<< إيمان أبو جامع: فقدت زوجي وابني.. ولم يعد لدي سوى ياسر
<< ابني يذبل أمامي ولا أملك له دواء ولا طعاما
<< دفنت جزءا من قلبي مرتين ولا أريد أن أعيش الفقد للمرة الثالثة
<< المدير الإداري لمستشفى الأهلي المعمداني : مجتمعنا يفتقر لأبسط مقومات الطفولة الطبيعية ونقص ملحوظ في الأدوية
<< 4,000 طفل مريض أو مصاب بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع
<< 55,000 طفل دون الخامسة في غزة يعانون من سوء تغذية
<< طبيب أطفال بغزة: الطفح الجلدي وتورم الوجه والقيء وآلام في البطن أبرز أعراض حساسية القمح
<< متحدث الدفاع المدني: ما يحدث في غزة انهيار شامل للحياة
<< طبيب باطني بغزة: غياب المختبرات الطبية اللازمة لتشخيص حساسية القمح للمرضى مما يتسبب في وفاتهم
<< مسئول بهيئة شئون المنظمات الأهلية بغزة: ملف تحويل المرضى للعلاج في الخارج يكاد يكون مشلولا ودخول المساعدات الطبية لم يشهد تحسنا
فوق أرض لم تعد كما كانت، وعلى أنقاض بيت تحول إلى ذكرى، تفترش إيمان أبو جامع قطعة قماش داخل خيمة مهترئة، تحاول أن تحتمي بها من قسوة الواقع، بينما لا شيء يحمي قلبها من نزيف الفقد، حيث لا جدران تحتضن الحزن، ولا سقف يقي الدموع، فقط سماء مفتوحة وألم لا ينتهي.
هذه الأم المكلومة لم تفقد بيتها فقط، بل فقدت كل ما كان يمنحها الأمان، فخلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ودعت زوجها عبد المجيد عرفات بعد صراع مع مرض “حساسية القمح”، وقبل أن تجف دموعها، كانت قد شيعت ابنها موسى، الذي رحل هو الآخر بالمرض ذاته، وبين الفاجعتين، لم تجد وقتا للحزن، إذ كانت تستعد لمواجهة الخوف الأكبر، فطفلها الصغير ياسر عرفات، الذي بدأ يسلك الطريق نفسه.
مرض غامض
في الخيمة، حيث لا دواء كاف ولا غذاء مناسب، يواجه ياسر مرضا غامضا لم يتمكن الأطباء حتى الآن من تشخيصه بدقة، مرض يسلبه قدرته على المشي تدريجيا، ويترك جسده الهزيل يصارع الألم في صمت، بينما تراقبه والدته بعينين أنهكهما السهر والخوف، فيما تقترب الأم من طفلها، تحاول أن تخفي ارتجاف يديها وهي تلمس جبينه المشتعل بالحرارة، تقول بصوت مكسور: “كل يوم بخاف أصحى ألاقيه راح ثمل أخوه وأبوه”، فلا تملك سوى الدعاء، ولا تملك سوى الانتظار، انتظار قد يكون قاسيا بما يكفي ليخطف منها ما تبقى.
الطفل ياسر عرفات
وكشف المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، خلال إحصائيات له في 5 أبريل الماضي، حجم كارثة الحرب على أطفال القطاع، حيث إن هناك 3700 طفل عولجوا من سوء التغذية خلال شهر فبراير 2026، بينهم 600 حالة حرجة، وهناك 31 ألف طفل مهددون بالموت بسبب الجوع، لافتا إلى أن هناك 1400000 نازح وآلاف الأطفال بلا مأوى.
وأشار إلى أن العدوان الإسرائيلي تسبب في تدمير 179 مدرسة حكومية، و تضرر 100 مدرسة للأونروا، كما أن هناك 700 ألف طالب محرومون من التعليم، و39 ألف حُرموا من التوجيهي، بالإضافة إلى أن هناك 1100000 طفل بحاجة لدعم نفسي، بجانب انتشار واسع للأمراض خاصة الإسهال واليرقان.
