيث يدعي المتطرفون أن تشجيع فريق غير مسلم أو محبة لاعب غير مسلم يمثل خروجاً عن ثوابت العقيدة.
يستشهد الباحث بآراء قامات فكرية وأكاديمية بارزة حيث يؤكد الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة السابق؛ على ضرورة عدم اجتزاء النصوص، موضحًا أنه لا يمكن إصدار حكم عام دون قراءة آيات القرآن ذات العلاقة كبنية واحدة، وربط آيات عدم الموالاة بآيات البر والقسط لتكوين نظرة شاملة تراعي المقاصد الكلية للشريعة وسياقاتها.
كما يوضح الدكتور إبراهيم الهدهد رئيس جامعة الأزهر السابق؛ أن “الولاء والبراء” يرتبط سلوكيًا بمواقف الحرب والتهديد المباشر للوطن، حيث يقتضي الولاء الوقوف بجوار وطنك وقومك وهويتك ضد من يريد هدم أمنك، وليس ضد التنافس الرياضي الإنساني البريء.
هوس “الوصائية” والصراع على الرمز الشعبي
واضافة “عبد الحافظ” أن تسوق الجماعة الإرهابية مبرراتها الفضفاضة لرفض اللعبة؛ مثل الاختلاط في المدرجات، والملابس الرياضية التي يزعمون أنها تكشف العورات، وكونها أداة لإلهاء الشعوب عن قضاياها الكبرى. لكن الأسباب الحقيقية تذهب لأبعد من ذلك بكثير، وتتلخص في محورين:
أولًا الصراع على “الرمز” حيث تصنع كرة القدم نجومًا ورموزًا يحظون بحب جارف من الشباب والنشء، وهو ما تراه الجماعة تهديداً مباشراً واحتكاكاً بفكرة “القدوة والرمز” التي يعتقد المتطرفون أنهم الأحق باحتكارها تاريخياً لتوجيه عقول الجماهير.
ثانيًا النزعة الوصائية المتأصلة فالرغبة الدائمة في فرض الوصاية الفكرية على المجتمع، والاعتقاد بأن أفكارهم هي الحق المطلق. لذا يسعون لفرض رؤيتهم الضيقة وتحريم الرياضة والفنون بناءً على نظرة أحادية ترى السلبيات والتعصب الفردي فقط وتتجاهل الرسالة الإنسانية والتقارب بين الشعوب.
تسييس الرياضة ورفض إنجازات الدولة
وربط “الباحث” الموقف السلبي للتنظيم الإرهابي من المنتخب الوطني مباشرة بصراعاتهم السياسية مع الدولة المصرية. حيث يرى هؤلاء أن أي إنجاز يحققه المنتخب، وأي دعم تقدمه الدولة للمنظومة الرياضية، يصب في نهاية المطاف في صالح استقرار الدولة وتعزيز اللحمة الوطنية. لذا، يسعى التنظيم بشتى الطرق لتسفيه هذا الإنجاز والتقليل منه، رغبة في إبقاء حالة السخط والإحباط الشعبي التي يتغذى عليها خطابهم التحريضي، مستكثرين على المصريين لحظة فرح وتلاحم بريء.
من ينشر الفتنة والعنف فعلياً؟
والمفارقة الكبرى التي يكشفها الباحث عماد عبد الحافظ هي “الازدواجية الصادمة” في خطاب المتطرفين؛ فهم يحذرون من كرة القدم بدعوى أنها تسبب الفرقة والانقسام والتعصب الأعمى بين الجماهير، بينما يمارسون سلوكيات مدمرة تحقق هذه النتائج وأسوأ بكثير موضحًا؛ إن الانقسامات المجتمعية الناتجة عن خطاب هذه الجماعات التي يدعي كل فصيل فيها أنه الممثل الحصري والوحيد للإسلام الصحيح أشد فتكًا وتمزيقًا للنسيج الوطني من أي تعصب كروي عابر في المدرجات. كما أن العنف الفعلي وثقافة الكراهية التي يبثونها في عقول أتباعهم تفوق بمراحل أي مظهر من مظاهر شغب الملاعب.
الكآبة كمنهج حياة
واكد عماد عبد الحافظ الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة على عداء التنظيم المتطرف لبهجة المونديال يعكس نظرة سوداوية كئيبة للحياة، قائمة على وهم أن الاستمتاع بالحياة والترويح عن النفس يتناقضان مع الإيمان والتعلق بالآخرة. إنها محاولة بائسة لفرض الكآبة كقالب إجباري على المجتمع كأحد مظاهر وصايتهم الفكرية، وهي المحاولة التي تتحطم دائماً أمام وعي الشعب المصري وقدرته الفطرية على انتزاع الفرح والالتفاف حول راية بلاده في السراء والضراء.

تعليقات