صرخات المصابين في غزة
الحالة الصحية لياسر في تدهور مستمر، إذ يعاني من سوء تغذية حاد، ونقص شديد في الألبومين والبروتين، إلى جانب إسهال واستفراغ متواصلين، وارتفاع دائم في درجة الحرارة. جسده الصغير لم يعد يحتمل، وبدأت الانتفاخات تظهر في أطرافه، خاصة السفلية، نتيجة خلل خطير في الامتصاص، وكأن جسده يعلن استسلامه تدريجيا.
الأطباء حذروا من أن الوقت لم يعد في صالحه، مؤكدين أن حالته تتطلب تدخلا عاجلا وعلاجا متخصصا خارج البلاد، حيث الإمكانيات التي قد تنقذ حياته، لكن بين الخيمة والفقر والحصار، يبدو الوصول إلى هذا العلاج حلما بعيدا، فيما يتقدم المرض بخطوات سريعة لا تنتظر.
آلام فوق الاحتمال
داخل هذه الخيمة، لا توجد ألعاب ولا ضحكات، فقط صمت ثقيل يقطعه أنين طفل، ونظرات أم تخشى أن تعيش الفقد للمرة الثالثة، فكل زاوية هنا تحكي قصة حرمان، وكل لحظة تمر تحمل معها خوفا جديدا من النهاية، ورغم كل هذا، لا تزال متمسكة بالأمل، ترفع صوتها بنداء إنساني بسيط لكنه موجع: “أنقذوا ابني ياسر، فلا أريد أن أدفن طفلي كما دفنت أخاه وأباه فقد دفنت جزءا من قلبي مرتين ولا أريد أن أعيش الفقد الثالث، فلم يعد لدي سوى بعد الله عز وجل ياسر”، نداء يتجاوز حدود الكلمات، ليصل إلى كل قلب قادر على الرحمة، لعل هناك من يسمعه، قبل أن تتحول هذه الخيمة إلى شاهد جديد على مأساة أخرى.
مرض الطفل ياسر عرفات
في غرفة مكتظة داخل أحد المرافق الصحية المنهكة، يرقد ياسر عرفات صاحب الست سنوات، بجسد أنهكه المرض، وعينين غائرتين تعكسان حجم الألم الذي يفوق عمره الصغير، فلم يعد اللعب جزءا من يومه، ولا المدرسة حلما قريبا، بل تحولت حياته إلى صراع يومي مع أعراض قاسية تتفاقم في ظل نقص حاد في الإمكانات الطبية.
وأظهرت الفحوصات الأولية إصابته بمرض “حساسية القمح”، وهو ما تسبب في تدهور حالته الصحية بشكل خطير ومتسارع، في ظل غياب نظام غذائي علاجي مناسب وصعوبة توفير بدائل خالية من الجلوتين، هذا المرض الذي يتطلب متابعة دقيقة ورعاية متخصصة، تحوّل في واقع الإمكانات المحدودة إلى تهديد مباشر لحياته.
ورغم محاولات الأطباء لإنقاذه، فإن النقص الحاد في المعدات والإمكانات الطبية حال دون تقديم العلاج اللازم، لتبقى التدخلات المتاحة محدودة أمام تعقيد حالته، فيما تزداد المأساة قسوة حين نعلم أن شقيقه الأصغر موسى توفي قبل أربعة أشهر فقط نتيجة المرض ذاته، في مشهد لا تزال تفاصيله محفورة في ذاكرة العائلة التي تعيش اليوم الخوف نفسه، لكن بوجع مضاعف.
مناشدة الأم
وتتحدث إيمان أبو جامع والدة الطفل الفلسطيني ياسر عرفات عن رحلة الألم التي يعيشها نجلها منذ أشهر، في محاولة يائسة للتشبث بأي أمل ينقذ حياته، حيث تقول إن طفلها حصل بالفعل على تحويلة طبية للعلاج خارج البلاد، لكن الانتظار طال أكثر مما يحتمل جسده الصغير.
وتضيف لـ”اليوم السابع”: “أخذنا تحويلة رسمية، وكل أوراقه جاهزة، لكن حتى الآن ما زلنا ننتظر سفره، وكل يوم يمر أخاف أن تتدهور حالته أكثر قبل أن تأتي الموافقة”.
وتشير إلى أن الإمكانيات الطبية داخل مجمع ناصر الطبي ضعيفة للغاية مقارنة بحجم الحالة وتعقيدها، مؤكدة أن العلاج اللازم لمرضه غير متوافر في المستشفى، خاصة أن ياسر يحتاج إلى رعاية متخصصة ونظام غذائي علاجي دقيق وأدوية غير متوفرة، والانتظار يضاعف من معاناته اليومية مع الإسهال المستمر والانتفاخات وارتفاع الحرارة.
ياسر عرفات
أطفال غزة بين الألم والحرمان
في قلب المعاناة اليومية التي يعيشها الأطفال في غزة، تتكشف صورة قاسية لطفولة تُسلب منها أبسط حقوقها، وسط انهيار الخدمات الأساسية وتفاقم الأزمات الإنسانية، وفي هذا السياق، يرسم موسى عياد، المدير الإداري لمستشفى الأهلي المعمداني في القطاع، ملامح واقع صادم يعيشه آلاف الأطفال، مؤكدا أن ما يحدث لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل تهديد حقيقي لمستقبل جيل كامل.
ويقول في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، إن الأطفال في غزة يعانون من أوضاع صعبة للغاية نتيجة ضعف الخدمات الأساسية، موضحا أن المجتمعات تفتقر إلى أبسط مقومات الطفولة الطبيعية، حيث “لا توجد مساحات مخصصة للعب أو أندية، ولا أماكن آمنة تساعد الأطفال على التفريغ النفسي، رغم أن ذلك يعد جزءا أساسيا من النمو الاجتماعي والدور الطبيعي للطفل في المجتمع”.
ويضيف أن هذا الحرمان لا يتوقف عند غياب الترفيه، بل يمتد ليشمل التعليم، الذي بات هو الآخر في دائرة الخطر، مشيرا إلى أن الأطفال يواجهون تحديات كبيرة في التعليم، نتيجة نقص حاد في المدارس والأماكن التعليمية، كما أن الإحصائيات تعكس حجم الكارثة، حيث طفل واحد فقط من كل خمسة أطفال ملتزم بعملية التعليم، وهو ما يكشف عن أزمة تعليمية عميقة تهدد مستقبل الأجيال القادمة.
أما الأطفال من ذوي الإعاقة، فيعيشون معاناة مضاعفة، بحسب عياد، الذي يؤكد أنهم يعانون من نقص واضح في المراكز المتخصصة والخدمات التأهيلية، إلى جانب محدودية توفر الأدوات المساعدة، ما يحرمهم من فرص حقيقية للاندماج في المجتمع أو تحسين جودة حياتهم.
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، إذ يشير المدير الإداري لمستشفى الأهلي المعمداني في القطاع، إلى أن الأسر تواجه صعوبات كبيرة في توفير الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة، موضحا أن هناك نقصا ملحوظا في الأدوية داخل الأسواق والمستشفيات، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية وتحولها إلى إعاقات دائمة.
وفيما يتعلق بالأطفال المرضى، يؤكد أنهم يواجهون تحديات مضاعفة نتيجة الازدحام الشديد في المستشفيات وضعف الإمكانيات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية المقدمة لهم، مشددا على أن الأطفال يعانون من نقص المتابعة والرعاية اللازمة، ما يجعلهم في حالة انتظار غير واضحة لمصيرهم الصحي.
آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج
تصريحات موسى عياد تكشف جانبا مؤلما من واقع الطفولة في غزة، حيث تتراكم الأزمات فوق أكتاف الصغار، في وقت يحتاجون فيه إلى الحماية والرعاية، لا إلى الانتظار والخوف، وبين نقص الإمكانيات وضيق الأفق، يبقى السؤال معلقا كيف يمكن إنقاذ هؤلاء الأطفال قبل أن تضيع طفولتهم إلى الأبد؟
وأكدت مؤسسة الضمير الفلسطينية لحقوق الإنسان، أن حياة أطفال غزة اليومية تحولت إلى معاناة مركبة من القتل، والإصابة، والحرمان، وفقدان الأمان، في مخالفة لأبسط الحقوق الأساسية المكفولة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني، واتفاقية حقوق الطفل، وكافة المواثيق الدولية ذات الصلة.
وأضافت خلال بيان لها، أن المعطيات الموثقة تشير إلى أن الأطفال في القطاع كانوا الضحية الأبرز للعدوان المستمر منذ 7 أكتوبر 2023، إذ بلغ عدد الأطفال الشهداء أكثر من 18,500 طفل حتى شهر مارس من العام 2026، مع استمرار ارتفاع الأعداد بشكل يومي في ظل القصف المتواصل، من بينهم اطفال رضع أقل من عام 916 شهيدا، كما توفوا بسبب سوء التغذية 95 طفلا، كما تشير تقارير من وكالة الأونروا بأن حوالي 55,000 طفل دون الخامسة في غزة يعانون من سوء تغذية، بينهم حوالي 12,800 حالة مصنفين ضمن المرحلة الخطيرة، وتشكل هذه الأرقام مؤشرا صادما على حجم الاستهداف المباشر وغير المتناسب للأطفال.
وأوضحت أن العدوان خلف آلاف الأطفال المصابين بإعاقات دائمة، في ظل تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 21 ألف طفل في غزة يعانون من إعاقات نتيجة الإصابات البليغة، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار شبه كامل وعدم القدرة على تقديم خدمات إعادة التأهيل اللازمة.
الأطفال الضحايا في غزة
وأكدت أنه لا يزال الأطفال الفلسطينيون عرضة لانتهاكات جسيمة، حيث يقدر وجود نحو 350 طفل فلسطيني في سجني مجدو وعوفر، فيما تجاوز عدد الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال منذ بداية العدوان اكثر من 5 ألاف طفل، وسط ظروف احتجاز قاسية وحرمان من ضمانات المحاكمة العادلة .
وأشارت المؤسسة إلى أن أطفال غزة يعيشون كارثة إنسانية غير مسبوقة، إذ تشير المعلومات إلى وجود نحو 4,000 طفل مريض أو مصاب بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، في ظل منع الإجلاء الطبي المنتظم، كما يعاني عشرات الآلاف من الأطفال من أمراض مزمنة وسوء تغذية حاد نتيجة الحصار ونقص الغذاء والدواء، كما أفرزت الحرب أعدادا هائلة من الأطفال الأيتام، حيث تشير التقديرات الإنسانية إلى وجود عشرات الآلاف من الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ما يضعهم في دائرة هشاشة متفاقمة، ويهدد مستقبلهم النفسي والاجتماعي.
وقالت إن الحرب حرمت أكثر من 785 ألف طفل بشكل شبه كامل من حقهم في التعليم منذ بدء العدوان، حيث دمرت أو تضررت غالبية المدارس، وتوقفت العملية التعليمية، في انتهاك صارخ لحق أساسي كفله القانون الدولي، موضحة أن هذه الوقائع مجتمعة تعكس نمطا ممنهجا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل، بما في ذلك الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والحماية، وهي حقوق غير قابلة للتصرف بموجب اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني.
تجلس إيمان أبو جامع مثقلة بالحزن، تحاول استيعاب حجم الفقد الذي اجتاح حياتها خلال فترة وجيزة، فلم تكن تتخيل أن تتحول أيامها إلى سلسلة متلاحقة من الصدمات، وبصوت يختلط فيه الألم بالذهول، تقول: “كان فقدان زوجي صدمة بالنسبة لي، لم أتوقع هذا الأمر إطلاقا، ولا أستطيع التعايش مع ما حدث”.
الطلاب الضحايا من الحرب على غزة
قسوة الواقع
كلمات قليلة تختصر مأساة عميقة، حيث لم تعد قادرة على تجاوز وقع الفاجعة، أو استيعاب قسوة الواقع الذي فرض نفسه عليها، حيث تضيف: “فقداني لزوجي وابني ترك آثارا قاسية، وضعي صعب للغاية، وأفكاري مشتتة، كيف حدث كل هذا لي؟ في كل فترة أفقد أحدهم، حتى أصبحت أخشى على ياسر، ابني المريض، من أن أفقده كما فقدتهما”، خوف دائم يلازمها، وكأنها تعيش في انتظار فاجعة جديدة لا تحتملها.
عائلة إيمان أبو جامع
داخل الخيام، تتضاعف المعاناة، حيث تفتقر الحياة إلى أدنى مقومات الاستقرار والكرامة، وهنا تقول إيمان: “الوضع في الخيام صعب للغاية، ولا أستطيع التأقلم معه، فهي حياة قاسية للغاية”، حيث لا مأوى حقيقي يحميها من الألم، ولا مساحة آمنة تمنحها بعض السكينة.
خسائر 733 يوما من الحرب على غزة
أما طفلها ياسر، فيخوض معركة قاسية مع مرض غامض لم يتمكن الأطباء من تشخيصه حتى الآن، قائلة : ” أنا موجودة في المستشفى منذ أربعة أشهر”، في رحلة طويلة من القلق والانتظار دون أمل واضح في الشفاء، وللأسف، لا يوجد علاج لحساسية القمح”، في إشارة إلى عجز الإمكانيات الطبية عن إنقاذ طفلها، بينما يتفاقم وضعه يوما بعد يوم، ولا تقتصر المعاناة على المرض، بل تمتد إلى أساسيات الحياة، حيث تضيف: “حتى الطعام بالكاد يتوفر والحمد لله على كل حال”.
حساسية القمح
ويشرح الدكتور خالد النبريص، طبيب أطفال بمستشفى شهداء الأقصى في غزة، تفاصيل مرض حساسية القمح وخطورته لدى الأطفال حيث يعرف طبيا باسم Wheat Allergy، وهي رد فعل مناعي غير طبيعي يحدث تجاه بروتينات القمح.
ويوضح في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أن الجهاز المناعي لدى الطفل المصاب يتعامل مع بروتينات القمح، الموجودة في أطعمة مثل الخبز والمعكرونة، على أنها مواد ضارة، مما يؤدي إلى إفراز مواد كيميائية مثل الهيستامين، وهو ما يسبب ظهور الأعراض التحسسية، لافتا إلى أن الأعراض تظهر عادة خلال دقائق إلى ساعات من تناول القمح، وتشمل طفحا جلديا أو حكة “أرتيكاريا”، وتورما في الوجه أو الشفاه، إضافة إلى القيء أو الإسهال وآلام في البطن، وقد تمتد في بعض الحالات إلى الجهاز التنفسي مسببة سعالا أو صعوبة في التنفس، بينما قد تتطور الحالات الشديدة إلى صدمة تحسسية حادة قد تهدد الحياة.
جحيم يواجه الأطفال في غزة
ويؤكد أن هذه النوع من الأمراض غالبا ما تظهر في سن الرضاعة أو الطفولة المبكرة، وقد تختفي تدريجيا لدى بعض الأطفال مع التقدم في العمر، لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة لتجنب المضاعفات، لافتا إلى حساسية القمح تمثل تفاعلا مناعيا سريعا قد يكون خطيرا.
وفيما يتعلق بالتشخيص، يقول “النبريص” إن الطبيب يعتمد على التاريخ المرضي للمريض، إلى جانب اختبارات الجلد للحساسية، وتحليل الدم لقياس الأجسام المضادة من نوع IgE، وأحيانا يتم اللجوء إلى اختبار تحدي الطعام تحت إشراف طبي صارم للتأكد من التشخيص، مؤكدا أن العلاج الأساسي يتمثل في تجنب القمح بشكل كامل، مع استخدام مضادات الهيستامين عند الحاجة لتخفيف الأعراض، بينما قد تتطلب الحالات الشديدة استخدام حقن الأدرينالين الطارئة لإنقاذ حياة الطفل.
هندسة تجويع ممنهجة
إيمان أبو جامع تعيش ظروف معيشية كارثية، في ظل نقص شديد في الطعام، حيث لا تستطيع أن توفر الغذاء لنفسها ولطفلها المريض، وهو ما يكشفه المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، خلال بيانه في 12 أبريل، أن القطاع يتعرض لعملية هندسة تجويع ممنهجة ومتعمدة ومتصاعدة يمارسها الاحتلال من خلال التحكم الكامل في تدفق السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق والخبز، بما يشكل تهديدا مباشرا للأمن الغذائي لأكثر من 2.4 مليون إنسان في القطاع.
جرائم الاحتلال في غزة
وأضاف خلال البيان، أن الأشهر الأخيرة شهدت تراجعا خطيرا في إنتاج الخبز نتيجة نقص الدقيق، في ظل تضييق شديد على إدخال البضائع والمساعدات الإنسانية، حيث لم تتجاوز الكميات التي سُمح بدخولها في أفضل الأحوال 38% فقط من إجمالي ما كان يدخل قبل حرب الإبادة الجماعية، رغم ما تم الاتفاق عليه ضمن البروتوكول الإنساني بالسماح بدخول 600 شاحنة يومياً، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال مطلقا، موضحا أن المطبخ المركزي العالمي أوقف دعمه للدقيق بشكل كامل، بعد أن كان يوفر ما بين 20 إلى 30 طنا يوميا، وكذلك قام برنامج الغذاء العالمي بتقليص كميات الدقيق من 300 طن إلى 200 طن يوميا، كما أوقفت مؤسسات أخرى متعددة برامج دعم الخبز والدقيق، ما فاقم من حدة الأزمة في القطاع.
ويشير إلى أن الاحتياج اليومي للقطاع من الدقيق يبلغ نحو 450 طنا، في حين لا يتوفر حاليا سوى قرابة 200 طن فقط، ما يخلق فجوة يومية حادة، كما ويعمل في الوقت الراهن نحو 30 مخبزا تنتج ما يقارب 133 ألف ربطة خبز يوميا، منها 48 ألف ربطة توزع مجانا، و85 ألف ربطة تباع بسعر مدعوم عبر 142 نقطة بيع معتمدة، ورغم ذلك، فإن هذه الكميات لا تغطي الاحتياج الفعلي للسكان، خاصة في ظل تقليص الدعم الدولي، محذرا من مخاطر حقيقية لتوقف ما تبقى من الدعم الإنساني، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار منظومة الخبز بشكل كامل، ويعزز من سياسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال “الإسرائيلي” ضد المدنيين في قطاع غزة.
ويؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة محمود بصل، أن ️ما يجري في القطاع ليس مجرد أزمة إنسانية، بل انهيار شامل للحياة حيث يعيش معظم السكان في صدمات نفسية مستمرة، لافتا إلى أن صمت منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية يطرح تساؤلات خطيرة حول مصداقيتها ويجعلها شريكا في هذا الفشل الأخلاقي والإنساني.
انهيار المنظومة الصحية
خلال حديث إيمان أبو جامع في السطور السابقة عن مرض ابنها تطرقت إلى انهيار المنظومة الصحية التي لم تعد قادرة على علاج ابنها، مما جعلها مضطرة إلى الحصول على تحويلة طبية لعلاج ياسر عرفات – الذي يتواجد داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس – خارج القطاع،
وأعلنت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان لها في 11 أبريل، إيقاف أحد المولدات الرئيسية في مجمع ناصر الطبي أحد أكبر المرافق الطبية في قطاع غزة، نتيجة عدم توفر الزيوت اللازمة للتشغيل، موضحة أن الفرق الفنية بدأت في الاعتماد على تشغيل المولدات الأقل قدرة لتزويد الأقسام الحيوية بالكهرباء ضمن ساعات عمل معينة.
وأضافت، أن الإجراءات البديلة ليست حلا للمشكلة بل تزيد من تعقيدات الحالة وظروف تقديم الرعاية الطبية للمرضى والجرحى، كما أن مرور المزيد من الوقت دون تدخل عاجل من الجهات المعنية يقرب المستشفى أكثر من اللحظات التي لن يُكتب للإجراءات البديلة النجاح مع تفاقم ازمة نقص الزيوت وقطع الغيار.
وعن واقع المستشفيات المنهار وعدم القدرة على علاج المرضى، يقول الدكتور سهيل أبو حصيرة، طبيب باطني بإحدى مستشفيات غزة إنه في ظل ظروف الحرب القاسية التي يشهدها القطاع، لا تتوفر إحصاءات صحية رسمية دقيقة حول حجم انتشار الأمراض، مشيرا إلى أن النسبة العامة لانتشار بعض الأمراض في منطقة الشرق الأوسط تُقدر بنحو حالة واحدة لكل ألف شخص، إلا أن الواقع في غزة يختلف بشكل كبير بسبب الانهيار الصحي.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أن الأمراض المرتبطة بحساسية القمح أو الاضطرابات الهضمية تعد خطيرة وتحتاج إلى تشخيص دقيق، إلى جانب الالتزام الكامل بأطعمة خالية من مكونات القمح، ووجود نظام غذائي خاص لهؤلاء المرضى أمر ضروري لكنه مرتفع التكلفة وغير متاح بسهولة في القطاع، موضحا أن ضعف الإمكانيات الطبية أدى إلى وقوع العديد من الوفيات التي يمكن تجنبها، نتيجة غياب المختبرات الطبية اللازمة للتشخيص، وارتفاع تكلفة الفحوصات في حال توفرها، فضلا عن انعدام الدعم الموجه لتوفير الغذاء المناسب للمرضى من الأطفال والبالغين.
ويشير إلى أنه لا توجد جهات مانحة كافية لتأمين الاحتياجات الغذائية الخاصة بالمرضى، ما يفاقم من خطورة الحالات، واستمرار الإسهال المزمن وسوء الامتصاص يؤدي إلى فقدان العناصر الغذائية والفيتامينات الأساسية، وهو ما قد يفضي إلى ما وصفه بـ”الموت المحتم” في بعض الحالات المصابة بحساسية القمح نتيجة سوء التغذية الحاد، موضحا أن هذه الحالات تؤدي أيضا إلى ضعف عام في الجسم، وفقدان الكتلة العضلية، وهشاشة العظام، في ظل غياب منظومة صحية متكاملة، بسبب الحصار وتدهور البنية التحتية الصحية في جميع المجالات.
ويؤكد الدكتور سهيل أبو حصيرة، أن أعداد كبيرة من المرضى يعانون دون قدرة على تلقي العلاج المناسب، وكثيرون قد يفقدون حياتهم يوميا بسبب نقص المستشفيات والأدوية والإمكانات التشخيصية والعلاجية، لافتا إلى أن صعوبة الأوضاع الصحية في القطاع لا يمكن استيعابها إلا من يعيشها بشكل مباشر.
ويتحدث عن تجارب شخصية مؤلمة، من بينها وفاة شقيقه نتيجة التهاب الكبد الوبائي بسبب عدم توفر سرير في المستشفى لتلقي العلاج، ووفاة شقيقته نتيجة التهاب رئوي بسبب نقص المضادات الحيوية، مؤكدا أن الوضع الصحي في القطاع يمر بانهيار شبه كامل، مقدرا نسبة التدهور في المنظومة الصحية بنحو 95%، في ظل استمرار نقص الموارد الطبية والإنسانية بعد الحرب.
دور الجمعيات الأهلية بغزة
وفي ظل تداعيات الحرب على غزة وما خلفته من أزمات إنسانية وصحية متفاقمة، برز دور الجمعيات الأهلية بوصفه أحد أهم خطوط الدعم المباشر للأسر اليتيمة، خصوصا تلك التي تعاني من وجود أطفال مرضى يحتاجون إلى رعاية طبية وغذائية مستمرة في ظل عجز المنظومة الصحية وتراجع الإمكانات الطبية بشكل كبير.
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
وتسعى العديد من الجمعيات الأهلية العاملة في القطاع إلى سد جزء من الفجوة الناتجة عن انهيار الخدمات الصحية، من خلال تقديم مساعدات نقدية وعينية للأسر الأكثر تضررا، خاصة الأسر التي فقدت المعيل وتعاني من عدم القدرة على توفير تكاليف العلاج أو المستلزمات الطبية الأساسية للأطفال المرضى.
وتشمل هذه الجهود توفير أدوية أساسية، ومستلزمات علاجية، إضافة إلى دعم غذائي خاص للحالات التي تعاني من أمراض مزمنة أو سوء تغذية، في ظل النقص الحاد في الأدوية وارتفاع أسعار ما يتوفر منها في الأسواق المحلية. كما تعمل بعض المؤسسات على التنسيق مع جهات طبية دولية ومحلية لمحاولة تأمين تحويلات علاجية للحالات الحرجة، رغم الصعوبات الكبيرة في إجراءات السفر والإغلاق المستمر للمعابر.
ويؤكد كمال أبو شاويش، مسئول بهيئة شئون المنظمات الأهلية في غزة، إن الوضع الصحي بقطاع ما زال يراوح مكانه دون أي تحسن ملموس، سواء فيما يتعلق بالأطفال أو مختلف الفئات من المصابين، مؤكدا أن المنظومة الصحية تعاني من تدهور مستمر في ظل استمرار الأزمات الإنسانية والقيود المفروضة.
ويشير في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أن المستشفيات والمراكز الطبية تواجه نقصا حادا للغاية في المواد الطبية الأساسية، والأجهزة والمعدات، والأدوية، إضافة إلى الأدوات المساعدة مثل الكراسي المتحركة والعكازات وغيرها من المستلزمات الضرورية لتمكين المرضى من تلقي الرعاية المناسبة.
ويوضح أن ملف تحويل المرضى للعلاج في الخارج يكاد يكون مشلولا، حيث لا تسمح سلطات الاحتلال إلا بخروج أعداد محدودة للغاية من المصابين ممن حالتهم حرجة، بينما توجد قوائم انتظار طويلة للغاية، يتعرض كثير من أصحابها لمضاعفات صحية خطيرة نتيجة تأخر العلاج، مضيفا أن وزارة الصحة الفلسطينية، ومنظمة الصحة العالمية، والصليب الأحمر لا يمتلكون إجابات واضحة بشأن آليات السفر أو مواعيد السماح بالسفر.
ويقول إن وضع دخول المساعدات الإنسانية، سواء الإغاثية أو الطبية، لم يشهد أي تحسن حتى بعد وقف العدوان في أكتوبر 2025، موضحا أن ما يُسمح بدخوله يقتصر على كميات متقطعة وموسمية من السلع الغذائية عبر التجار، والتي تبقى أسعارها مرتفعة بشكل كبير، في حين أن المساعدات الإغاثية تمر عبر قيود صارمة ولا يُسمح بها إلا لمؤسسات محددة وبكميات شحيحة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
أزمة النزوح في غزة
ويشدد على أن هذا الحصار الإسرائيلي والانغلاق انعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد الطبية، ما أدى إلى عجز كبير داخل المستشفيات الحكومية والخاصة وحتى التابعة لمؤسسات دولية، حيث تعاني من نقص حاد في أبسط المستلزمات الطبية الخاصة بالإسعافات الأولية وخدمات التمريض، فضلًا عن شح الأدوية والمضادات الحيوية واللقاحات الأساسية للأطفال.
ويشدد كمال أبو شاويش، على أن القيود المفروضة على حركة المرضى ودخول المساعدات يمكن وصفها بأنها استمرار لسياسات العقاب الجماعي، التي أثرت بشكل مباشر على الوضع الإنساني والصحي في القطاع منذ بداية التصعيد في السابع من أكتوبر، لافتا إلى أن القطاع الصحي في غزة يمكن وصفه بالكارثي، إذ لم يعد قادرا على التعافي أو استعادة جزء من قدرته التشغيلية في تقديم الخدمات الأساسية أو إجراء العمليات الجراحية، في ظل استمرار منع التنقل عبر المعابر للعلاج في الخارج، إلى جانب النقص الحاد في المستلزمات الطبية والعقاقير الأساسية نتيجة الإغلاق والحصار المفروض.
رسالة عاجلة
وفي ختام حديثها، تطلق إيمان أبو جامع نداء إنسانيا عاجلا، يحمل ما تبقى لديها من رجاء: “الوضع صعب للغاية داخل القطاع، لا استطع تحمل ظروف تلك الحياة الصعبة في ظل مرض أبنى، بعد وفاة زوجي وابنى الأخر، أتمنى من وزارة الصحة الفلسطينية أن تُسرع إجراءات تحويل ابني ياسر لتلقي العلاج”، نداء أم أنهكها الفقد، لكنها ما زالت تقاوم بكل ما تبقى لديها من قوة، متشبثة بخيط أمل أخير، عله ينقذ طفلها من مصير لا تستطيع احتماله مرة أخرى.

تعليقات